فضل كريم واقف قدامي، وعينه مليانة خوف.
سألته تاني:
“إنت كنت عارف إيه يا كريم؟”
بلع ريقه، وقعد على الكرسي كأنه شايل جبل فوق كتفه.
قال بصوت مهزوز:
“في حاجات… مينفعش تعرفيها دلوقتي.”
صرخت فيه لأول مرة من يوم جوازنا:
“بعد خمس سنين كدب، لسه في حاجات مينفعش أعرفها؟!”
سكت… ودفـ,ـن وشه بين إيديه.
وفجأة، موبايله رن.
كانت أمه.
بص للشاشة، واتوتر أكتر.
رد عليها، وأول جملة سمعتها كانت:
“متقولهاش حاجة… أنا جاية حالًا.”
قفلت السماعة، وبصلي برجاء.
“ياسمين… استني لما أمي تيجي.”
قلتله بعصبية:
“أنا مش هستنى حد. أنا عايزة الحقيقة منك.”
بعد أقل من ربع ساعة، حماتي وصلت وهي بتجري.
أول ما دخلت الشقة، قالت لكريم:
“كنت هتتكلم؟!”
رد بصوت واطي:
“ماقدرتش أكدب عليها أكتر من كده.”
بصيت لهم وأنا مش فاهمة.
قلت:
“هو في إيه؟”
حماتي قربت مني، وحاولت تمسك إيدي، لكني بعدتها.
قالت:
“في كلام لازم تعرفيه… بس بالله عليكي اسمعيه للآخر.”
قلبي كان بيدق بعنف.
حسيت إن حياتي كلها هتتغير في اللحظة دي.
قالت وهي بتبكي:
“كريم… قبل جوازكم بسنين… عمل عملية كبيرة.”
سكتت لحظة، وكملت:
“وبعدها الدكتور قال إنه… مستحيل يخلف.”
حسيت إن صوتها بقى بعيد.
بصيت لكريم.
كان باصص في الأرض…
وساكت.
صرخت فيه:
“يعني إيه؟!”
رفع عينه لأول مرة، والدموع نازلة على خده.
وقال:
“أيوه… أنا عقيم.”
وقعت على الكنبة وأنا حاسة إن الدنيا اسودت.
خمس سنين…
خمس سنين وأنا بلوم نفسي…
وأنت كنت عارف الحقيقة كلها!
لكن قبل ما أستوعب الصدمة…
قال كريم جملة كانت أصعب من اعترافه:
“أنا مش الوحيد اللي غلط يا ياسمين…”
ورفع عينه ناحية باب الشقة…
في اللحظة اللي كانت شيماء داخلة منه. أول ما شيماء دخلت الشقة وشافتني بعيط، وقفت مكانها.
بصت لكريم، وبعدين لحماتي، وقالت بغضب:
“إنتوا قلتولها؟”
حماتي نزلت راسها، لكن كريم رد بصوت مكسور:
“مقدرتش أكدب عليها أكتر من كده.”
لفيت لشيماء وأنا جسمي كله بيرتعش.
قلت:
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
فضلت ساكتة.
كررت السؤال وأنا بصرخ:
“انطقي… كنتِ عارفة إن كريم عقيم؟”
غمضت عينيها وقالت بهدوء:
“أيوه… كنت عارفة.”
في اللحظة دي، حسيت إن حد غرس سـ,ـكينة في قلبي.
“ومن إمتى؟”
قالت:
“من قبل ما تتجوزوا.”
قومت من مكاني، وقربت منها.
“يعني إنتِ اللي أقنعتيني بالجوازة… وإنتِ عارفة إنه مستحيل يخلف؟”
ردت وهي بتحاول تبرر:
“كنت خايفة عليكي تفضلي من غير جواز… وكريم راجل محترم.”
ضحكت ضحكة كلها وجع.
“يعني ضحيتي بحلمي إني أبقى أم… عشان أتجوز وبس؟”
شيماء بدأت تعيط.
“صدقيني كنت فاكرة إنك هتعيشي مبسوطة، وإن الأطفال مش كل حاجة.”
بصيتلها بقهر.
“بس القرار ده كان قراري أنا… مش قرارك إنتِ.”
أحمد، جوز شيماء، كان واقف ساكت طول الوقت.
وفجأة قال:
“أنا كنت فاكر إنها قالتلك الحقيقة.”
الكل بصله في صدمة.
حتى شيماء.
قالها بصوت مليان ندم:
“شيماء قالتلي إنها صارحت ياسمين بكل حاجة… وإنها وافقت وهي عارفة.”
