لما حماتي اقترحت قدام البيت كله

والصغير بقيت فجأة مجرد تفصيلة صغيرة محدش بياخد باله منها.
في الأول والله العظيم كنت مصدقاها ومتعاطفة معاها بل وأوقات كتير كنت أنا اللي بدافع عنها لما حد من قرايبنا يلمح إنها صغيرة ولسه العمر قدامها وإنها أكيد هتتجوز تاني لأنها كانت كل مرة تعمل نفسها منهارة وتقول إنها مش شايفة راجل في الدنيا بعد ماهر وكنت أرجع أوضتي وأقول لنفسي إن البنت فعلًا وفية لجوزها وربنا يعوضها عن اللي شافته.

لكن مع الوقت بدأت حاجات صغيرة جدًا تلفت نظري ، حاجات يمكن لو حكيتها لواحدة تانية تقول عليا بغير أو بتوهم لكن الستات بتفهم من نظرة ومن طريقة كلام ومن ابتسامة بتستخبى بسرعة.
كل ما كريم جوزي يرجع من الشغل كانت تنزل من أوضتها في نفس اللحظة تقريبًا لدرجة إني مرة كنت واقفة في البلكونة وشوفتها وهي بتبص من الستارة كل شوية على باب البيت قبل ما يوصل بعشر دقايق وأول ما دخل قامت نازلة بسرعة وقالت إنها نازلة تشرب مية مع إن المطبخ كان فيه مية من ساعة ما صحينا الصبح.

ولو كنت بعمل الأكلة اللي بيحبها كانت تدخل فجأة تعرض المساعدة ولو كنت بجهز الشاي كانت تقول إنها هتعمله بإيديها ولو كنت قاعدة معاه تتكلم كانت تظهر من العدم وتسحب الحوار
كله ناحيتها والغريب إنها عمرها ما عرضت تساعدني في تنظيف أو غسيل أو ترتيب أو أي حاجة تخص البيت نفسه وكأن اهتمامها كله كان مركز في اتجاه واحد وبس
ومرة دخلت المطبخ بالليل علشان أشرب مية ولقيتها واقفة قدام المراية الصغيرة اللي جنب التلاجة بتحط روج خفيف جدًا ولما شافتني ارتبكت ومسحته بسرعة وقالت إنها كانت بتجرب حاجة قديمة لقتها في الشنطة وساعتها صدقتها فعلًا ، أو يمكن

كنت بخدع نفسي علشان أتجنب المشكلة.
لحد الليلة اللي جمعتنا فيها حماتي على العشا واللي أنا دلوقتي شايفة إنها الليلة اللي كل الأقنعة وقعت فيها مرة واحدة…ويومها تحديدًا كانت داليا فاكرة إن خطتها قربت تنجح وإنها خلاص هتبقى ست البيت الجديدة.
لكنها ماكنتش تعرف إن الرسالة اللي اتبعتت منها بالغلط الصبح كشفتلي سر أخطر بكتير من طمعها في جوزي ، سر لو حماتي عرفته هي بنفسها اللي كانت هتطردها من البيت قبل ما تكمل كلامها.

لما حماتي قالت جملتها دي بصوت عالٍ ومسموع لكل اللي كان موجود، وكل العيون اتجهت ناحيتي مستنية انفجاري، أنا فضلت أرفع لقمة الكفتة وأكلها بهدوء تام، وبعدين شربت رشفة من العنب الأسود اللي كنت جهزته، ومسحت فمي بالمنديل ببطء كأنني مش سامعة
ولا شايفة حاجة على الإطلاق.

كانت الساعة تقريبًا الساعة الثامنة مساءً، والبيت مليان بالقرايب عمات كريم، أعمامه، بعض الجيران اللي كانوا جايين يتعشوا معانا، وكلهم كانوا عارفين من زمان إن حماتي بتحب داليا أكتر من أي حاجة، وإنها من وفاة ماهر شايفة إن داليا هي البنت اللي ما اتولدهاش، وإن أنا مجرد حاجة موجودة لا أكتر ولا أقل.
داليا كانت قاعدة جنب حماتي، ولما سمعت الكلام نزلت عينيها في الأرض، وبدأت تفرك أطراف ملابسها بيدين مرتعشتين، ودمعة نزلت على خدها ببطء كأنها مجبرة عليها، وقالت بصوت مكسور ومتهدج يا ست الكل.. حرام عليكي.. أنا لسه بذكرى ماهر كل ساعة.. ومش عايزة غير راحته لابني..

