الصبح طلع، وبدأت رحلة العذاب اليومي، بس المرة دي زاد عليها شغل الشقة اللي فوق. كنت بطلع السلم وأنا شايلة المقشات والمنظفات، وأدخل الشقة اللي المفروض كانت تكون بتاعتي، الشقة متوضبة على أعلى مستوى، ألوانها مبهجة، وفيها كل وسائل الراحة اللي اتحرمت منها تحت. كنت بنظف الأرضيات وأغسل الحيطان وأنا حاسة إن كل خطوة بخطيها في المكان ده بتدبـ,ـحني.
وفي يوم، وجهاز العروسة بيترص، جت العروسة مع أمها وعمتي عشان يشرفوا على الرص. العروسة كانت بتتحرك في الشقة كأنها ملكة، وتلتفت لي وتقولي بدلع ولؤم اسمعي يا.. إنتِ اسمك إيه صحيح؟
مش مهم، المهم خدي بالك وأنتِ بتمسحي النيش ده، الكاسات دي غالية جداً وجوزي جايبهالي من بره، مش عايزة حاجة تتكسر.
عمتي ضحكت وقالت لها متخافيش يا حبيبتي، دي يدها خفيفة ومتعودة على الشغل من وهي عيلة صغيرة عند أمي، رصي وأنتِ مطمنة.
وقفت في النص، ماسكة الفوطة في إيدي، وبصيت لهم.. أمها بتبص لي بقـ,ـرف كأني حشرة، وعمتي بتبص لي بانتصار، والعروسة بتتعامل معايا كأني خادمة بمرتب. وفي اللحظة دي بالذات، وجوزي داخل الشقة وشايل في إيده شنط وحاجات ليها، وأول ما شافها جري عليها وفضل يقولها تعبتي نفسك ليه يا قلبي؟
أنا كنت جيت رصيت معاكِ، وبصلي بنظرة تحذير ووعيد كأنه بيقولي إياكِ تنطقي.
في اللحظة دي، حسيت إن عقلي بيفصل عن الواقع. مشيت من قدامهم ونزلت الشقة تحت، دخلت المطبخ وقعدت على الأرض.. الفكرة بدأت تلعب في دماغي، فكرة إني مش هفضل كدة، وإني لازم أحـ,ـرق قلوبهم زي ما حرقوا قلبي، بس مكنش ينفع أثور وأزعق لأني عارفة إن الضـ,ـرب والذل هيكونوا مكافأتي، بابا بايعني، وستي مـ,ـاتت، وأنا طوع إيديهم.. يعني لو اتمردت علناً هتدفن مكاني ومحدش هيسأل عني.
بعد مـ,ـوت امى ١
قررت أغير الخطة..
قررت ألبس وش حاضر وطيب اللي ربتني عليه ستي، بس المرة دي بذكاء وخـ,ـبث.
بدأت أتعامل معاهم بمنتهى الهدوء والطاعة العمياء، لدرجة إن عمتي وجوزي بدأوا يطمنوا لي تماماً، وافتكروا إن الكف والتهـ,ـديد اللي فاتوا كسروا مناخيري وخلوني هادية وخاضعة أكتر من الأول. كنت بعملهم كل اللي عايزينه وبزيادة، لدرجة إن جوزي في يوم قال لأمه أنا قولت لك دي ملهاش ملجأ غيرنا، كلمتين ناشفين يربوها وتعرف قيمتها.
قبل الفرح بأسبوع، عمتي طلعت الشقة اللي فوق ونسيت مفاتيح الشقة ومفاتيح دولابها الخاص تحت في الشقة عندنا.
عمتي كانت شايلة دهبها وفلوسها وفلوس ومقدم الفرح بتاع ابنها في الدولاب ده، وهي من النوع اللي بيخاف جداً بس الطمأنينة اللي حستها ناحيتي خلتها تسيب المفاتيح على ترابيزة الصالة وهي مستعجلة.