لفيت أبص لشيماء.
وشها اصفر.
وعرفت إنها كانت بتكدب على الكل…
مش عليا بس.
في اللحظة دي، خدت شنطتي.
كريم حاول يمنعني.
قلتله:
“أنا مش هقدر أكمل في بيت اتبنى على كدبة.”
خرجت من الشقة.
وأنا نازلة السلم، رن تليفوني.
كانت الدكتورة.
رديت وأنا بعيط.
قالت:
“يا مدام ياسمين… في حاجة مهمة جدًا ظهرت في نتائج الفحوصات، ولازم تيجي حالًا.”
سألتها بخوف:
“خير؟”
سكتت ثواني…
وقالت:
“الموضوع مش متعلق بجوزك… الموضوع متعلق بيكي إنتِ.”
وقتها… حسيت إن المصيبة الحقيقية لسه ما بدأتش.
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل.
قلت للدكتورة:
“حضرتك خوفتيني… في إيه؟”
قالت بهدوء:
“مينفعش أشرح في التليفون، لازم تيجي النهارده.”
قفلت المكالمة، وبدل ما أروح عند أمي، غيرت طريقي وروحت على العيادة.
دخلت عليها، لقيتها حاطة ملفي قدامها.
أول ما قعدت، قالت:
“أنا راجعت التحاليل أكتر من مرة، وكمان عرضـ,ـتها على دكتور استشاري.”
قلبي كان هيقف.
قالت:
“للأسف… في التصاقات شديدة وآثار تدخل جـ,ـراحي قديم.”
قلت بسرعة:
“بس أنا والله ما عملتش أي عملية.”
بصتلي باستغراب وقالت:
“إنتِ متأكدة؟ حتى وإنتِ صغيرة؟”
فضلت أفتكر…
ولا أي حاجة.
هزيت راسي وقلت:
“متأكدة.”
فتحت الدكتورة الملف وقالت:
“عشان كده طلبت منك تجيبي أي أوراق طبية قديمة، لأن اللي ظاهر قدامي بيقول إن في إجراء طبي حصل، والإجراء ده أثر على فرص الحمل بشكل كبير.”
دموعي نزلت.
قلت:
“يعني… ممكن ألاقي السبب لو جبت الملف القديم؟”
قالت:
“أيوه… الملف القديم ممكن يجاوب على كل أسئلتك.”
خرجت من العيادة وأنا مش شايفة قدامي.
ركبت العربية وروحت على بيت أمي.
أول ما دخلت، قلت لها:
“ماما… أنا عايزة كل أوراقي الطبية القديمة.”
وشها اتغير فجأة.
وقالت بتوتر:
“أوراق إيه؟”
قلت:
“أي حاجة… أي مستشفى دخلتها وأنا صغيرة.”
قعدت أمي على الكرسي، وبصت في الأرض.
ولأول مرة… شفت الخوف في عينيها.
قبل ما ترد…
دخلت شيماء من باب الشقة.
وأول ما سمعت آخر كلامي، صرخت وقالت:
“مفيش داعي تدوري في الماضي!”
لفيت أبصلها.
وقلت بهدوء، لكن جوايا نار:
“بالعكس… أنا هقلب في الماضي كله… لحد ما أعرف مين دمـ,ـر حياتي.”
في اللحظة دي…
بصت شيماء لأمي.
وأمي بصتلها.
وكان واضح إن بينهم سر…
سر أكبر بكتير من اللي عرفته لحد دلوقتي. فضلت أبص لأمي وشيماء.
ولا واحدة فيهم كانت قادرة تبص في عيني.
صرخت:
“حد فيكم ينطق… أنا حقي أعرف!”
أمي انفجرت في العياط.
أما شيماء، ففضلت واقفة مكانها، ملامحها جامدة.
قلت لها:
“الدكتورة قالت إن في تدخل طبي قديم… وأنا عمري ما دخلت أوضة عمليات. إيه اللي حصل؟”
شيماء اتنهدت وقالت:
“أنا هحكيلك… بس مش هتسامحيني.”
رديت بحدة:
“أكيد.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“قبل فرحك بشهر، حماتي عرفت إن الدكتور أكد للمرة الأخيرة إن كريم مستحيل يخلف.”
“وقتها قالت إنها مش هتقدر تستحمل كلام الناس، ولا تشوف ابنها من غير جواز.”
“وأنا… كنت خايفة عليكي ترفضي الجواز لو عرفتي الحقيقة.”
