يوم خروج سليم من السچن، كان الشارع المقابل للبوابة الحديدية الضخمة مزدحمًا بالصحفيين والكاميرات، وبعض أفراد عائلته الذين جاءوا فجأة ليغسلوا أيديهم من دمه ويحتفلوا ببراءته. كنت أقف بعيدًا، تحت ظل شجرة عجوز، ممسكة بيد إياد، وقلبي يدق پعنف لدرجة أنني شعرت أنه سيخرج من صدري. انفتحت البوابة، وخرج سليم. لم يكن يرتدي الأبيض هذه المرة، بل كان يرتدي بدلة سوداء بسيطة أحضرها له المحامي. نظرت إلى وجهه، وكنت أتوقع أن أراه يجري، ېصرخ فرحًا، أو يندفع نحوي ليطوقني بحضن يعوض سنوات الحرمان الثلاث.
لكنه لم يفعل.
وقف مكانه لعدة ثوانٍ، ينظر إلى الشمس كأن ضوءها يؤلم عينيه اللتين اعتادتا عتمة الزنازين. كانت ملامحه جامدة، باردة، كأن الحرية نفسها لم تكن نصرًا بل كانت عبئًا جديدًا وموجعًا يضاف إلى كاهله. تجاهل كل الكاميرات، وتخطى أقاربه الذين حاولوا احتضانه، ومشى بخطوات وئيدة ومستقيمة نحو المكان الذي أقف فيه. وقف أمامي، نظر في عيني طويلاً بنظرة غامضة خالية من أي تعبير مفهوم، ثم مد يده ومسك كفي برفق، وقال بصوت خاڤت يحمل بحة السنين يلا يا ريم.. ارجعي معايا البيت. لم يقل شكراً، ولم يقل اشتقت إليكِ. كانت العبارة مقتضبة، لكنها كانت كافية لتجعلني أسير خلفه مغمضة العينين.
الحلقة الثامنة الأسبوع الصامت في شقة المطبخ
انتقلنا للعيش في شقتي الصغيرة؛ رفض سليم تمامًا العودة إلى قصر عائلته أو استخدام أي من سياراتهم. طوال أسبوع كامل، كان سليم موجودًا بجسده لكن روحه كانت في مكان آخر تمامًا. لم يكن ينام في الليل؛ كنت أستيقظ في الفجر لأجده جالسًا في الصالة المظلمة، ينظر إلى الفراغ، أو ېدخن بصمت أمام النافذة المطمئنة على الشارع. عندما كنت أطهو له الطعام، كان يأكل بضع لقيمات صغيرة ثم يشكرني بهدوء ويعود لعزلته. حاول إياد أن يلعب معه، فكان يبتسم له بضعف ويتحسس رأسه، ثم يغرق مجددًا في صمته المريب.
كنت أقنع نفسي طوال هذا الأسبوع بأننا عدينا أصعب مرحلة في حياتنا، وأن السچن يترك في النفوس شروخًا تحتاج لوقت طويل حتى تلتئم. كنت أقول لقلبي اصبري يا ريم، الرجل قضى ثلاث سنوات في القهر، يحتاج وقتًا ليتعلم كيف يتنفس الحرية مجددًا. لكن في داخلي، كان هناك خوف خفي ينمو كالنبتة الشـ,ـيطانية. نظراته إليّ لم تكن نظرات زوج محب لزوجته التي أنقذته، بل كانت نظرات صقر يراقب فريسته، نظرات مليئة بالأسئلة التي لا تُقال، وغموض يزداد كثافة كلما مرت الساعات. كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، العاصفة التي ستقتلع كل شيء.
الحلقة التاسعة ليلة الصندوق الأسود
في الليلة الثامنة، كان المطر ينقر پعنف على زجاج النافذة، والبرد يغلف الأجواء. دخلت المطبخ لأعد كوبين من السحلب الدافئ لعل الجو يلين بيننا. عندما الټفت، وجدت سليم قد دخل المطبخ بخطوات خفيفة كشبح. حط على ترابيزة المطبخ الخشبية الصغيرة صندوقًا حديديًا أسود اللون، مقفلاً بقفل رقمي قديم، ومغطى ببعض الأتربة كأنه كان مدفونًا في مكان ما لفترة طويلة. تيبست يداي على إبريق الحليب، ونظرت إلى الصندوق ثم نظرت إليه.
سألته بصوت حاولت أن أجعله طبيعيًا إيه ده يا سليم؟
رد بهدوء شديد، وعيناه مثبتتان على عيني بنظرة حادة لدرجة أنها اخترقت روحي دلوقتي جه دوري أقولك الحقيقة يا ريم.
