أخدت الورقة من إيده وقمت بثبات. حطيت الفلوس في جيبي والجواب في إيدي، وخرجت للمستشفى وأنا حاسة إن كل كدمة في جسمي وكل علامة زرقا تركها منير أو أمي، بدل ما تكون علامة خزي وقهر.. هتتحول لس*لاح في إيدي عشان أكسر بيه الأغلال اللي كتفتني سنين. وصلت المستشفى العام، وريحة المطهرات وصوت حركة الطوارئ ما أثرتش فيا. دخلت بقدم ثابته وقدمت الخطاب لطبيب الاستقبال، اللي أول ما شاف الكدمات اللي مغطية وشي ورقبتي ودراعي، حوّلني فوراً للطب الشرعي.
قعدت على السرير المكتبي، والدكتور بيسجل كل علامة بقسوة ووضوح: “كدمة دائرية حول العين، سحجات في الرقبة، تجمعات دموية في الذراعين…” كل كلمة كان بيكتبها كانت بتوثق سنين القهر اللي عيشتها، بس المرة دي الأوراق دي ما كانتش عشان أتبكى عليها، كانت هي وثيقة خلاصي. استلمت التقرير الطبي المعتمد، وختمته بختم النسور، وطلعت بيه فوراً على مكتب المحامي. أول ما شاف التقرير وضمه لملف القض*ية، ابتسم بثقة وقال:
ـ “كده الملف كمل يا مدام عواطف.. المحضر ده مع تقرير الآداب والتصوير هينزل النيابة بكره، وعريضة دعوى الطلاق للضرر جاهزة للرفع فوراً. منير مش بس هيلبس قض*ية آداب، ده قدامه قض*ية ضـ,ـرب وأذى عمدي، وطلاقك هيبقى بحكم محكمة ومعاكي كافة حقوقك.” سيبت مكتب المحامي وخرجت للشارع. النهار كان بدأ يصفى، وأنا واقفة في نص الطريق مش عارفة أروح فين.. لأول مرة ماليش بيت أرجعلّه، ولا أم أستنجد بيها. بس الغريبة إن الإحساس ده ما جابليش رعب، جابلي راحة الشجرة اللي اتخلعت من أرض مسمومة.
أجّرت أوضة مفروشة صغيرة في حي هادي بالفلوس اللي كانت فاضلة معايا من بيع الحلق، وقفلت الباب عليا من جوه. قعدت على السرير وبصيت للمراية.. الكدمات كانت لسه معلمة في وشي، بس النظرة اللي في عيني كانت مختلفة تماماً. ما بقاش فيه عواطف الخايفة اللي بتترعش من كلمة أمها، ولا عواطف اللي بتسكت على قلم جوزها. وفجأة.. رن تليفوني.
شفت الرقم على الشاشة، وزادت ضـ,ـربات قلبي ثانية واحدة قبل ما تظبط ثاني.. كان رقم أمي.مسكت التليفون وهو بيرن في إيدي، الشاشة كانت بتنوّر وتطفي باسم “أمي”. لثواني معدودة، رجع الصدى القديم يرن في ودني، صوت القلم، وصوت كتفي وهو بيتكتف عشان أتمكن مني.. بس المرة دي، شريط الأيام الأخيرة كلها مرّ قدام عيني في لحظة: وِش منير وهو متكلّب، العشـ,ـيقة وهي بتترعش في الأوضة، وتقرير الطب الشرعي المختوم بختم النسور في شنطتي.
الخوف مات، والبديل عنه كان برود تام.
فتحت السكة وحطيت التليفون على ودني من غير ما أنطق بحرف.
يجيلي صوتها فوراً، مليان غضب وقسوة وهي بتزعق وتجيب آخره:
ـ “أنتِ فين يا مقصوفة الرقبة؟ إيه اللي هببتيه ده؟ منير محبوس وناس من طرفه جايينلي البيت يهددوا وفضحتينارفي البلد! أنتِ اتجننتي؟ ترجعي فوراً وتتنازلي عن المحضر وتترجي رجله يسامحك، وإلا قسم بالله لو رجعتيلي مكسورة الحرمة لأكون قـ,ـاتلاكي بإيدي!”
سمعتها للآخر من غير ما أترعش، ولا دمعة واحدة تنزل من عيني. استنيت لما خلصت صريخها، ورفعت صوتي بتهدئة وشدة عمري ما عشتهم:
ـ “خلصتي؟.. اسمعيني كويس يا أمي، عشان دي آخر مرة هتسمعي فيها صوتي. عواطف اللي كنتِ بتضـ,ـربيها وتكتفيها عشان جوزها يذلها.. ماتت.
ق*تلتوها أنتوا الاتنين بسياطكم.”
