قالو خدامة. حكايات زهرة الربيع

أحمد وشه بقى زي الدم، ووقف وهو بيزعق فيا ودموعه وعصبيته خانقاه: “أنتِ بتقولي إيه يا سمر؟ اتجننتي؟! ادخلي جوه وبطلي فضايح!”
​بصيت له بكل قرف وقلت له: “الفضيحة هي رجولتك اللي اتدفنت وأنت شايف أختك بتمسح بيا الأرض وبتسميني شغالة علشان شكل لبسي، وأنت واقفت ووطيت راسك علشان الجوازة متبوظش.. بعتني برخيص يا أحمد، وأنا من النهاردة مش باقية على حد.”
​التفت لأم العريس وللعريس اللي كانوا بيبصوا لبعض بذهول وقرف من العيلة دي كلها، وقلت لهم:

“نورتونا يا جماعة، وكلوا بالهنا والشفا، الأكل ملوش ذنب في أصل أصحابه.”
​وسبتهم واقفين متجمدين من الصدمة، ودخلت أوضتي، لميت كل هدومي في شنطة واحدة، وطلعت وسبت الباب مفتوح ورايا.. ومشيت وأنا حاسة بكرامتي اللي رجعتلي، وسايباهم ورايا في بركان شغال مش هيطفي.
خرجت من البيت والشنطة في إيدي، والدموع

اللي حبستها طول العزومة نزلت شلالات على وشي، بس مكانتش دموع كسر، كانت دموع قهر على السنين اللي ضاعت مع ناس مايتمنعش عنهم الماعون. نزلت السلم وأنا حاسة إن الهوا برة الشقة نضيف، أول مرة أتنفس بجد من خمس سنين. ركبت تاكسي ورحت على بيت أبويا.
​أول ما أبويا وأخواتي شافوني بالمنظر ده، ومنظر لبسي المبهدل وشنطتي في إيدي، البيت اتقلب. حكيت لهم كل اللي حصل بحذافيره، من أول وقفتي في المطبخ لحد الكلمة اللي قطمت ضهري ونظرة أحمد اللي وطى فيها راسه. أبويا، راجل طيب وبسيط بس كرامته حيطة سد، خبط بإيده على الترابيزة وقال وعينه بتطق شرار:

“بقى بنتي أنا اللي متستتة في بيتي، تتبهدل وتتهان ويتقال عليها شغالة علشان تداري على نقصهم؟! وعلي الطلاق بالتلاتة ما ليكي رجوع للبيت ده تاني، وأحمد ده لو جالك زاحف على ركبه مش هيدخل من باب البيت.”
​أما
في شقة العيلة، فـ البركان اللي سبته ورايا كان دمر كل حاجة. عرفت بعد كده من جارتي القريبة مني إن أول ما قفلت الباب ورايا، أم العريس وقفت وبصت لحماتي ومنة بقرف شديد وقالت لهم: “بقى الناس اللي مأمنينهم على ابننا، ناس جاحدين بينكروا فضل لحمهم ودمهم؟!

اللي تعمل كده في مرات أخوها الشقيانة علشانها، وتسميها شغالة علشان لبسها متبهدل من خدمتكم، دي تطلع إيه؟! دي بكرة تدوس على ابني لو لقت مصلحتها في حتة تانية! إحنا عيلة أه غنية، بس بنعرف الأصول، والناس اللي معندهاش أصول ومابتصونش العيش والملح، مبلزمناش.”
​العريس قلع دبلته وحطها على السفرة في وسط الصواني اللي كنت عاملاها، وبص لأحمد وقال له: “أنا كنت فاكرك راجل وهتتحامى في ضهري، بس اللي ملوش خير في مراته اللي شايلة أهله، ملوش خير في حد.

خسارة فيكم الأكل اللي يفتح النفس ده.” وخد
أمه وخرجوا، والباب اتقفل وراهم قفلة هدت آمال منة وحماتي في الجوازة اللي كانوا بيحلموا بيها.
​الشقة اتقلبت مناحة، منة قعدت تصوت وتلطم على وشها وتقول: “خربت بيتي! الشغالة خربت بيتي وضيعت مني عريس عمري!”، وحماتي قعدت تصرخ في أحمد: “شايف مراتك الحرباية عملت فينا إيه؟! فضحتنا وخربت جوازة أختك!”.. بس أحمد المرة دي منطقش، كان قاعد على الكنبة زي الجثة، باصص للأرض، واستوعب فجأة إنه خسر كل حاجة؛

خسر مراته اللي كانت شيلقاه وشايلة أهله، وخسر كرامته قدام نفسه، والناس اللي اشترى خاطرهم على حسابي، هما أول ناس قعدوا يلوموه وينهشوا في ضهره.
​مرت الأيام، وأنا قفلت تليفوني تماماً. كنت محتاجة أرمم نفسي من جوة. أبويا قالي: “الضربة اللي متموتش تقوي يا سمر، وأنتِ طول عمرك ست بيت شاطرة ونفسك في الأكل ملوش مثيل، ليه متعمليش مشروعك الخاص؟الكلمة دي نورت في عقلي فكرة. قررت أبدأ مشروع أكل بيتي من المطبخ الصغير بتاع أبويا. عملت صفحة على الفيسبوك وسميتها “مطبخ سمر للأكل البيتي.. أصل الأصول”.

