صاحبة امي جابت عريس غني بس ضرير لاختي اللي اصغر مني ، اختي اول ما عرفت قلبت الدنيا وقالت ليه اتجوز واحد اعمى وانا لسه متجوزتش وشاورت عليا وقالت جوزوه لوفاء هيه مطلقه ومش هتلاقي احسن من كده !!!
أنا وفاء… عندي 27 سنة. السن ده اللي المفروض البنت فيه تكون في قمة شبابها وحيويتها، أنا عشته وكأني عندي 70 سنة من الهم والتعب. اتجوزت تلت سنين، تلت سنين كاملين كنت فيهم زي الجارية. جوزي كان سايبني لحماتي وأخته يعملوا فيا ما بدالهم، كنت شغالة البيت اللي بتصحي من النجمة تنضف وتطبخ وتتهان، وكأن ماليش أي قيمة أو كرامة. وجوزي؟ كان زي حتة الخشب، واقف يتفرج وسكوت سلبي يقـ,ـتلك بالبطيء. لما خلاص طاقتى خلصت ومبقتش قادرة أستحمل الذل ده، طلبت الطلاق ورجعت لبيت أهلي.
افتكرت إن هنا الأمان، بس للأسف،
لقيت نفسي شايلة النصيب الأكبر من ذنب طلاقي في نظرهم. “كنتي استحملي يا وفاء”، “مسير العيشة تتغير”، “خربتي على نفسك”… كلمات كانت بتترمي عليا كل يوم زي الطوب، وكأن الست ملهاش حق تعيش بكرامة.
وفي المقابل، كانت أختي الصغير هالة، دلوعة البيت كله. هالة بتدرس في هندسة، وقربت تتخرج، شابة شايفة نفسها فوق الكل، ومفيش حد عاجبها، والكل في البيت بيعملها ألف حساب وبيدلعها لأنها “البشمهندسة” اللي لسه بكرتونتها ومستقبلها قدامها.
وفي يوم، الباب خبط. كانت طنط سعاد صاحبة أمي، داخلة ووشها منور وفرحانة على آخرها، وفي إيدها علبة شيكولاتة.٠ قعدت مع أمي وقالت بحماس وصوت عالي:
”يا أم هالة، جايبالكم بشرى تسوى تقل دهب! فيه شاب لقطة، جمال ومال وعيلة ومفيش منه اتنين، بيدور على عروسة وأنا أول ما شوفت مواصفاته قولت مفيش غير هالة بنتك الصغيره الجميلة!”
أمي وشها نور وضحكتها وصلت لودانها، وهالة خرجت من أوضتها تبتسم بكسوف ودلع. أنا نفسي فرحت من قلبي لأختي، قمت وحضنتها وقولتلها: “ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك يارب”. كنا كلنا بنضحك والجو كله فرحة، بس طنط سعاد فجأة سكتت، وتعبيرات وشها اتغيرت وظهر عليها التوتر، وقالت بصوت واطي:
”بس يا جماعة… أنا مكملتش كلامي… هو فيه مشكلة صغيرة بس لازم أقولها بأمانة… العريس حصلت معاه حادثة من فترة، وهو… هو مش بيشوف… يعني ضرير.”
الكلمة نزلت كأنها جردل مية ساقعة. هالة فجأة انتفضت ووقفت، ملامحها اتغيرت من الكسوف للغضب والاشمئزاز، وقالت بزعيق وصوت هز البيت:
”نعم؟! جيبالي واحد أعمى؟ أنا؟! ليه إن شاء الله، ناقصني إيه؟ ده أنا مهندسة والكل بيتماني! أتجوز واحد أعمى أقعد أجرجره في إيدي وأخدمه؟!”
أمي هي كمان اتسرعت وقالت بضيق:
“لأ طبعاً يا سعاد، إحنا بنتنا متتعيبش ، هالة لسه صغيرة والف من يتمنوها، مش هنجوزها لواحد بظروف زي دي.”
طنط سعاد حاولت تهدي الجو وقالت بحرج: “يا جماعة اسمعوني بس، ده شاب غني جداً، ومتربي، وعيلته ناس أكابر، ومش هيخليها تعوز حاجة…”
هنا هالة قاطعتها بقلة ذوق ، وقالت بنبرة فيها تعالٍ :
”بقولك إيه يا طنط، لو ماسكين فيه قوي كده وعاجبكم… جوزوه لوفاء! أهي مطلقة وقاعدة في البيت، ومش هتلاقي أحسن من كده!”
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. حسيت الأرض بتلف بيا.