جوزي كان بره مع عروسته بيشتروا لبس الفرح، وعمتي فوق مع الجيران بيساعدوها في تجهيز الأكل. الشقة كانت فاضية تماماً.. ومفيش غيري.
مشيت بخطوات بطيئة ناحية الترابيزة، مسكت المفاتيح، وإيدي كانت بترتعش.. مش خوف، دي كانت رعشة الانتقام. دخلت أوضة عمتي، فتحت الدولاب، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي جواه.
لقيت كمية دهب مش هقول كتيرة، بس دهب عمتي كله اللي حيلتها، ورزم فلوس مربوطة بأساور مطاطية، دي الفرحة والتحويشة اللي هيجوزوا بيها ابنهم ويفرشوا بيها حياتهم الجديدة.
مديت إيدي وأخدت الفلوس كلها، وأخدت علب الدهب، وقبل ما أقفل الدولاب، عيني وقعت على ورقة مطـ,ـوية في قاع الخزنة.. سحبتها وفتحتها، وكانت الصدمة اللي شلت تفكيري؛ دي كانت ورقة تنازل عن نصيب ستي في البيت القديم لصالحه هو وأمه، ومكتوب فيها إن نصيبي الشرعي من أمي اللي ستي كانت شايلاهالي، بابا وعمتي زوروا إمضتي عليه وباعوه لبعض!
يعني أنا مكنتش عايشة بجميلهم، أنا كنت عايشة بفلوسي وبورثي اللي سـ,ـرقوه مني وأنا مش دارية، وعشان كدة بابا رماني لعمتي عشان السر يفضل مدفـ,ـون في العيلة، وعمتي جوزتني لابنها عشان تضمن إني أفضل تحت رجليها وخدامة ليهم ومطالبش بحقي في يوم من الأيام!
النار اللي في صدري اتقلبت لبركان. قفلت الدولاب بالراحة، ورجعت المفاتيح مكانها على الترابيزة. أخدت الفلوس والدهب والورقة دي، وحطيتهم في كيس أسود صغير، وداريتهم في أكتر مكان مستحيل حد يشك فيه.. وسط كراكيب المطبخ القديمة وتحت عيون البوتاجاز اللي مبعملش حاجة غير إني بنظفها.
رجعت عمتي من فوق وهي بتنهج، وبصت على الترابيزة لقت المفاتيح، أخدتها وقالت لي أنتِ يا زفتة، عملتي الغدا؟
بعد مـ,ـوت امى ١
قولت لها بصوت واطي أيوا يا عمتي، كله جاهز وجوه في المطبخ.
بصت لي برضا وقالت عفارم عليكي، خليكي كدة شاطرة ومطيعة عشان نعرف نعيشك معانا.
قعدت في المطبخ وأنا ببتسم ابتسامة مرعبة.. ابتسامة حد مبقاش عنده حاجة يخسرها. الفرح متبقي عليه أيام قليلة، والفلوس اللي في إيدي دي هي طوق النجاة بتاعي، والورقة دي هي السـ,ـلاح اللي ههد بيه المعبد على رؤوسهم كلهم. مكنتش ههرب لسة، كنت مستنية اللحظة الحاسمة..
اللحظة اللي الضحكة فيها تتشال من على وشوشهم للآبد.
يوم الفرح الصبح، الشقة كانت مقلوبة، الكوافير تحت، والناس طالعة نازلة، وجوزي لابس بدلة الفرح وشكله فرحان بطريقة عمري ما شفتها. عمتي دخلت أوضتها عشان تلبس وتجيب الفلوس والدهب اللي هتنزل بيهم القاعة وتتباهى بيهم قدام أهل العروسة.
وفجأة.. صرخة زلزلت الشقة كلها، صرخة خلت كل اللي في البيت يقفوا مكانهم.. صرخة عمتي وهي بتلطم على وشها وتجري في الصالة وتصوت البيت اتسـ,ـرق!! دهبي وفلوسي وشقا عمري ضاعوا يا لهوي يا فضحتي قدام الناس!!.