صوتها اتخنق ثانية من الصدمة، وقبل ما تنطق، كملت بأعلى نبرة ثبات عندي:
ـ “منير محبوس بالقانون، وقضية الزنـ,ـا والضـ,ـرب هتوديه في داهية، وعريضة الطلاق اترفعت. وأنتِ.. لو فكرتي تقربي مني أو تضغطي عليا، التقرير الطبي اللي معايا فيه تثبيت لكل علامة في جسمي، وساعتها مش هتردد أدخلك معاه بنفس التهمة والمشاركة في الأذى. أنتِ ما بقيتيش أمي.. أنتِ بقيتي الماضي اللي نفضت ترابه عن رجلي.”
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة ثانية، وعملت للرقم بلوك نهائي، ومسحته من ذاكرة التليفون.
بصيت للشباك المفتوح في الأوضة المفروشة، كان هوا الليلة بارد ونظيف. مسكت قلم وورقة من الشنطة، وبدأت أخطط لبكره: هبدأ أدور على شغل، وهحضر جلسات النيابة والمحكمة بوش مرفوع.
لأول مرة في حياتي، أنام وأنا حاسة إن السقف اللي فوقي حاميني بجد، مش عشان فيه راجل أو أم.. بس لأن صاحبة البيت دي، أخيراً.. بقت ست نفسها.
عدّى الليل بطيئ، بس لأول مرة أنام نومة هادية من غير ما أصحى مرعوبة من صوت خطوة على السلم أو زعيق على الباب.
صحيت على النور وهو طالع من الشباك، اتوضيت وصليت وطلبت من ربنا القوة، ولبست هدومي وطلعت فوراً على سرايا النيابة عشان الجلسة.
أول ما وصلت الممر القدامي لمكتب وكيل النيابة، لقيت زحمة.. أهل منير وبعض قرايبه كانوا واقفين. أول ما شافوني، علامات الغل والتهديد وضحت على وشوشهم، وقربت مني أخته بصوت حاد وهي بتحاول تخوفني:
ـ “جرى إيه يا عواطف؟ بقيتي جبروت ورامية ابن ناس في السجن؟ افتكري إنك لو ما تنازلتيش النهاردة مش هنسيبك، ولا نسيتي أصلك وفصلك؟”
وقفت في وشها بثبات ورفعت راسي، وبصيت في عينها بشرارة حادة خليتها تتراجع خطوة لورا:
ـ “أصلي أهو قدامك، ست بتاخد حقها بالقانون.. واللي عنده كلمة مضايقاه يروح يقولها لوكيل النيابة جوه!”
في اللحظة دي، العسكري طلع منير وعشـ,ـيقته متكلبشين في بعض عشان يدخلوا المكتب. منير كان منظره يحزن، وشه مجهد، والغرور اللي كان بيتنفخ بيه اتبخر كأنه ما كانش. بصلي بنظرة كلها كسر وتوسل، شفافه شفايفه بتقول كلمة “سامحيني” من غير صوت. بس كل ما أفتكر إيده وهي نازلة على وشي وصوت ضحكهم، قلبي يتقفل زي الحديد.
دخلنا المكتب.. وكيل النيابة قعد ومرمى قدامه ملف القضية، حرز الموبايل، وتقارير الطب الشرعي. مسك الأوراق، وبص للمتهمين بنظرة صارمة، وبعدها وجّه كلامه ليا:
ـ “يا مدام عواطف.. أنتِ متمسكة بأقوالك والبلاغ المقدم منك؟”
قلت بصوت واثق هز جدران الأوضة:
ـ “متمسكة بأقوالي كلها يا فندم، ومتمسكة بحقي في كل نقطة دم نزلت مني، وبكل هتك لحرمة بيتي.”
وكيل النيابة استمع لأقوال منير اللي كان بيتأتأ ويحاول يخترع حجج واهية، بس الفيديو والتقرير الطبي والجيران اللي شهدوا في محضر الشرطة كانوا حبل المشنقة الملفوف حوالين رقبته.
بعد ساعة من التحقيق، ضـ,ـرب وكيل النيابة بالختم على الأوراق، ونطق بالقرار:
ـ “تجديد حبس المتهمين 15 يوماً على ذمة التحقيق، وإحالة القضية للمحاكمة الجنائية العاجلة بتهمة الزنا والاعتداء والضـ,ـرب العمد.”
الصدمة نزلت على منير وعشـ,ـيقته زي الصاعقة.. الست صرخت ومنير أغمى عليه تقريباً وهو بيتسحب لبرة، وقرايبه بره بقوا يلطموا ويندبوا على الفضيحة والمصير اللي هيستناهم.
خرجت من سرايا النيابة وأنا حاطة إيدي في جيبي. شفتهم بياخدوهم في بكس الشرطة، وفي اللحظة دي حسيت إن كل القهر اللي شفته في حياتي انغسل.. العدل مش بس كلام في كتب، العدل بياخده صاحب الحق لما يقرر ما يخافش.
مشيت من قدام مبنى النيابة، وصوت صريخ أهله وسرينة البكس وهي ماشية بتتبخر في الهواء ورايا. خرجت للشارع وأنا حاسة بوزن جبل انزاح عن صدري.