بدأت بحاجات بسيطة، محاشي وصواني زي اللي كنت بعملها لبيت عيلتي القديم، بس المرة دي كنت بعملها بكرامة، ولناس بتقدر وبتدفع تمن تعبي. أخواتي كانوا بيساعدوني في التوصيل، وفي ظرف شهور قليلة، الصفحة كبرت وبقى ليا زباين من أرقى الأماكن، والكل كان بيتجنن بطعم أكلي ونضافته. بقيت بشتغل وبكسب وبقى معايا قرشي، ووشي اللي كان دبلان من قهر المطبخ في بيت حماتي، نور وبقيت ألبس أشيك لبس وأنزل أشتري حاجتي بنفسي وأنا فخورة بكوني “شغالة” بس في ملكي ولحساب نفسي!
​في وسط نجاحي ده، وبعد حوالي ست

شهور، الباب رن في يوم. فتحت لقيت أحمد واقف.
منظره كان يصعب على الكافر؛ وشه شاحب، خاسس النص، ولبسه مش مكوّي ولا نضيف زي ما كنت بدلعه. أول ما شافني، عينيه دمعت وحاول يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا وبصيت له ببرود تام.
​قال بصوت مخنوق ومكسور: “سمر.. سامحيني. أنا بقالي ست شهور عايش في جهنم. البيت من بعدك بقى مقبرة، أمي تعبانة ومش قادرة تتحرك، ومنة مبلمسة مبتعملش حاجة ومخطوبة ليل نهار في نكد وخناق علشان جوازتها اللي باظت، ومحدش عارف يطبخ لقمة ولا ينضف البيت.

أنا عرفت قيمتك يا سمر، عرفت إنك كنتِ لقمة العيش الدافية في البيت ده وإحنا دُسنا عليكي. أبوس إيدك ارجعي معايا، وأنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه، وهجيبلك شقة لوحدك بعيد عن أمي
وأختي.”
​ضحكت ضحكة عالية، ضحكة قوة وسخرية، وقلت له: “شقة لوحدي؟ ودلوقتي ليه يا أحمد؟ لما كنت في وسطكم متهانة وبموت من التعب كنت بتقولي (معلش دول أهلي سيبيهم يرتاحوا)، ودلوقتي لما البيت اتضرب غطس وجعتوا وعطشتوا واكتشفتوا إن الشغالة مشيت، جاي تقولي ارجعي؟!

أنت مش جاي تدور على زوجة يا أحمد، أنت جاي تدور على غسالة وطباخة ومكنسة كنتوا بتشغلوها ببلاش ولما مشيت عيشتكم باظت.”
​دموعه نزلت وقال: “لأ والله يا سمر أنا بحبك وشاري ليكي.”
​قاطعت بلهجة حاسمة زي السيف: “اللي بيحب بيصون، واللي شاري مبيبيعش في أول محطة علشان يداري على كدبة أخته. أنا سمر اللي وقفت في وسط الصالة وقولت لكم حسابي كام.. والنهاردة أنا جاية أقفل الحساب القديم كله.
ورقت طلاقي تشرّف في أسرع وقت، لأن سمر القديمة ماتت يوم ما أنت وطيت راسك، وسمر الجديدة بقت صاحبة عمل ومبتشتغلش عند حد..

ولا حتى عندك يا ابن حماتي.”
​أبويا خرج على صوته وطرد أحمد برة البيت ورمى وراه قلة، وأحمد مشى وهو بيجر أذيال الخيبة والندم اللي هيعيش بيه طول عمره.
​بعدها بشهرين، استلمت ورقة طلاقي، وفي نفس الأسبوع، كنت بفتتح المحل الجديد بتاعي، مطعم صغير ومحندق بس شيك جداً، ومتعلق عليه يافطة كبيرة مكتوب عليها: “مطبخ الست سمر”. وقفت في نص المحل وأنا لابسة فستان شيك ومظبطة نفسي، وبصيت للمكان ولقلبي المرتاح، وعرفت إن الحق مبيضيعش، وإن الدنيا لما بتدور، بتجيب العالي واطي، وبتنصف الغلبان اللي صان أصله، طالما قرر في لحظة إنه ميسبش
حقه لحد.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0