حماتي قطـ,ـعت كل ملابسي الرسمية

​حماتي قطـ,ـعت كل ملابسي الرسمية وحـ,ـرقت “كارنيه” نقابة الأطباء بتاعي وأنا نايمة، في نفس الليلة اللي وزارة الصحة عينتني فيها مديرة لواحد من أكبر مستشفيات الطوارئ في مصر. ولما جوزي صحي وشاف المنظر قالي: “الهدوم بتتعوض، بس لازم تتعلمي الطاعة وتعرفي مقامك”. أنا مصرختش.. أنا بهدوء بدأت أدمـ,ـر الحياة اللي هما كانوا فاكرين إنهم متحكمين فيها. ​صحيت على ريحة شياط وصوت قماش بيتمزق. لثواني فضلت متخشبة في سريري، فاكرة نفسي في كابوس، لحد ما قمت ولقيت رماد على تسريحة أوضتي.

​حماتي، “الحاجة سعاد”، كانت واقفة قدام دولابي، ماسكة مقص ضخم. ملامحها مكنش فيها ذرة ندم، بالعكس.. كانت بتبصلي بانتصار. ​”بتعملي إيه؟” همست بصوت مهزوز. ​ردت ببرود وهي بترمي آخر بالطو طبي مقصوص على الأرض: “برجعك لحجمك الطبيعي. لو عايزة تفضلي على ذمة ابني، بكرة الصبح هتروحي تقدمي استقالتك، وتقعدي في البيت تتعلمي إزاي تكوني ست وتخدمينا.” ​من كام ساعة بس، كنت واقفة في قاعة المؤتمرات وسط أساتذة كبار بيسقفولي. بعد ١٨ سنة من النبطشيات،

التعب، والعمليات الجـ,ـراحية الدقيقة، بقيت أصغر مديرة مستشفى. كان وكيل الوزارة بنفسه بيسلم عليّا. لأول مرة من سنين، رجعت بيتي وأنا مصدقة إن كل تضحياتي كان ليها تمن. ​ودلوقتي، شقى عمري بيتحرق قدام عيني. ​”إنتي حرقتي ورقي وقطعتي هدومي وأنا نايمة؟” قلتها وأنا بحاول أسيطر على رجفة صوتي. ​سعاد ربعت إيديها: “إنتي فاكرة إن المنصب ده بيعملك قيمة؟ الست مكانها بيت جوزها، مش ماشية تدي أوامر للرجالة وتمشي كلمتها عليهم.” ​صوتنا صحى “طارق” جوزي. دخل الأوضة وهو بيفرك في عينه، بص للهدوم المتقطعة، وبقايا الكارنيه المحروق، والمقص اللي في إيد أمه.

​”ماما مزوداها شوية في القص،” تمتم ببرود. ​بصتله بذهول: “ده كل اللي عندك تقوله؟” ​هز كتافه: “إنتي اتغيرتي من ساعة ما بقيتي استشارية. مابنشوفكيش، دايماً اجتماعات، طوارئ، ومسؤوليات. نسيتي إن ليكي جوز له حقوق.” ​”أنا اللي بدفع كل مليم في البيت ده بقالي ٥ سنين!” رديت بحسم. أنا اللي كنت بدفع إيجار الشقة في التجمع، فواتير الكهربا، مصاريف البيت، قسط عربيته، مصاريف علاج أمه، وحتى اشتراك النادي. طارق كان شغال محاسب في شركة صغيرة نص يوم، ورغم كده كان دايماً مقتنع إنه “سي السيد” اللي بيحكم البيت.

​”يعني أنا أستاهل ده؟” سألته. ​”الهدوم بتتعوض،” قالها وملامحه قسيت فجأة. “بس البيوت مابتتبنيش على ست بترفض تطيع جوزها.” ​الجملة دي كانت نقطة النهاية لجوازنا. ​سعاد ابتسمت بشماتة: “بكرة الصبح تستقيلي.. مفيش مستشفيات تاني.” ​ماردتش. دخلت لميت كل الهدوم المتقطعة وبقايا الورق المحروق في كيس بلاستيك ورميته. بصيتلهم وابتسمت بهدوء: “عندكم حق. إنتوا أقنعتوني. بكرة الصبح، أنا هفضي نفسي تماماً للبيت وللعيلة دي.” ​سعاد ارتاحت فوراً: “أخيراً عقلتي.” ​عمرهم ما خدوا بالهم من الهدوء المرعب اللي كان في صوتي.

​بعدها بكام ساعة، وهما غرقانين في النوم، فتحت اللاب توب بتاعي. لغيت كل الكروت البنكية الإضافية اللي كنت مطلعاها لطارق وأمه، مسحت أسمائهم من حساباتي، حولت كل مدخراتي لحساب سري جديد، وقفت كل الدفعات التلقائية لأقساط عربيته وفواتير البيت، كلمت المحامي بتاعي، وبعت رسالة لصاحب العمارة بلغه إني هسيب الشقة بكرة والمفتاح هيكون مع البواب، وبلغت شركة نقل عفش تيجي الفجر تاخد كل حاجة أنا شاريها بفلوسي. ​كل حاجة كانت قانونية.
كل حاجة كانت متوثقة.
كل حاجة كانت نهائية.