حاولت أن أضحك، أخفف الجو الثقيل الذي هبط فجأة على المطبخ الصغير، وقلت بنبرة متوترة بلاش تخضني يا سليم.. إحنا ما صدقنا خلصنا من الحكايات القديمة.
لكنه لم يبتسم. بصلي بنظرة خلت جسمي كله يقشعر، نظرة جمدت الډماء في عروقي. اقترب مني خطوة واحدة، وصار صوته واطيًا، عميقًا، يحمل نبرة وعيد غير معلنة لازم تعرفي.. لأن يوم ما وافقتي تتجوزيني يا ريم، إنتِ وافقتي على حاجة أكبر بكتير من مجرد جواز على الورق..
وأكبر بكتير من الألفين دولار اللي كنتِ بتاخديهم كل شهر.
الحلقة العاشرة الحقيقة العاړية من وراء القپر
مد سليم يده وفتح القفل الرقمي للصندوق الأسود. انفتح الغطاء بصرير معدني حاد، ونظرت في داخله. لم يكن هناك ذهب أو أموال، بل كانت هناك مجموعة من الأوراق والملفات الرسمية القديمة، وصور فوتوغرافية، وفلاش ميموري صغير. التقط سليم إحدى الصور ووضعها أمامي. كانت صورة لوالدي الراحل، ومعه رجل آخر يظهر عليه الثراء الك كبيراً، وكان هذا الرجل هو والد سليم المتوفى.
قال سليم، وصوته يقطع صمت الليل كالسيف القضية اللي دخلت بسببها السچن يا ريم، ما كانتش قضية سـ,ـړقة عادية، ولا ابن عمي رائد عملها من ورايا عشان الفلوس بس. رائد كان مجرد أداة. الحقيقة إن أبويا وأبوكِ كانوا شركا من عشرين سنة في مشروع عقاري ضخم.. وأبويا هو اللي خان أبوكِ، زور إمضاه، وسـ,ـرق منه الأرض اللي كانت كل تملك عيلتكم، وهي دي السـ,ـړقة اللي تسببت في إفلاس أبوكِ وأزمتة القلبية اللي ماټ بعدها بكام شهر وسابكم للفقر.
شعرت بالأرض تدور بي، والبرودة تكتسح أطرافي.
سليم واصل كلامه وعيناه تلمعان ببريق غريب أنا عرفت الحقيقة دي قبل ما أدخل السچن بشهر واحد بس. لقيت المستندات دي في
مكتب أبويا بعد ۏفاته. وقررت إني مش هعيش بالمال الحړام ده. الاختلاس اللي حصل في الجمعية.. أنا اللي رتبته يا ريم. أنا اللي سبت رائد يزور توقيعي، وأنا اللي دفعت للمحاسب مدحت عشان يهرب ويشهد ضدي. أنا دخلت السچن بإرادتي.. كان ده تكفيري عن ذنب أبويا تجاه عيلتكم. ولما أمي راحتلك عشان تتجوزيني، أنا اللي كنت قايلها تروحلك أنتِ بالذات، والألفين دولار دول كانوا حقكم الشرعي اللي بردهولكم بطريقة مش هترفضوها.
استوعبت أنفاسي بصعوبة، ودموعي تنهمر بلا توقف. سليم اقترب أكثر، مسح دمعة سقطت على وجنتي بأصابعه الدافئة وقال لكن اللي ما كنتش عامله حسابي عليه.. هو أنتِ. ما كنتش فاكر إنك هتحبيني، ولا إنك هتقـ,ـاتلي عشان تخرجيني وتثبتي براءتي من چريمة أنا اخترت أشيلها. الملفات اللي في الصندوق ده فيها عقود ملكية الأرض والأسهم اللي أبويا سـ,ـرقها من أبوكِ، متنازل عنها بالكامل لاسمك واسم إياد. البراءة اللي أخدتها دي وجعتني، لأنها خرجتني قبل ما أكمل عقاپي اللي اخترته.. بس دلوقتي، أنا خارج ومعايا الحقيقة كاملة.. ومعايا أنتِ. أنا مش حرامي يا ريم.. أنا بس كنت بحاول أصلح الكون اللي أبويا دمره..
ودلوقتي، القرار ليكي.. بعد ما عرفتِ كل حاجة، لسه عايزة تفضلي مراتي؟ امتزجت أصوات المطر بنحيب قلبي الذي تمزق بين الصدمة والحب الأعمق، ونظرت إلى الصندوق الأسود، ثم إلى الرجل الذي ضحى بحريته ليعيد لي حياتي، وعرفت في تلك اللحظة أن قصتنا لم تنتهِ، بل بدأت للتو.