ضرتي كانت كل يوم تبعت ابنها

عارف كل ده؟
كان عارف قلت كان صديق قديم لجدك، وكان عارف بكل ما مر بيكم، ولما طلبت منه يساعدني في شراء البيت، قال لي كلام غريب وقتها البيت ده هيكون لك وللبنات، ولن يضيع حق فيه مهما حصل. وقتها ما فهمتش، دلوقتي بس فهمت معناه.
بعد كده التفتت لزينب اللي لسه قاعدة بجانب ابنها، وقلت لها بصوت هادئ لكن حازم
أنا مش هطردك وابنك في غضون شهر زي ما قلت قبل كده. ده مش طبعي، ومش هعمل ظلــ,,ـــــم حتى لو كان حد ظلــ,,ـــــمني. لكن الحق بقي واضح قدام الجميع.

الدور اللي فوقكم ملكي، وأنا حرة أتصرف فيه زي ما أنا عايزة. ولو عايزين تفضلوا فيه لحد ما تجدوا مكان تاني، فمعاكم مهلة تلاتة أشهر، بشرط واحد من اليوم ده ممنوع أي حد يدخل بيتي أو ياخد أي حاجة من غير إذني، ولا تقللوا من شأن بناتي أبدًا. بناتي أبنائي، ولهن كل الحق في العيش في بيت أهلهن، والكرامة اللي لأي ولد في الدنيا.

زينب رفعت عينها لي، وعيونها كانت مليانة خجل وندم، وقالت بصوت خاڤت
سامحيني يا نادية سامحيني عشان كل كلمة قلتها، وعشان كل مرة أخذت فيها حاجة من بيتك، وعشان كنت بقول على بناتك كلام ما يستحقوش. كنت عمياء، كنت خاېفة أضيع مكاني ومكان ابني، فاخترعت الأكاذيب وقلت كلام غلط، ونسيت إن الرزق مش بالذكورة ولا بالورث، الرزق من عند الله، والحق هو اللي بيدوم.
أنا ما ردتش عليها بكلام طويل، بس هزيت راسي، لأن العفو شيء، والثقة شيء تاني، والزمن هو اللي يثبت إن كان الندم حقيقي ولا لأ.

بعد ما خلص المحامي عمله ومشى، فضلنا أنا ومحمود وحدنا في الصالة، البنات كانوا في الأوضة مش عايزين يخرجوا من الصدمة. محمود قعد بجانبي، ولسه صوته ضعيف
أنا عارف إن كلامي مش كفيل، وعارف إن اللي عملته أو سكت عنه مش سهل ينسى. بس صدقيني، من اليوم ده هكون لكِ سند، وهكون لأولادي البنات أب يفهم قيمتهن، ويعرف إن البنات هنّ العز والكنز، مش العبء اللي بيمشي لبيت الجوز. ظلــ,,ـــــمت نفسي وظلــ,,ـــــمتكم كتير، وهحاول أتعوض كل ده طول عمري.

مسكت يده، وقلت له بصدق
المشكلة مش في إنك كنت مش عارف الحقيقة، المشكلة في إنك سكت لما كنت عارف بالظلــ,,ـــــم اللي بيحصل لبناتك. كنت تسمع الكلام ده وتشوفه، وتفضل ټدفــ,,ـــــن راسك في الرمل عشان ما تتعب نفسك. من اليوم ده، لو شفت ظلــ,,ـــــم ولا سمعت كلام يجرح، ما تسكتش أبدًا. بناتي هنّ بناتك، وحقهن فوق كل حق.
الأيام مرت ببطء، وزينب وابنها كانوا بيبحثوا عن شقة تانية، وكنت ساعدتهم بكل ما أقدر، لأن الظلــ,,ـــــم ما بيجيبش خير، والخير هو اللي بيعود لصاحبه.