ومش عايزة أتدخل في حياة حد أبدًا… والكلام ده كان بيدخل في قلب حماتي كالعسل، فمسكتها من كتفها وقالت بصوت عالٍ للي حاضرين شفتوا؟ فين الوفا دي؟ فين الستات اللي بتخاف ربنا؟ دي بنتي وغالية عليا، وابنها ده حفيدي ودم من دمي، ومش هسمح لحد يضيعهم ولا يهملهم..

وكرم أخوها، وطبيعي إنه يحافظ على أهل أخوه اللي راح، والجواز ده هيكون حلال ومبارك، وكلنا هنكون مع بعض في بيت واحد، وما حدش بيحس بالفرقة أبدًا…
كان كل واحد موجود يبص لي وبيقول
في نفسه
دي هتجنن دلوقتي، هتعمل خناقة تخلع البيت على راسهم، لكن أنا ظلت قاعدة بهدوئي، لأنني قبل ساعتين بالظبط، وأنا بفتح رسائل كريم على الموبايل عشان أرد على حد كان بيسأله عن حاجة في الشغل لأول مرة في حياتي ما كنتش بفتحها عشان أشك، لكن الرسالة طلعت لوحدها، رسالة مرسلة من رقم غريب، وكنت عارفة الرقم ده جيدًا، هو رقم داليا القديم اللي

كانت تستخدمه قبل ما تشتري واحد جديد بعد وفاة ماهر، والرسالة كانت مكتوبة بخطها اللي كنت بحفظه من الرسائل اللي كانت بتبعتهلي تطلب فيها مساعدة في حاجات البيت
الفلوس وصلتني كلها، والشيك اللي أخذته من حساب ماهر اللي ما حدش يعرف بيه غيري خلصته كمان، والشقة اللي باسمي في العبور بعتها والفلوس معايا دلوقتي.. كل اللي باقي إن كريم يتجوزني، ووقتها نبيع الشقة الكبيرة بتاعت أمك ونقسم الفلوس، ونروح نعيش في مكان تاني ومحدش يعرف حاجة.. ما تقلقش، أمك مش هتشك في حاجة، هي شايفة إنني الملاك البريء، وكل اللي بيقولوا عليا كده.. وخلاص قربنا نحقق كل حاجة..

وقفت أقرا الرسالة مرات ومرات، وقلبي كان بيخفق بسرعة لكنني ما بكيتش ولا صرخت، لأنني عرفت في اللحظة دي إن كل دموعها، كل كلامها عن الوفا،

كل انكسارها اللي بتعمله قدام الناس كلها مجرد مسرحية كبيرة، وإنها مش بس عايزة كريم، هي عايزة فلوسهم وبيتهم وكل ما يملكون، وإنها كانت بتسرقهم من وراهم من أول يوم دخلت فيه البيت بعد وفاة زوجها.
من ذلك اليوم اللي مات فيه ماهر الله يرحمه ويغفر له كانت داليا هي النجمة اللي بتدور حولها كل الأضواء في البيت. ماهر كان الأخ الأكبر، واللي كان شغال في تجارة المواد الغذائية وكان بيجيب فلوس كتير، وكل ثروته كانت موكلة لأمهم لحد ما يتأكدوا من كل حاجة، وبعدين تسلم لداليا ولابنها الصغير عمر.

