يتبع…كريم حاول يتمالك نفسه، واتكلم بصوت عالي قدام الناس
متسمعوش كلامها… دي بنت صغيرة ومش فاهمة في القانون!
الراجل بصله بهدوء وقال
إحنا لسه ماقولناش القانون بيقول إيه… إنت مستعجل ليه؟
الناس بدأت تتلم من أول الشارع.
الجيران اللي حضروا الفرح رجعوا يقفوا قدام البيت، وكل واحد بيسأل الثاني
هو في إيه؟
إيه اللي حصل؟
أما عروسته، فكانت واقفة مصدومة، وبصت له وقالت
يا كريم… فهمني.
اتلعثم وقال
ولا حاجة… دي مشاكل عائلية بسيطة.
في اللحظة دي، الراجل طلع ورقة تانية من الملف وقال
قبل أي تعديل أو استغلال للبيت، كان لازم يتم حصر التركة وتحديد نصيب كل وارث بشكل رسمي. وأي تصرف قبل إنهاء الإجراءات ممكن يترتب عليه نزاع قانوني.
كريم اتنرفز وقال بعصبية
البيت بتاع أبويا… وأنا ابنه!
رديت عليه لأول مرة وأنا ببص في عينه
وأنا بنت أبويا… ولا نسيت؟
ساد صمت كبير.
حتى الهوا كأنه وقف.
كريم حاول يقاطعني، لكني كملت
لما ضـ,ـربتني كنت فاكر إني هخاف… ولما رميتني في أوضة بره كنت فاكر إني هسكت… ولما جهزت البيت لفرحك كنت فاكر إنك كسبت.
رفعت الظرف في إيدي وقلت
لكن طول الشهر ده… أنا كنت بلف على كل باب ممكن يوصلني لحقّي.
العروسة بدأت تبص لكريم بنظرات كلها شك.
وقالت بصوت واطي
إنت قلتلي إن أختك موافقة…
كريم مردش.
قالت تاني
وقلتلي إنها هتعيش في الأوضة دي برضاها…
فضل ساكت.
كل اللي واقفين بصوا له، وهو لأول مرة مش لاقي كلمة يقولها.
وفي اللحظة دي…
خرج واحد من وسط الزحمة وقال
أنا عندي كلمة لازم تتقال…
كل الناس بصت ناحيته…
أما كريم…
فاتغير لون وشه فجأة، وكأنه كان خايف من الشخص ده تحديدًا يتكلم.
يتبع…الراجل شق طريقه وسط الناس لحد ما وقف قدام كريم.
كان راجل كبير في السن، معروف في البلد كلها، وأول ما الناس شافته بدأت تهمس
ده… عم جابر!
أخو المرحوم أبو كريم!
كريم ارتبك وقال بسرعة
عمي… حضرتك مالكش دعوة بالموضوع.
عم جابر بصله بحدة وقال
بالعكس… ليا دعوة، لأن أخوكِ أبوك قبل ما يمـ,ـوت وصاني عليكم إنت الاتنين.
لف ناحيتي وقال
سماح، متخافيش… قولي كل اللي عندك.
اتنهدت وأنا ماسكة دموعي، وقلت
أنا مطلبتش غير حقي… ولا كنت عايزة أطـ,ـرد أخويا من البيت. كل اللي قولته يبني فوق البيت لو عايز يتجوز، لكن هو اختار يرميني بره.
عم جابر هز راسه بحزن، وبص لكريم
صحيح الكلام ده؟
كريم سكت.
سأله تاني بصوت أعلى
ضـ,ـربتها؟
برضه سكت.
بنيتلها أوضة بره عشان تسيب البيت؟
فضل باصص في الأرض.
عروسته بدأت ترجع خطوة لورا وهي بتبصله بصدمة.
وقالت
أنا… أنا مكنتش أعرف كل ده.
كريم حاول يقرب منها وقال
اسمعيني بس…
لكنها زعقت فيه
أنت كنت بتقول إنها موافقة وفرحانة عشانك!
الناس كلها بقت تبص له باستياء.