أيمن تعب كتير في الفترة دي، لكنه عرف الحقيقة، وبدل ما يكرهنا، كان بيجي يساعدني في البيت، ويلعب مع بناتي، واعتذر منهم مرارًا وتكرارًا عن كل ما فعله.
ومحمود تغير تمامًا، كان بياخد بناته كل يوم من المدرسة، ويجلس معاهم ويسمع أحاديثهم، ويدافع عنهم في كل مكان، وكل مرة كان بيلاقي فرصة بيقول للي حوله اللي بيقول إن البنات مش ورثة ولا مالهمش قيمة، ده ما يعرفش معنى الحب ولا معنى العيلة. بناتي هنّ الورث الحقيقي اللي خليه لي الدنيا.

في يوم من الأيام، كنا جالسين كلنا أنا ومحمود وبناتي وزينب وأيمن في حديقة البيت، والشمس كانت بتضحك علينا، والبنات كانت بتلعب وتضحك. زينب بصت لي وقالت
كنت فاكرة
إن الورث فلوس وعقارات، وإن الولد هو اللي بيحفظ الاسم والبيت. لكن دلوقتي عرفت إن الورث الحقيقي هو العدل، والكرامة، والقلب الصافي. وإن البيت مش الطوب والاسمنت، البيت هو الناس اللي بتعيش فيه بقلوب صادقة.
ابتسمت لها، وبصيت لبناتي اللي كانوا بيجروا ويلعبوا، وعرفت إن أبويا كان محق لما قال لي سيجي يوم وتعرفي ليه عملت كده.

هو ما كانش بيضمن لي بيتًا ولا مالًا، كان بيضمن لي الحق، والكرامة، والقدرة على ألا أضيع ولا يضيع أولادي مهما كانت الظروف.
وكان فيه حكمة تانية عرفتها في النهاية إن الكلام اللي بيتقال عن الذكورة والورث والحقوق، ما هو إلا أكاذيب اخترعها الناس عشان يثبتوا قوة بعضهم على بعض. الحق الحقيقي مش بيحدده الچنس ولا النسب ولا المكانة، الحق بيحدده العدل، والخير، والقلب اللي ما يرضى بالظلــ,,ـــــم أبدًا.

والبيت اللي كادوا يقولوا إننا مش أهله، بقي بيتًا مليانًا بالحب والعدل، وكل واحد عرف مكانه الحقيقي، وكل واحد نال ما يستحقه، وعرفنا إن مهما طال الزمن، ومهما كثرت الأكاذيب، الحق لازم يظهر في النهاية، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وبعد شهور، لما سلموا المفاتيح للشقة الجديدة، وقف أيمن عند الباب وبص للبيت، وقال لي
مش مهم أكون ملكت شيء هنا يا ست نادية، المهم إن عرفت الحقيقة، وإن عرفت إن الحق أحق أن يتبع. شكرًا لأنك ما عملتيش بظلــ,,ـــــمي زي ما عملت أنا ببناتك.

قلت له
الخير بيولد الخير يا بني، والخطأ بيتصحح لو كان فيه نية صادقة. والبيت ده هيبقى مفتوح ليك في أي وقت، لأن العيلة مش بتنتهي بالخلاف ولا بالسر، العيلة بتبقى ببعضها مهما حصل.
ومن ذلك اليوم، ما سمعنا كلمة ورث ولا حق تُقال بلهجة استعلاء أو ظلــ,,ـــــم، بل كانت كل كلمة تُقال باحترام ومحبة، وعرف الجميع إن البنات هنّ أهل الحق والكرامة، وإن البيت ما يقوم إلا بالعدل، وإن السر مهما طال خبيه، فالزمن كفيل بيكشفه، والحق كفيل بيعلو وينتصر.

وكانت بناتي كل ما تمر من أمام الباب بتقول ده بيتنا، وده مكاننا، ولا حد يقدر يقلل منا أبدًا. وكنت ببص لهم وأقول في نفسي نعم يا بناتي، ده بيتكم، وده حقكم، وستظلوا في عزة وكرامة ما دام الحق هو سيد الموقف.
هذه القصة انتهت، ولكن دروسها تظل باقية لا تظلــ,,ـــــموا أحدًا، ولا تستهينوا بحق أحد، ولا تحكموا على الناس بغير الحقيقة، وتذكروا أن الذكورة الحقيقية في العدل، والكرامة في العفو، والحق هو اللي بيدوم مهما مرت السنين.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
4