لأول مرة من سنين طويلة، أتنفس هواء نقي، هواء ما فيهوش ريحة خوف ولا انتظار لإهانة جديدة.
طلعت على مكتب المحامي عشان أسلمه صورة من قرار النيابة بتجديد حبسهم وإحالتهم للمحاكمة العاجلة. المحامي أخد الورق وهو بيضحك بانتصار، وقال:
ـ “كده القضية بقت في جيبنا يا مدام عواطف.. العريضة بتاعة الطلاق للضرر انترفت رسمياً، والقرار ده هيرفق بأول جلسة. منير كده محشور في زاوية مالهاش خروج، يا إما يطلق بالود ويتنازل عن كل حاجة، يا إما الحكم هيصدر بالطلاق للضرر مع حدمه بالسجن في قضية الآداب والضـ,ـرب.”
قلتله ببرود وثبات:
ـ “أنا مش عايزة منه حاجة ودية يا أستاذ.. القانون ياخدلي حقي حاف من غير ما أقف أقايضه على كرامتي.”
سيبت المكتب، ونزلت أدور على الشق الثاني من حياتي الجديدة. كان معايا باقي الفلوس اللي خدتها من بيع الحلق، بس لازم أعتمد على نفسي عشان الأيام الجاية. لفيت في الشوارع القريبة من الأوضة اللي أوجرتها، وبدأت أسأل في المحلات والمشاغل عن أي شغلانة.
وبالفعل، ربنا فتحها في وشي، ولقيت شغلانة في مشغل ملابس حريمي قريب..
صاحب المشغل كان راجل كبير في السن ومحترم، أول ما شاف جديتي وافق إني أبدأ من ثاني يوم في قسم التوضيب والتغليف بمرتب يعيشني مستورة.
مرت الأيام وسير القضية ماشي زي السيف.. جلسة الطلاق قربت، ومنير جوه السجن بياكل في نفسه من الفضيحة والعجز. أمه جابت واساط وبعتتلي ناس للبيت عشان يترجوني أتنازل أو أقبل بالطلاق الودي عشان تطلعه بعفو أو كفالة، بس كل المحاولات كانت بتتكسر على جدار السكوت والرفض اللي بنيته.
وفي يوم جلسة الطلاق للضرر.. وقفت قدام القاضي في محكمة الأسرة.
منير حضر من السجن واقف في القفص، وشه دبلان، عينيه مطفية، وهيبته المزيفة بقت تراب. القاضي استعرض محضر النيابة، وفيديو المتلبس، وتقرير الطب الشرعي، وبصلمحامي منير اللي ما كانش عنده أي دفع يقدر يقدمه.
القاضي رفع نظارته، ونطق بحكمه اللي نزل عليا زي المطر الصافي:
ـ “حكمت المحكمة بتطليق المدعية عواطف… طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها الشرعية من مؤخر وصداق ومتعة، وإلزامه بالمصاريف.”
خبط القاضي بالمطرقة.. وفي اللحظة دي، بصيت لمنير جوه القفص.
المرة دي ما كانش فيه أي غل جوايا ناحيته، كان فيه مجرد شفقة على بني آدم افتكر إن القسوة والظلم قوة، وما عرفش إن حوبة المظلوم بتدك العروش.
خرجت من باب المحكمة وأنا حاطة إيدي في جيبي، مرفوعة الراس، وحرة.. حرة من أم فاكرة الأمومة امتلاك، وحرة من زوج فاكر الرجولة استقواء. عواطف الجديدة كانت خلاص اتولدت، ومشيت في طريقها من غير ما تبص وراها أبداً.
خرجت من باب المحكمة، والنور كان غامر الشارع بشكل مختلف.. كأن الشمس طالعة مخصوص عشان تباركلي على نسختي الجديدة.
الورقة اللي في إيدي، وثيقة الطلاق، ما كانتش مجرد ورقة رسمية؛
دي كانت شهادة ميلادي الحقيقية. مشيت بثبات لحد المحطة، وركبت المواصلات ورايحة على شغلي في المشغل.
أيام المشغل كانت شاقة، بس كل نقطة عرق كانت بتنزل مني كانت بتغسل بقايا عواطف القديمة. كنت بشتغل بضمير وبتركيز، وصاحب المشغل لاحظ جديتي ونظافتي في الشغل، فبدأ يعتمد عليا في حاجات أكبر، ومع كل زيادة صغيرة في المرتب، كنت بحس بالاستقلال والحرية اللي انحرمت منهم عمري كله.
بعد كام أسبوع، وأنا قاعدة على المكنة بوضب الشغل، حست الحركة بره المشغل مش طبيعية. طلعت أشوف فيه إيه، ولقيت واحدة واقفة عند الباب وشها مدفون في الشال وبتسأل عليا بصوت بيترعش.
أول ما قربت منها ورفعت الشال عن وشها.. اتسمرت مكانتي.