في اللحظة دي…
عم جابر مد إيده للراجل اللي معاه الملف، وقال
هاتلي الورق.
قلب أول كام صفحة، وبعدها طلع ورقة مطوية بعناية.
بصلها ثواني…
وبعدين رفع عينه ناحية كريم وقال
واضح إنك نسيت أهم ورقة في الموضوع كله.
كريم اتوتر وقال
ورقة إيه؟
عم جابر رفع الورقة قدام الناس، لكنه ما فتحهاش.
وقال بهدوء
الورقة دي… أبوك كتبها قبل وفاته بأيام.
أول ما سمع الجملة دي…
وش كريم اصفر، وإيده بدأت ترتعش.
أما أنا…
فكنت ببص على الورقة وأنا حاسة إن الحقيقة اللي مستخبية من سنين خلاص قربت تظهر.
يتبع…العربية وقفت تمامًا، ونزل منها راجل في أوائل الخمسينات، لابس جلابية نضيفة وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما عم جابر شافه، اتنفس براحة وقال
الحمد لله… وصلت في الوقت المناسب.
أما كريم، فكان وشه شاحب، وبص للراجل وقال بصوت مهزوز
إنت… إيه اللي جابك؟
الراجل رد بهدوء
الحق.
وساب الشنطة على كبوت العربية، وطلع منها ملف صغير مربوط بشريط أحمر.
كل الناس كانت مستنية يعرفوا مين الراجل ده.
عم جابر قال وهو بيشيرله
ده أستاذ حسن… كان صاحب أبوكم، وكان معاه يوم ما خلص كل الورق الخاص بالبيت.
همهمة كبيرة انتشرت وسط الواقفين.
كريم حاول يقاطع الكلام وقال
الكلام ده قديم… وميفرقش دلوقتي.
لكن أستاذ حسن رد عليه
يفرق… لأن أبوك كان حريص إن محدش يظلم حد من ولاده.
فتح الملف، وطلع ورقة، لكنه ما قرأهاش.
بص لسماح وقال
أبوك قبل ما يمـ,ـوت كان كل همه إنك وإخوكي تفضلوا سند لبعض. وكان بيكرر جملة واحدة البيت ده يجمعهم… ما يفرقهمش.
سماح دموعها نزلت من غير ما تتكلم.
أما كريم، فكان واقف متوتر، وعينيه على الورقة.
أستاذ حسن كمل
أنا مش جاي أقرأ الورق دلوقتي… لأن اللي فيه لازم يتراجع بالطريقة الصحيحة، لكن جاي أشهد على حاجة بعيني.
الناس قربت أكتر.
قال
بعد وفـ,ـاة أبوكم، عمره ما قال إن البيت لابنه بس، ولا قال إن بنته مالهاش حق. بالعكس… كان دايمًا يقول اللي لولادي الاتنين، محدش ياكل حق التاني.
العروسة بصت لكريم وقالت بصوت مكسور
ليه قلتلي إن البيت كله بتاعك؟
كريم فتح بقه يتكلم…
لكن الكلمات خانته.
وفجأة…
من آخر الزحمة، سُمِع صوت ست كبيرة وهي بتقول
استنوا… أنا كمان عندي حاجة لازم أحكيها.
الناس كلها اتلفتت ناحيتها…
وكريم أول ما شافها، حط إيده على راسه وكأنه عرف إن كل سر كان مخبيه… بدأ يطلع واحد ورا التاني.
يتبع…عم جابر مسك الورقة بإيده، وكل الناس سكتت.
حتى الأطفال اللي كانوا بيلعبوا في آخر الشارع وقفوا يتفرجوا.
كريم قرب منه بسرعة وقال بعصبية
هات الورقة دي يا عمي… دي مالهاش أي لازمة.
عم جابر سحب إيده وقال بحزم
لو مالهاش لازمة… مستعجل عليها ليه؟
كريم ماعرفش يرد.
العروسة كانت واقفة وعينيها بين الورقة وبين كريم، وكل ثانية شكها فيه بيزيد.
