أول ما وصلت بيت أهلي، كنت حاسة إن رجلي مش شايلاني.
أمي أول ما فتحت الباب وشافتني بالشنطة، عرفت إن في حاجة كبيرة حصلت.
قالت بقلق مالك يا جميلة؟
أول ما سمعت صوتها، انهرت.
حضنتها وفضلت أعيط بشكل هستيري، لدرجة إني ما كنتش قادرة أطلع كلمة واحدة.
أبويا خرج
من أوضته على صوت العياط، وأخويا الكبير وقف يبصلي وهو مستغرب.
قال أبويا بهدوء ادخلي الأول… وبعدين احكي.
قعدت أكتر من نص ساعة أحاول أهدى.
بعدها بدأت أحكيلهم كل حاجة… من أول ما شفت رأس الأفعى وهي طالعة من قاعدة الحمام، لحد صوت المفتاح وهو بيتقفل عليا.
وأنا بحكي، كنت شايفة ملامح أبويا بتتغير.
ولما خلصت، ساد صمت طويل.
بعدها قال أبويا بصوت هادئ، لكنه مليان غضب
أنا كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لبنتي إنها تقابل أفعى… لكن طلع أسوأ منها إنها تستنجد بجوزها وما يطلعش سند.
أمي كانت بتمسح دموعها وتقول الحمد لله إن ربنا كتبلك عمر جديد.
أما أخويا، فقام وهو متعصب وقال أنا هروحله دلوقتي.
لكن أبويا منعه وقال مفيش مشاكل… اللي بين الرجال بيتحل بالعقل.
في نفس الليلة، محمد اتصل بيا أكتر من عشرين مرة.
ما رديتش.
بعت رسائل.
أنا غلطان.
والله ما قصدت.
اديني فرصة أشرح.
لكن كل مرة كنت أمسك الموبايل، أفتكر صوتي وأنا بخبط على الباب، وأفتكر صوته وهو بيقول استحملي.
قفلت الموبايل.
تاني يوم، جه بنفسه.
وقف قدام باب بيت أبويا ساعات.
أبويا خرج له.
قال محمد أنا عايز أشوف جميلة.
رد أبويا هي مش عايزة تشوفك.
قال وهو بيبكي أنا غلطت.
قال أبويا الغلط درجات… وفي غلط بيكسر حاجة
عمرها ما تتصلح.
رجع محمد وهو مكسور.
لكن محاولاته ما وقفتش.
كل يومين يبعت حد من العيلة.
مرة عمه.
ومرة خاله.
ومرة شيخ الجامع.
كلهم كانوا يقولوا نفس الجملة
الشيطان شاطر… والبيوت متتخربش.
كنت أرد عليهم بهدوء
البيوت بتتخرب لما الأمان يضيع.
بعد أسبوعين، اتعملت جلسة صلح.
قعدنا كلنا في بيت كبير العيلة.
محمد كان أول واحد اتكلم.
قال وهو باصص في الأرض
أنا عمري ما كنت أتمنى أشوفها في الموقف ده.
قلت لكن شفتني… وسيبتني.
قال أنا خوفت.
قلت وأنا؟
سكت.
قال افتكرت إن لو الأفعى خرجت هتأذي كل اللي في البيت.
قلت وأنا كنت إيه؟
مردش.
بصيت لكل اللي قاعدين وقلت
أنا مش زعلانة لأنه خاف… أي إنسان بيخاف.
كلهم سكتوا يسمعوا.
كملت
أنا زعلانة لأنه اختار نفسه… واختار البيت… وسابني أنا.
واحد من كبار العيلة قال
يا بنتي كلنا بنغلط.
قلت أكيد… لكن في غلط بيتصلح، وفي غلط بيغير نظرتك للإنسان طول
العمر.
قال محمد
أنا مستعد أعمل أي حاجة.
قلت ارجع بيا لقبل ما تقفل الباب.
نزل رأسه.
قلت
تقدر؟
هز رأسه بالنفي.
قلت
خلاص.
بعد الجلسة، خرجت وأنا حاسة إن القرار بقى أوضح من أي وقت.
مشيت شهور وأنا عند أهلي.
بدأت أرجع لطبيعتي واحدة واحدة.
بقيت أنام من غير ما أصحى كل شوية مفزوعة.
لكن في كل مرة أدخل حمام، كنت أبص تلقائيًا ناحية قاعدة الحمام.
الخوف فضل موجود…
بس مع الوقت خف.
أما محمد، ففضل يحاول.
في عيد ميلادي بعتلي هدية.
رجعتها.
في العيد
بعت ناس يعايدوني.
شكرتهم ومقابلتهوش.
حتى لما مرضت أمي، جه يطمن.
سلم على أبويا ومشي من غير ما يحاول يفرض نفسه.
بعد شهور، طلبت منه يقابلني مرة أخيرة.
استغرب.
قعد قدامي وهو فاكر إني ممكن أوافق أرجع.
قال يعني في أمل؟
قلت في أمل إنك تسامح نفسك… لكن أنا لا.
سكت.
قلت أنا هفضل طول عمري فاكرة إن في أصعب لحظة في حياتي، ناديت عليك.
بصلي.
قلت وأنت كنت واقف برة الباب.
بدأت دموعه تنزل.
قال والله ندمت.
قلت ممكن الندم يريح ضميرك… لكنه مش هيرجع ثقتي.
بعدها
بأيام، بدأت إجراءات الطلاق.
ناس كتير اتكلموا.
فيه اللي قال إني استعجلت.
وفيه اللي قال إن الراجل كان مرعوب.
وفيه اللي لامني.
لكن محدش فيهم كان مكاني.
محدش فيهم وقف فوق كرسي، مستني الموت، وهو بيسمع صوت الباب بيتقفل عليه.
بعد انتهاء كل الإجراءات، رجعت أعيش مع أهلي، وبدأت أشتغل مع أختي في مشروع صغير من البيت.
الحياة ما وقفتش.
لكنها علمتني درسًا عمري ما هنساه.
الأفعى كانت مخيفة…
لكنها كانت بتتصرف بطبيعتها.
أما الإنسان، فلما يسيب أقرب الناس إليه في
أصعب لحظة، بيكسر حاجة عمرها ما تتصلح.
ولو رجع بيا الزمن ألف مرة…
كنت هخاف من الأفعى.
لكن كنت هخاف أكتر من اليوم اللي اكتشفت فيه إن الشخص اللي وثقت فيه أكتر من نفسي، اختار يقفل الباب… ويمشي.