بعد مـ,ـوت امى ٢
خرجت عمتي للصالة وهي بتلطم على وشها بهستيرية، ودموعها نازلة بتمسح مكياج الفرح اللي كانت لسة حطاه. جوزي اللي كان واقف قدام المراية بيظبط كرافتة البدلة اتسمّر في مكانه، ووشه اتحول للون الإخضر في ثانية. جِري على أوضة أمه وهو مش مصدق، وبدأ يقلب في الدولاب ويرمي الهدوم على الأرض وهو بيزعق فين الفلوس يا أمي؟ فلوس القاعة والمؤخر والمصاغ! فين الدهب؟! أنتِ مستوعبة إحنا فرحنا كمان ساعتين وأهل العروسة على وصول؟!.
البيت كان مليان بناس من قرايبنا والجيران اللي جايين يباركوا، وفجأة الفرح اتقلب لمناحة.
عمتي قعدت في الأرض تصوت وتقول الشقة مفيهاش كسر باب ولا شباك! محدش دخل هنا غريب.. مفيش غيرها!، وشاورت بإيدها المرتعشة عليا.
كل العيون في الصالة لفت وبصت لي. كنت واقفة في زاوية جنب المطبخ، ملامحي هادية تماماً، ومثلت الخضة والخوف ببراعة عمري ما تخيلت إني أملكها. حطيت إيدي على صدري وقولت بصوت مرعوب ودموع مصطنعة أنا يا عمتي؟! حرام عليكي، أنا هسـ,ـرقك إزاي وأنا م بخرجش من
البيت؟ وأروح فين بالفلوس والدهب وأنا ماليش حد في الدنيا!.
جوزي جِري عليا وزقني في الحيطة بكل قوته، لدرجة إن ضهري وجعني، ومسكني من رقبتي وهو بيجأر زي الديب والله العظيم لو طلعتِ أنتِ اللي خبيتي الحاجه لأكون دافنك هنا وعامل فرحي عليكي جنازة! أنطقي.. الفلوس فين؟! فتشتي الدولاب إمتى؟!.
نزلت على رجلي وبدأت أعيط وأصرخ فتشوا الأوضة.. فتشوني أنا.. فتشوا المطبخ! لو لقيتوا معايا حاجة مـ,ـوتونى!. كنت واثقة ومطمنة، لأن الكيس الأسود مكنش في الأوضة، ومكنش في مكان ظاهر. هما فعلًا سابوني وبدأوا يفتشوا بهمجية؛ دخل جوزي وأمه وأخواتي اللي كانوا وصلوا الفرح، وقلبوا الأوضة اللي بنام فيها..
رفعوا المرتبة، فتشوا الهدوم القديمة، ودخلوا المطبخ ورموا الحلل والأطباق في الأرض، لكن من ربكة عمتي وصدمتها مكنتش شايفة قدامها، وجوزي كان عقله طار من فكرة الفضيحة اللي مستنياه قدام نسايبه الجداد، فمحدش ركّز في كيس الزبالة القديم المركون ورا الأنابيب والكراكيب اللي تحت الحوض في عتمة المطبخ.
مالقوش حاجة. عمتي بدأت تصرخ الفلوس مش هنا! البت دي غسلت يديها وهرّبت الحاجه لحد بره.. اتصل بأبوها يجي يشوف المصيبة دي!.
نص ساعة وبابا وصل، لابس العباية الجديدة وبيمسح عرق الصدمة من على وشه.
أول ما دخل وشاف عمتي بتلطم وجوزي هيدمر الشقة، بصلي بنظرة كلها غل وجري عليا ضـ,ـربني بالقلم وقال سودتي وشي قدام أختي؟ وكمان بتسـ,ـرقي في يوم فرح ابنها؟! وديتي الفلوس فين يا مقصوفة الرقبة؟!.