عم جابر فتح الورقة ببطء، ولسه هيبدأ يقرأ…
قام كريم خـ,ـطفها من إيده فجأة.
الورقة اتقطعت نصين وهو بيشدها.
الناس كلها شهقت.
عم جابر زعق فيه إنت اتجننت؟!
لكن الغريب…
إن عم جابر ما اتوترش.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
كنت عارف إنك هتعمل كده.
كريم وقف مذهول.
عم جابر مد إيده في الملف، وطلع ظرف شفاف.
جواه نسخة تانية من نفس الورقة.
وقال وهو بيرفعها قدام الناس
عشان كده احتفظنا بصورة منها من زمان.
كريم حس إن الأرض بتميد بيه.
حاول ياخد الظرف، لكن الراجل اللي كان مع عم جابر وقفه.
في اللحظة دي…
اتسمع صوت عربية داخلة الشارع.
وقفت قدام البيت مباشرة.
نزل منها شخص أول ما شافه كريم…
وشه شحب، ورجع خطوة لورا من غير ما يحس.
الشخص ده أول ما نزل، بص على كريم وقال
أنا جيت…
لأن في حاجة لازم تتقال النهارده، وقدام كل أهل البلد.
الناس بدأت تهمس
مين ده؟
إيه علاقته بالموضوع؟
أما كريم…
فكان واقف بيبلع ريقه، وكأنه كان بيتمنى الأرض تنشق وتبلعه قبل ما الراجل ينطق بأي كلمة.
يتبع…عم جابر ضم الملف لصدره وقال بهدوء
أنا مش هفتح الورق هنا وسط الناس. اللي بين الإخوات مكانه قدام الجهات المختصة، مش في الشارع.
الناس بدأت تتفرق واحدة واحدة، لكن كل واحد فيهم كان بيبص لكريم بنظرة لوم.
أما كريم، فكان واقف مكانه، لا قادر يدخل البيت ولا قادر يرفع عينه في حد.
سماح بصت له وقالت
أنا عمري ما كنت عايزة أفضحك. كل اللي كنت عايزاه إنك تسيبلي حقي، وتعاملني كأختك.
لكن كريم لف وشه ومردش.
تاني يوم الصبح…
العمال جم يكملوا شغلهم في البيت، لكن اتفاجئوا إن عم جابر واقف على الباب.
قال لهم
محدش هيلمس طوبة واحدة لحد ما الموضوع يتحسم.
واحد من العمال قال
إحنا جايين بأمر كريم.
رد عم جابر بحزم
وأنا بقولكم امشوا دلوقتي.
العمال بصوا لبعض، ولموا عدتهم ومشيوا.
كريم خرج من البيت وهو متعصب.
إنت بتعمل إيه يا عمي؟!
رد عم جابر
بحافظ على حق الاتنين.
كريم زعق
البيت بتاعي!
في اللحظة دي، أستاذ حسن فتح الملف، وطلع منه مستند، وقال
بص كويس قبل ما تقول الكلمة دي.
كريم أخد الورقة بإيده، وكل ما كان يقرأ سطر، وشه كان بيتغير.
سماح كانت بتحاول تعرف إيه المكتوب، لكن محدش قالها.
بعد دقيقة، كريم طوى الورقة بسرعة وقال
الورقة دي… لازم أتأكد منها.
ابتسم أستاذ حسن وقال
وده اللي هنعمله.
وفي مساء نفس اليوم…
وصل لسماح جواب رسمي يطلب حضورها هي وكريم في موعد محدد لمراجعة أوراق التركة والاستماع لأقوال الطرفين.
سماح مسكت الجواب وهي حاسة إن أول خطوة حقيقية لاسترداد حقها بدأت، بينما كريم كان عارف إن الجلسة دي ممكن تقلب كل حساباته… لكنه كان لسه مخبي مفاجأة، ومحدش يعرف هي إيه.
يتبع…الست الكبيرة كانت ماشية بالعافية، وسندة على عصاية.
أول ما قربت، عم جابر قال
اتفضلي يا أم زينب… قولي اللي عندك.
