قفلت باب الشقة وراهم، البيت بقى هادي بشكل موحش، قعدت على الكرسي اللي كانت دعاء قاعدة عليه من كام ساعة، وطلعت ورقة الطلاق اللي كنت مجهزاها بقالي فترة ومخبيها، مضيتها بإيدي اللي كانت بتترعش من الفرحة، ولأول مرة في حياتي، اتنفسست نفس عميق، مش نفس واحدة مكسورة، بس نفس واحدة استردت حياتها، وكرامتها، وحريتها.. وابتسمت للسقف، لأني عرفت إن اللي جاي، هيكون أول يوم في حياتي بجد.
…….
قعدت لوحدي في البيت اللي لسه ريحة التوتر فيه ماليّة المكان، الهدوء كان مريب، كأن الجدران نفسها خدت نفس عميق بعد ما اتخلصت من طاقة الشر اللي كانت ساكناه.
مسكت تليفوني اللي كان بيكمل شحنه، وفتحت صفحة السوشيال ميديا الخاصة بيا، والشرارة اللي جوايا ماكنتش لسه طفت، بالعكس، كانت محتاجة تتنفس عشان اللي عملوه فيّ وفي غيري يطلع للنور.
أخدت “السكريين شوتس” اللي كانت بتوثق تورطهم في عمليات الابتزاز، ورفعت كل ده على جروبات كبيرة، ومعاها اعترافات مسجلة كنت أخدتها ليهم من فترة وهم بيحكوا عن ضحاياهم بكل بجاحة. ماكتفتش بالشرطة وبس، أنا كنت عايزة “الفضيحة” تكون هي العقاب الأكبر، عشان الناس اللي اتأذوا منهم يعرفوا إن حقهم رجع.
عدت ساعات، والتليفون مابطلش رن، رسايل من ضحايا، مكالمات من أهالي، وكلهم بيشكروني.
الغريب إني ماكنتش حاسة ببطولة، كنت حاسة بوجع على السنين اللي ضيعتها مع شخص زي ده، بس في نفس الوقت، كان في جزء مني بيتعافى.
بعد يومين، كنت في القسم بخلص إجراءات قضي..ة الخلع، وشفت طارق هناك.. كان شكله متبهدل، اللحية طالت، والهدوم اللي كان بيتباهى بيها بقت مهلهلة، عيونه كانت بتدور عليا في كل زاوية، وأول ما لمحتني، حاول يصرخ، بس العساكر سكتوه. ما قربتش منه، وقفت قدام المحامي بتاعي وأنا لابسة نظارة شمسية، وواخدة قراري إني مش هبص لورا تاني.
طلعت من القسم، الشمس كانت ضاربة في وشي، حسيت بحرارتها لأول مرة من سنين.
ركبت عربيتي، وشغلت المزيكا اللي كنت بخاف أسمعها وهو موجود عشان مايقوليش “صوتها عالي”، دست بنزين وأنا بسيب ورايا العمارة اللي قضيت فيها أسوأ أيام حياتي، وبدأت مشوار جديد.. مشوار “إنجي” اللي عرفت قيمتها، اللي عرفت إن قوتها مش في صوتها العالي ولا في ردها بضـ,ـربة، قوتها في ذكائها، وفي لحظة صدق مع النفس قررت فيها إن “الظلم” مابيتسكتش عليه.
وصلت البيت الجديد، شقة صغيرة بس بتاعتي، دخلت رميت شنطتي، ووقفت قدام المرايا، بصيت لنفسي وابتسمت، ولقيتني بقول بصوت عالي: “أيوة يا إنجي، إنتي قوية، وإنتي اللي كسبتي”..
ومن اللحظة دي، بدأت حياتي الحقيقية، حياة خالية من طارق، خالية من دعاء، وخالية من أي حد يجرؤ إنه يقلل من كرامتي.
…….
عدت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت كفيلة تغير ملامح حياتي تماماً. كنت قاعدة في مكتبي الصغير اللي فتحته، شركة صغيرة للدعاية والإعلان، المكتب اللي بنيته من “الصفر” ومن الفلوس اللي كنت بعينها في السر من ورا طارق، والخبرة اللي اكتسبتها من شغلي معاه قبل ما يقرر يطوعني لخدمة أغراضه.
جالي تليفون من محامي القض..ية، ردت عليه بهدوء وثبات: “أيوة يا أستاذ كمال، طمنّي؟”. سمعت صوته وهو بيقول: “حكم النهاردة صدر يا إنجي..
طارق وأمه ومعاهم دعاء، خدوا أحكام مشددة بتوصل لعشر سنين.. الفـ,ـضايح اللي انتشرت خلت الرأي العام كله ضدهم، ومحدش عرف يخلصهم من القض..ية دي”.
قفلت السكة، وقفت قدام الشباك وأنا ببص على زحمة القاهرة، مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة براحة تشبه نسيم الهوا الصافي بعد عاصفة قوية. في اللحظة دي، دخلت واحدة من الموظفات عندي، بنت صغيرة لسه في بداية طريقها، عينيها كانت مكسورة، وبصتلي بخوف وقالت: “يا مدام إنجي، فيه حد برا بيضايقني، و.. وخطيبته بتبعتلي رسايل تهديد ومكالمات”.
بصيت للبنت، وشفت في عيونها “إنجي” بتاعة زمان.. الضعف، الخوف، والارتباك.
قمت من على المكتب، مشيت ناحيتها، حطيت إيدي على كتفها بحنان وقوة في نفس الوقت، وابتسمت ابتسامة الواثق اللي جرب النار وعارف إزاي يطفيها.
قلتلها بصوت ثابت وواضح: “بصيلي كويس.. مفيش حد في الدنيا دي يقدر يكسرك، إلا لو إنتي سمحتي له. امسحي دموعك دي، وطلعي تليفونك، وريني كل رسايلهم، وقومي ارفعي راسك.. لأنك من النهاردة مش لوحدك، أنا معاكي، وهنخلي اللي يفكر بس يقلل من كرامتك يدفع التمن غالي”.
البنت مسحت دموعها وبدأت الابتسامة ترجع لوشها تدريجياً، وفي اللحظة دي عرفت إن التجربة القاسية اللي عشتها مكنتش مجرد “عذاب” مر في حياتي، كانت رسالة.
أنا دلوقتي مش بس إنجي اللي نجت، أنا إنجي اللي بقت درع لكل واحدة بتتعرض لنفس الظلم.
سيبت الشباك، ورجعت قعدت على كرسيي، مسكت قلمي، وبدأت أخطط لحياتي الجاية، ولحياة أي واحدة محتاجة صوت قوي يدافع عنها. طارق وشرّه بقوا جزء من الماضي، ذكريات بعيدة وموجعة، لكنها بقت “الوقود” اللي بيحركني لقدام.
أنا إنجي.. والنهاردة، أنا بكتب أول صفحة في فصل جديد خالص من كتاب حياتي، فصل عنوانه: “أنا اللي اخترت، وأنا اللي كسبت، وأنا اللي بكمل”.
تمت
حكايات انجى الخطيب