لكن داليا كانت عارفة كويس إن أمهم مش هتفرط في حق حفيدها، لكنها كانت عايزة أكتر من كده كانت عايزة تملك كل حاجة، وتبقى هي سيدة البيت، وكل ما يخص العائلة يكون تحت إيدها.
في البداية والله العظيم كنت متعاطفة معاها جدًا. كنت بشوفها بتعيط كل ما أحد يذكر اسم ماهر، وبتقول إنها عايزة تفضل هنا علشان عمر ما يحسش بالفرقة، وإن أهلها عايزينها ترجع لهم ويتجوزوها راجل تاني لكنها مش عايزة تسيب ذكرى ماهر ولا تسيب أهله. وكنت أنا اللي بدافع عنها كل ما حد من الجيران أو القرايب يقول إنها صغيرة ولسه العمر قدامها وإنها أكيد هتتجوز تاني.

كنت أقول لهم استحلف بالله ما تعرفوها.. دي بتحب ماهر بجد، وربنا يعوضها عن اللي شافته. وكنت بروح أوضتي وأقول لنفسي إن الحمد لله إن كريم عنده أخت زي دي، وإن لازم نساعدها ونقف جنبها لحد ما تعدي المحنة دي.
لكن مع مرور الأشهر، بدأت حاجات صغيرة جدًا تلفت نظري، حاجات لو قلتها لحد تاني كانت تقول عليا غيارة أو بتوهم، لكن الستات بتعرف من نظرة العين، من طريقة المشي، من ابتسامة بتختفي بسرعة لما تحس إن حد شافها.

كل ما كريم جوزي يرجع من الشغل في الساعة الخامسة عصرًا، كانت داليا تنزل من أوضتها في نفس اللحظة تقريبًا، كأنها كانت منتظرة ساعة بالظبط. مرة كنت واقفة في البلكونة بشرف الغسيل، وشوفتها وهي بتقف ورا الستارة اللي على الشباك بتاع الصالة، وكل شوية تفتحها شوية وتشوف على باب الشارع، وتعد الساعات والدقايق لحد ما تشوف عربية كريم وقفت. في اللحظة دي كانت تترك كل حاجة في إيدها وتنزل بسرعة، وتقول بصوت مرح ومفاجئ يا سلام، جيت يا كريم!

كنت جاية أشرب مية بس صدفة لقيتك جاي، مع إن المطبخ مليان مية من ساعة ما صحينا الصبح، وكلنا كنا بنشرب منه طوال اليوم.
ولو كنت أنا اللي عملت الأكلة اللي بيحبها كريم المحشي
أو الكفتة بالطحينة كانت تدخل المطبخ فجأة وتقول يا حلوة، خليني أساعدك معاكي.. ده كريم بيحب الأكلة دي قوي، لازم تطلع مظبوطة، وتبقى تقطع الخضار أو تقلب القدر، وكل شوية تنظر لباب المطبخ كأنها منتظرة يدخل في أي لحظة. ولو كنت جهزت الشاي وطلعت به للصالة، كانت تقول لا لا، خليني أنا أقدمه له..

أنا عارفة هو بيحب السكر قد إيه، وبتاخده من إيدي وتقدمه له بيدها، وتبقى تضحك معاه وتسأله عن يومه، وتسحب الحوار كله ناحيتها لحد ما أنا أصبح مجرد شخص موجود ولا أحد يحس بوجوده.
والغريب في كل ده إنها عمرها ما عرضت تساعدني في تنظيف البيت ولا غسيل الملابس ولا ترتيب الأوض، ولا حتى مسح الأرض إلا لو كان كريم موجود وشايفها، ففي الحالة دي كانت تقول يا رب ما أقدرش أشوفك بتعبي لوحدك، وتقوم تمسح شوية وتمشي.

وكل ما كنت أطلب منها أي مساعدة في حاجة وهي لوحدنا كانت تقول أصل راسي مصدعة قوي النهاردة، أو عمر عايزني جنبه دلوقتي، وكنت أقول لنفسي طبيعي، لسه مكسورة ومش قادرة تبذل مجهود.
مرة كانت ليلة باردة، والبيت كله نام، وأنا صحيت عشان أشرب مية، ونزلت للمطبخ، ولقيتها واقفة قدام المراية الصغيرة اللي جنب التلاجة، وبتحط روج أحمر
فاتح

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2