أم زينب بصت ناحية كريم بحزن، وقالت
والله يا ابني، كنت أتمنى عمرك ما توصل لليلة دي.
كريم حاول يقاطعها
خالتي، بالله عليكي متدخليش نفسك.
لكنها رفعت إيدها وقالت
اسكت… أنا ساكتة من يوم وفاة أمك، لكن خلاص.
كل الناس سكتت.
قالت وهي بتبص لسماح
أمك قبل ما تمـ,ـوت بأيام جت عندي وهي بتعيط.
سماح شهقت وقالت
أمي؟
هزت أم زينب رأسها وقالت
كانت خايفة عليكي أوي… قالتلي أنا حاسة إن عمري قصير، وخايفة كريم يظلم سماح بعدي.
بدأت الهمسات تزيد بين الناس.
أم زينب كملت
وقالتلي كمان وصيته يحافظ عليها، لكن الطمع بيغير النفوس.
كريم صرخ
كفاية! كله كذب!
لكن صوته كان أضعف من الأول.
الناس بقت تبصله بنظرات مختلفة.
واحد من الجيران قال
لو ده كله كذب… ليه مش راضي تسمع للآخر؟
كريم سكت.
عروسته مسحت دموعها، وقلعت الدبلة من إيديها وهي بتقول
أنا اتجوزت راجل… مش واحد يمد إيده على أخته عشان بيت.
مدتله الدبلة، لكنه ما مدش إيده ياخدها.
فضل واقف مكانه، وعينيه في الأرض.
وفي نفس اللحظة…
عم جابر بص لسماح وقال
لسه في حاجة أهم من كل اللي اتقال… لكن مش هتتفتح قدام الناس.
ورفع الملف، وقال
الحقيقة كلها جوه الورق ده… ولما يتفتح، حياة كريم هتتغير للأبد.
ثم قفل الملف تاني، وبص ناحية كريم نظرة طويلة، كأنها كانت آخر فرصة ليه قبل ما تظهر الحقيقة كاملة.
يتبع…يوم الجلسة جه أسرع مما سماح كانت متوقعة.
صحيت من بدري، لبست هدوم بسيطة، وخدت كل الورق اللي كانت محتفظة بيه شهادة وفاة أبوها، وشهادة وفاة أمها، وصور قديمة للبيت، وأي مستند لقيته في دولاب أبوها.
أما كريم، فدخل المكان وهو واثق، ومعاه اتنين من كبار العيلة، وكان فاكر إن وجودهم هيخلي الكفة تميل في صالحه.
لما نادوا على اسمهم، دخلوا الاتنين.
الموظف بص في الملف، وقال بهدوء
البيت مسجل باسم المرحوم والدكم، ومفيش أي إجراء لتقسيم التركة اتعمل لحد دلوقتي.
كريم استغل الكلام بسرعة وقال
أنا الابن الوحيد، وأنا اللي هقعد في البيت، وأختي لما تتجوز هتسيبه.
الموظف رفع عينه وقال
دي وجهة نظرك، لكن دي مش قاعدة قانونية.
سماح كانت ساكتة.
الموظف كمل وهو بيقلب في الأوراق
طالما التركة لم تُقسم، فلا يحق لأي وارث ينفرد بالتصرف في العقار أو يمنع وارثًا آخر من الانتفاع به دون اتفاق أو حكم.
كريم اتوتر وقال
بس أنا صرفت على تشطيب البيت.
رد الموظف
ده موضوع تاني، لكن التشطيب لا ينقل الملكية.
عم جابر ابتسم لأول مرة من بداية الأزمة.
أما سماح، فحست إن حد أخيرًا سمعها.
بعد انتهاء الجلسة، خرجوا بره.
كريم وقف قدام سماح وقال بصوت كله غضب
فاكرة إنك كسبتي؟
سماح ردت بهدوء
أنا مش بحاربك يا كريم… أنا بدافع عن حقي.
كريم قرب منها وقال
الموضوع لسه مخلصش.
وفي اللحظة دي…
خرج أستاذ حسن من المبنى، ومد لسماح مفتاحًا صغيرًا قديمًا.