بصيت لهالة بذهول، أختي اللي لسه حضناها وببارك لها، بتعايرني بطلاقي قدام واحده غريبة؟ بتبيعني البيعة دي كأني بضاعة مركونة في السوق ملهاش تمن؟
واللي كسر قلبي بجد، وخلاني أحس بمرارة عمري ما دوقتها، هو رد فعل أمي. أمي مدافعتش عني، ولا نهرت هالة على قلة أدبها، بالعكس! شوفت في عيونها لهفة غريبة، ولمعة أمل وكأنها صدقت ما لقت تخلص من همي، وقالت بلهفة سريعة:
”والله… فكرة يا سعاد! هو فعلاً مش مناسب لهالة خالص… بس مناسب جداً لوفاء! شوفي كده، لو يقبل ياريت!”
حسيت في اللحظة دي إني اتكسرت ميت حتة. للدرجادي أنا بقيت رخيصة في نظرهم؟ للدرجادي طلاقي خلاني في نظر أمي وأختي “معيوبة” ومستوايا ينزل لأي حد هما شايفينه “ناقص”؟
كأني بقيت فضلة بيت، أي حد يقبل بيا يبقى كتر ألف خيره! دموعي اتجمدت في عيني من كتر الصدمة والوجع.
طنط سعاد بصتلي بحرج شديد، ووشها جاب ألوان، وقالت بصوت متردد وهي بتحاول تلطف الكلام:
”والله يا أم هالة… مش عارفة أقولكم إيه… هو الشاب أول مرة يتجوز، ومركزه عالي جداً وعيلته صعبة.
.. يعني مش عارفة لو هيقبل بظروف وفاء إنها مطلقة…”
الكلمة دي كانت الرصاصة الاسوء. يعني حتى الشاب الضرير ده ممكن يرفضني لأني مطلقة! بصيت لطنط سعاد وعيوني مليانة حسرة وكسرة نفس، بس حاولت أجمع اللي باقي من كرامتي وصوتي طالع مرعوش وضايع:
”اعرضي عليه يا طنط… ولو وافق… أنا موافقة.”
مشيت طنط سعاد، وأنا دخلت أوضتي وقفلت الباب عليا وانفجرت في عياط ملوش آخر. كنت بدعي ربنا وأقول “يارب أنا ذنبي إيه؟
أنا هربت من عذاب حماتي عشان ألاقي الإهانة من أهلي؟”
أمي وأختي برة كانوا بيتكلموا كأن مفيش حاجة حصلت، وهالة كانت بتضحك وتتكلم في التليفون مع أصحابها، ولا كأنها دبـ,ـحتي بكلمة.
عدى كام يوم، وأنا مستنية الرفض اللي كنت متأكدة إنه هييجي . وفي يوم، الباب خبط، وكانت طنط سعاد تاني.
دخلت وقعدت، ملامح وشها كانت غريبة جداً، لا هي فرحانة ولا هي زعلانة، كانت مذهولة ومصدومة. أمي جريت عليها وقالتلها بلهفة:
”ها يا سعاد؟ قوليلي، الشاب قال إيه؟ وافق على وفاء؟”
طنط سعاد بصتلي بتوتر واللي قالته وقتها صدمنا كلنا!
طنط سعاد بصتلي بتوتر واللي قالته وقتها صدمنا كلنا! وقالت وعلامات الذهول لسه على وشها:
”يا أم هالة… الشاب لما حكيتله وأنا كلي حرج، وقولتله إن وفاء مطلقة وحكيتله اللي حصل معاها باختصار… سكت شوية، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة قوي وقال لي: ‘الست اللي تضحي بكل حاجة وتطلب طلاقها عشان تشتري كرامتها، دي ست بـ ١٠٠ راجل، وتتشال على الراس.. أنا مش عاوز واحدة تافهة تبص لعمري أو لظروفي، أنا عاوز واحدة ناضجة فاهمة يعني إيه بيت وعشرة.. أنا موافق أقابل وفاء وبكرة هكون عندكم!'”
الصدمة والتحول.. الغيرة تبدأ من هنا!
الكلمات نزلت على أمي وهالة كأنها قلم على الوش. هالة بلمت، وبصت لأمي بذهول وهي مش مصدقة إن “المطلقة” اللي كانت لسه بتعايرها، وبترميها رمية الكلاب، بقت في نظر العريس الغني اللقطة “ست بـ ١٠٠ راجل وتتشال على الراس”!
أمي بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تداري إحراجها وقالت بنبرة ملخبطة:
“بجد يا سعاد؟ يعني هو مش ممانع إنها مطلقة؟ بس.. بس ده عريس غني ومستواه عالي، يعني مش خايف من كلام الناس؟”
طنط سعاد ردت عليها بحدة خفيفة كأنها بتفوقها:
“يا أم هالة، الشاب ده متعلم برة وجاي من عيلة بجد شبعانة، الناس دول مبيفكروش بطريقتنا دي.