بعد مـ,ـوت امى ٢
وقعت على الأرض، ورفعت عيني وبصيت له.. النظرة دي مكنتش نظرة طفلة مكسورة، كانت نظرة حد كشف اللعبة كلها. قومت وقفت على حيلي، ومسحت الدم من شفتي، ولأول مرة صوتي مكنش واطي، صوتي كان قوي وهادي، هدوء ما قبل العاصفة.
بصيت لبابا وقولت له أنا مسـ,ـرقتش حد يا بابا.. أنا أخدت حقي.
الصالة كلها سكتت.
عمتي وقفت لطم وجوزي قرب مني وهو بروق دـ,ـمه وقال حق إيه يا بت أنتِ؟! أنتِ حيلتك حاجة؟ ده أنتِ عايشة بجميلنا ولقمتك من خيرنا!.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة خلتهم كلهم يترعبوا من شكلي. مشيت بخطوات ثابتة للمطبخ، ومحدش قدر يمنعني من ذهولهم. مديت إيدي ورا الأنابيب وسحبت الكيس الأسود. طلعت منه ورقة التنازل المزورة، ورفعتها في وش بابا وعمتي.
أول ما بابا شاف الورقة، وشه اتقلب ألوان، والعباية بدأت تترعش من ركبته اللي مش شايلَاه. قولت له بصوت مسموع للكل الورقة دي عليها إمضتي المزورة..
الإمضاء اللي أنت وعمتي زورتوها وأنا عيلة صغيرة بعد مـ,ـوت ستي، عشان تاخدوا نصيب أمي في البيت والفلوس اللي ستي كانت شايلاها ليا.. كنتوا فاكرين إني هفضل طول عمري الخدامة اللي بتاكل بواقي أخواتها وبتشيل قرفكم وهي ساكتة؟!.
التفتّ لجوزي اللي كان واقف مبرق، وقولت له أنا مخدتش فلوس فرحك.. أنا أخدت ورثي اللي أمك وأبويا سـ,ـرقوه مني، والدهب ده بتاع أمي اللي عمتي أخدته من ورايا.. الفلوس دي فلوسي، والبيت ده نصيبه ليا، والشقة اللي فوق دي بفلوس أمي أنا!.
عمتي صرخت أنتِ كدابة! دي ورقة ملهاش لازمة، الفلوس دي شقا ابنها ومقدم العروسة!.
رديت عليها بثقة الورقة دي هتروح للنيابة والطب الشرعي الصبح يا عمتي، وهثبت إنكم زورتوا حقي وسـ,ـرقتوني. . والفلوس والدهب معايا ومش هتشوفوا منهم مليم واحد..
وريني بقى هتعمل الفرح إزاي يا عريس يا لُقطة، وهتقول لأهل العروسة إيه لما يسألوك عن المؤخر والشبكة وفلوس القاعة اللي المفروض تدفعها بعد ساعة!.
جوزي اتقدم عليا وعينه كلها شر، ورفع إيده عشان يضـ,ـربني ويمـ,ـوتني وياخد الكيس، لكن في اللحظة دي بالذات.. الباب خبط خبط ورزع قوي ورا بعضه.
أخويا فتح الباب وهو مرعوب، ودخل أبو العروسة وأخوها الكبير، ووشوشهم مكنتش تبشر بخير أبدًا. أبو العروسة بص لجوزي ولعمتي وقال بنبرة حادة هزت الشقة إحنا واقفين تحت بقالنا ساعة مستنيين العربيات والمواكب، والكوافير بيتصل بيقول الحساب مدفعش والعروسة محبوسة جوه.. إيه المهزلة دي؟!
وفين الشبكة والدهب اللي قولتوا هنجيبهم من الشقة وننزل؟!.
بعد مـ,ـوت امى ٢
بصيت لجوزي ولعمتي ولبابا.. التلاتة كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة، الكبرياء والظلم والشر اللي كان في عيونهم اتمسح وبقى بداله رعب وفضيحة هتوصل لكل حتة في المنطقة.
أبو العروسة لمح الهدوم المرمية في الأرض