​مع طلوع الفجر، لبست طقم كاجوال عادي، وطلعت بدل فاقد من ورقي كنت شايلاه في خزنة البنك.
طارق وسعاد كانوا لسه نايمين على المراتب (بعد ما العمال شالوا سراير الأوض التانية في هدوء)، فاكرين إني رايحة أقدم استقالتي. ​بدل ده، أنا كنت في طريقي لاستلام منصبي الجديد كمديرة للمستشفى. ولما يصحوا على رسايل رفض الكروت البنكية، والعربية اللي هتتسحب بسبب الأقساط، والشقة الفاضية اللي لازم يخلوها النهارده، هيفهموا أخيراً إيه اللي بيحصل لما تحاول تكسر دكتورة جراحة متدربة إزاي تقيم الخطر، تأمن غرفتها، وتستأصل الورم الخبيث من حياتها بمنتهى البرود.

​وأنا بقفل باب الشقة ورايا للأبد، شاشة موبايلي نورت برسالة من المحامي بتاعي.
فتحتها، قريت أول سطر، واكتشفت إن طارق وسعاد كانوا مخبيين سر.. مصيبة

أبشع وأخطر بكتير من أي حاجة كنت ممكن أتخيلها.#الكاتبه_نور_محمد
وقفت مكاني قدام باب العمارة، النسمة بتاعة الفجر كانت باردة بس النار اللي قادت في قلبي من رسالة المحامي كانت كفيلة تدفيني وتحرقهم هما الاتنين.
​الرسالة كان مكتوب فيها:
“دكتورة، أنا راجعت السجل التجاري والملفات الضريبية زي ما طلبتي إمبارح عشان نفصل ذمتك المالية عن جوزك، واكتشفت كارثة. طارق جوزك مأسس شركة توريدات طبية من تلات سنين، والمصيبة إنه مأسسها باسمك إنتي! بموجب توكيل عام إنتي كنتي عملاهوله زمان أول الجواز واتلغى، بس هو استخدمه قبل ما يتلغي.

الكارثة الأكبر إن الشركة دي هي المورد الأساسي للأجهزة الطبية الفاسدة لمستشفى الطوارئ اللي إنتي لسه متعينة مديرتها! هما كانوا مرعوبين تستلمي المنصب وتفتحي الدفاتر وتكتشفي إن جوزك بيورد أجهزة مضروبة للمستشفى باسمك، وكانوا بيحاولوا يكسروكي ويخلوكي تستقيلي بأي تمن عشان يفضلوا في السليم.”
​قريت الرسالة مرة واتنين وعشرة. الصورة وضحت تماماً. الحكاية مكنتش حكاية “حماتي بتغير مني” ولا “جوزي شرقي وعايزني في البيت”. الحكاية كانت عصابة.. عصابة بتسـ,ـرق أرواح الناس بفلوس حرام، وعايزين يلبسوني أنا العمة لو الحكاية اتكشفت!

حرق هدومي وكارنيه النقابة مكنش مجرد إهانة، ده كان محاولة بائسة لتعطيلي عن استلام شغلي النهاردة عشان يلحقوا يغطوا على جرايمهم.
​ابتسمت ابتسامة باردة جداً، مسحت دموع الصدمة اللي نزلت غصب عني، وكتبت للمحامي: “بلغ مباحث الأموال العامة، وهاتلي قوة على مكتب مدير المستشفى الساعة ٩ الصبح بالدقيقة. أنا هقدم بلاغ رسمي ضد جوزك وشركته.”
​في نفس الوقت.. في شقة التجمع
​صحيت “سعاد” على وجع في ضهرها. لقت نفسها نايمة على المرتبة على الأرض. فتحت عينيها وبصت حواليها بصدمة.. الأوضة فاضية! مفيش تسريحة، مفيش دولاب، مفيش سجاد.
قامت تصرخ وتلطم: “يا طااااارق! يا مصيبتي يابني!

إلحقنا الحرامية شالوا الشقة واحنا نايمين!”
​طارق قام مفزوع من على مرتبته في الأوضة التانية، طلع يجري في الصالة اللي بقت عبارة عن صحراء فاضية. بيبص حواليه كأنه في كابوس. مسك موبايله عشان يطلب البوليس، لقى الشاشة مليانة إشعارات من البنك:
​”تم إيقاف البطاقة الائتمانية.”
​”تم سحب الرصيد بالكامل وتحويله لحساب آخر.”
​رسالة من البواب: “يا بيه صاحبة الشقة سابت المفتاح وقالتلي أبلغكم تخلوا الشقة النهاردة عشان الإيجار خلص ومفيش تجديد.”
​طارق وشه جاب ألوان، حس إن الأرض بتتشق وتبلعه. بص لأمه اللي بتصوت وقالها بصوت بيترعش: “مش حـ,ـرامية يا ماما.. دي هي!

الدكتورة لمت كل حاجة وقطعت عننا الفلوس!”
​سعاد صرخت بغل: “بنت الـ… إزاي تتجرأ تعمل كده؟ دي لازم تتربى! اتصل بيها خليها ترجع تبوس جزمتك!”
​طارق تجاهل صراخها، وعينيه وسعت برعب وهو بيفتكر الكارثة الحقيقية. بص في الساعة لقاها ٨:٣٠ الصبح. ضـ,ـرب إيده على دماغه وصرخ: “الفلوس والعفش دول آخر همنا يا ماما.. البت لو راحت المستشفى وفتحت ملفات الموردين هنروح كلنا في داهية! أنا لازم ألحقها!”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
4