هو قال لي بالحرف إنه بيدور على شريكة حياة تستحمله وتفهمه، مش واحدة تدلع عليه وتشوف نفسها بجمالها أو بشهادتها.” (وهنا سعاد رمت نظرة ذات مغزى لهالة اللي كانت هطق من جنابها).
هالة وقفت وضـ,ـربت برجلها الأرض وقالت بغل واضح:
“بقى كده؟ ماشي يا طنط.. بكره نشوف البشمهندس الضرير ده لما ييجي، هيعيشوا مع بعض إزاي! بكره يزهق منها ويرميها هي كمان، أصل اللي تترفض مرة، تترفض تاني عادي!”
هالة وقفت وضـ,ـربت برجلها الأرض وقالت بغل واضح
بقى كده؟ ماشي يا طنط.. بكره نشوف البشمهندس الضرير ده لما ييجي، هيعيشوا مع بعض إزاي! بكره يزهق منها ويرميها هي كمان، أصل اللي تترفض مرة، تترفض تاني عادي!
مردتش عليها. دموعي اللي كانت هتنزل من الوجع، اتحولت فجأة لدموع دهشة وأمل. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقلبي كان بيدق بسرعة غريبة. يارب.. هل ممكن يكون ده أول خيط نور في حياتي الضلمة؟
يوم المقابلة.. حضور يهز القلوب
تاني يوم البيت كان مقلوب. أمي وهالة كانوا بيتحركوا ببرود شديد، ومحدش فيهم فكر يساعدني في لبس أو في تحضير حاجة.
بالعكس، هالة لبست فستان شيك جداً وحطت ميك اب كامل، وكأنها هي العروسة، وقالت بخبث أنا هقعد عشان أطمن على أختي الكبيرة برضه. كنت عارفة إنها عاوزة تقعد عشان تتفرج وتتشفى، أو يمكن عشان توري العريس إنها أحسن مني.
أنا لبست فستان بسيط وهادي، وحطيت لمسات خفيفة جداً تداري التعب والإرهاق اللي في وشي.
والساعة دقت 7، والباب رن.
دخل الشاب
مع والده ووالدته. أول ما شوفت يوسف ده كان اسمه، قلبي اتنفض. يوسف كان طويل، عريض المنكبين، وسيم جداً لدرجة تخطف العين، ملامحه هادية ورزينة، ولابس بدلة شيك جداً مفيهاش غلطة. لابس نضارة سودا خفيفة، وماسك في إيده عصاية بيضا رفيعة ومتحركش بيها بحرج، بالعكس، كان بيمشي بثقة وهيبة كأنه شايف الدنيا كلها.
قعدنا، وأمي بدأت تتكلم بتكلف، وهالة كل شوية تضحك بدلع وتتدخل في الكلام عشان تلفت نظر والده ووالدته. بس الصدمة كانت إن والدة يوسف، الست الراقية جداً، كانت بتبصلي أنا وبس بابتسامة حنينة، وكأنها شافت في عيوني الوجع اللي مريت بيه.
بعد شوية، والده قال بذوق طب نسيب العرسان يتكلموا مع بعض شوية؟
قامت أمي وهالة ووالديه ودخلوا الصالون التاني. هالة وهي قايمة رمتلي نظرة صفرا كلها تريقة.
لغة القلوب.. أول مرة أحس إني إنسانة
أول ما الكل مشي، السكون عم المكان. كنت متوترة جداً وبفرك في إيدي. فجأة، يوسف اتكلم بصوت دافي ورخيم جداً
يا ترى يا وفاء أنتي قاعدة فين بالظبط؟ عشان أقدر أوجه كلامي ليكي مباشرة.
صوته كان فيه احترام غريب هزني. قولتله بنبرة مرعوشة أنا قاعدة على الكرسي اللي على يمينك يا يوسف.
عدل جسمه وبص في اتجاهي بالظبط، وابتسم وقال
أنا عارف إنك مستغربة موافقتي السريعة، ويمكن تكوني خايفة من فكرة إني مش بشوف.. بس أنا حابب أكون صريح معاكي من أول دقيقة.
سكت شوية وكمل بثقة
أنا خسرت بصري في حـ,ـادثة من سنتين. الحمد لله على كل حال، بس الحادثة دي علمتني أشوف الناس بقلبي مش بعيني. لما طنط سعاد حكتلي عنك وعن اللي مريتي بيه، وعن قرارك بالطلاق عشان تشتري كرامتك، قولت لنفسي دي الست اللي هتقدر تحافظ عليا وعلى بيتي. الست اللي اتظلمت وقاومت، بتبقى عارفة قيمة الأمان وقيمة الراجل اللي يحترمها.