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
قالت وهي بتبكي:
“كنت فاكرة إن الراجل المحترم أهم من أي حاجة… وإنك مع الوقت هترضي بنصيبك.”
صرخت فيها:
“وده يديكي الحق تخدعي أختك؟!”
هزت راسها وهي بتعيط.
“لأ… وده أكبر ذنب عملته في حياتي.”
لفيت ناحية أمي.
“وإنتِ؟”
أمي قالت بصوت مكسور:
“أنا عرفت بعد الجواز… ولما واجهت شيماء، قالتلي إن خلاص فات الأوان، وإن لو اتكلمنا بيتين هيتخربوا.”
قلبي وجعني أكتر.
حتى أمي سكتت…
لكن السؤال اللي كان بيقت*لني لسه ملوش إجابة.
بصيت لشيماء وقلت:
“كل ده فهمته… لكن إيه علاقة ده باللي حصل لي أنا؟”
وش شيماء اصفر.
وحماتي، اللي كانت واقفة على باب الأوضة من غير ما أحس، قالت بسرعة:
“بلاش… بلاش تفتحي الموضوع ده.”
لفيت أبصلها.
ولأول مرة، شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
عرفت ساعتها…
إن السر اللي مستخبيه مش مجرد كذبة.
في حاجة أكبر…
حاجة هي اللي خلت الدكتورة تقول إني مستحيل أبقى أم.
وقبل ما شيماء تنطق…
قالت جملة واحدة خلت الكل يسكت:
“اللي حصل لياسمين… أنا السبب فيه.” وقفت أبص لشيماء، وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
قلت بصوت مخنوق:
“قولي… عملتي فيا إيه؟”
وقعت شيماء على الأرض وهي بتعيط.
وقالت:
“قبل فرحك بكام أسبوع، تعبتي جدًا ونزل عليكي نـ,ـزيف، وفقدتي الوعي.”
افتكرت اليوم ده…
كنت فعلًا تعبت، لكن لما فوقت قالولي إنها كانت وعكة بسيطة، وخدت علاج ورجعت البيت.
كملت شيماء:
“الدكتور وقتها قال إن في مشكلة ولازم تتعالجي بسرعة، وإن لازم ولي أمر يوقع على الموافقة على التدخل الطبي.”
بصيت لأمي.
أمي فضلت تعيط وقالت:
“أنا مكنتش موجودة… كنت مسافرة عند خالتك.”
رجعت بصيت لشيماء.
قالت:
“أنا اللي مضيت.”
سألتها وأنا ببكي:
“وبعدين؟”
ردت:
“بعد العملية… الدكتور قال إن في مضاعفات نادرة حصلت، وإن فرص الحمل عندك بقت ضعيفة جدًا.”
صرخت:
“وليه مخبرتونيش؟”
قالت وهي منهارة:
“لأني في نفس الوقت كنت عرفت إن كريم عقيم… ولو قولتلك الحقيقة، كنت هتسيبيه.”
“وحماتي قالتلي: دي إرادة ربنا… وياسمين كده كده فرص حملها بقت ضعيفة، يبقى تتجوز كريم وتعيش مستورة.”
حماتي صرخت:
“أنا غلطت… بس كنت بخاف على ابني.”
بصيت لها بقهر.
وقلت:
“وخوفك على ابنك خلاكي تدمـ,ـري حياتي أنا؟”
سكتت.
ولا قدرت ترد.
لفيت ناحية شيماء.
“إنتِ كنتِ أختي… كنتِ المفروض تكوني ضهري.”
قالت وهي بتبكي:
“أنا استاهل إنك تكرهيني طول عمرك.”
رديت بهدوء:
“أنا مش هكرهك… لكن من النهارده، معنديش أخت.”
خرجت من البيت.
ورفعت ق*ضية طلاق من كريم.
كريم حاول يرجعني أكتر من مرة، وكان بيعتذر كل يوم، لكنه اعترف إنه وافق على الكذبة وسكت عنها، وخاف يواجه الحقيقة.
أما شيماء…
خسرت أختها.
وخسرت احترام جوزها، اللي أول ما عرف إنها كذبت عليه سنين، ساب البيت وطلب الانفصال.
وحماتي…
فضلت طول عمرها شايلة ذنب إنها خافت على ابنها، فضيعت حياة بنت ملهاش أي ذنب.
أما أنا…
رجعت أبني حياتي من جديد.
واتعلمت أغلى درس في حياتي…
إن أقسى خيانة مش بتيجي من الغريب… أقسى خيانة هي اللي بتيجي من أقرب الناس لقلبك. تمت
بقلم ندى الجمل