والتاني بقى من أمهر لاعبي فريق المدرسة. أما الصغير… فلسه أول ما يرجع من المدرسة… يجري عليها ويحضنها. وفي يوم جمعة… كان أحمد جاي ياخد الولاد. خبط الباب. فتحت مريم. ابتسم وقال: “السلام عليكم.” ردت بابتسامة هادية: “وعليكم السلام.” العلاقة بينهم بقت محترمة. مفيهاش حب. ولا كراهية. فيها شيء واحد بس… الاحترام. دخل الولاد يسلموا عليه. وقبل ما ينزلوا… الكبير قال: “بابا… تعالى النهارده بدري.” ابتسم أحمد. وقال: “ليه؟” رد الولد: “عشان عندي حفلة تكريم في المدرسة.”
قال أحمد: “أكيد هاجي.” … بليل… كانت قاعة المدرسة مليانة. أولياء الأمور قاعدين. والطلاب واقفين على المسرح. مدير المدرسة طلع وقال: “الطالب الأول على المدرسة هذا العام…” وسكت لحظة… “…يوسف أحمد.” القاعة كلها سقفت. يوسف طلع يستلم شهادته. وبعدين المدير قال: “يوسف طلب قبل الحفل إنه يقول كلمة قصيرة.” وقف يوسف قدام الميكروفون. وبص ناحية الصف الأول… مكان ما كانت أمه وأبوه قاعدين. وقال: “الناس دايمًا بتفتكر إن النجاح بيجي بالذكاء.” “لكن أنا اتعلمت إن النجاح…
بيجي بالصبر.” “أنا شوفت أمي وهي بتبدأ من الصفر.” “وشوفتها كل يوم تتعب… علشان عمرها ما تحسسنا إننا ناقصنا حاجة.” وبص ناحية مريم… وقال: “شكرًا يا ماما… إنك علمتينا إن الكرامة مش رفاهية.” بعدها لف ناحية أحمد. وسكت ثواني. وقال: “وشكرًا يا بابا… إنك ما بعدتش عننا.” “كل إنسان بيغلط… لكن الشجاع هو اللي يعترف بغلطه… ويحاول يصلحه.” مريم بصت لابنها… وبعدين بصت لأحمد. ولأول مرة… شافته بيبتسم من غير وجع. بعد انتهاء الحفل… خرجوا كلهم سوا.
الصغير كان ماسك إيد أمه. والتاني ماسك إيد أبوه. وفجأة… الصغير قال وهو بيضحك: “تعالوا ناخد صورة.” وقفوا كلهم جنب بعض. المصور قال: “ابتسموا.” ابتسموا فعلًا. مش علشان رجعوا عيلة زي الأول… لأ. لكن علشان بقوا ناس ناضجين. عرفوا إن بعض العلاقات بتنتهي… لكن الاحترام… ممكن يفضل موجود. بعد ما خلصوا… أحمد قرب من مريم. وقال بهدوء: “أنا يمكن ضيعت أحسن زوجة دخلت حياتي.” “بس فخور إن أولادي… كبروا على إيد ست محترمة.” ابتسمت مريم.
وقالت: “وأنا فخورة إنهم كبروا… ولقوا أب عرف يصلح علاقته بيهم.” مد إيده يصافحها. صافحته. من غير تردد. ولا ندم. كانت مصافحة… بتقفل باب الماضي كله. وهي ماشية مع ولادها ناحية العربية… بصت للسما. وابتسمت. وافتكرت الليلة اللي خرجت فيها من بيتها القديم… بشنطتين… وتلات أطفال… وقلب مليان خوف. لو حد وقتها قالها… إنها بعد سنين هتبقى واقفة هنا… قوية… مستقلة… ومطمئنة… مكنتش هتصدق. لكنها دلوقتي… كانت عارفة يقينًا… إن ربنا أحيانًا بيخرج الإنسان من المكان اللي كان متعلق بيه…
علشان ياخده للمكان اللي يستحقه. تمت.