……..
عدت الأيام، لكن آثار اليوم ده كانت لسه محفورة في ذاكرتنا. كريم اختفى تماماً، العيلة قررت تقاطعه تماماً بعد ما الفضيحة انتشرت، واتحرم من دخول بيوتهم، وده كان العقاب اللي بيستحقه.
جوزي، “أحمد”، اتغيرت معاملته معايا، بقا أكتر قرباً واهتماماً، وكأنه بيحاول يعوضني عن اللحظة اللي خذلني فيها غصباً عنه. بقينا نقعد ساعات نحكي ونحلل، ونبص للمطبخ اللي كان مسرح للرعب ده كأنه مكان عادي جداً، بس كل ما بدخله، كنت بفتكر قد إيه لحظة واحدة من الشجاعة ممكن تغير مجرى الحياة.
أما أنا.. ريم، فمبقتش ريم اللي كانت بتخاف من نظرة أو كلمة.
بقيت بشوف نفسي بعيون مختلفة، عيون ست عرفت تواجه الوحوش بذكائها. بدأت أهتم بنفسي أكتر، أرجع أمارس هواياتي اللي كنت مهملة فيها، وأقوي علاقتي بجوزي أكتر وأكتر.
في يوم، كنت قاعدة مع جوزي، مسكت إيده وقولتله: “أحمد، كنت خايفة أوي في اليوم ده، خايفة لا يصدقوك ويصدقوني أنا”.
بصلي نظرة حنين وقال: “ريم، اللي حصل في اليوم ده علمني درس ميتنسيش.. إن الثقة مش معناها الغفلة، وإن مراتي هي أغلى ما أملك، ومفيش حد في الدنيا، مهما كان قريب، له الحق إنه يمس كرامتها”.
الدرس ده كان أغلى هدية خرجت بيها من التجربة دي.
البيت رجع يضحك تاني، رجعنا نستقبل أهلنا، ونشجع منتخبنا، ونعيش حياتنا، بس الفرق إن “بيتنا” بقا حصن حصين، مش بس بجدرانه، لكن بالصدق والمواجهة اللي زرعناها فيه.
الحياة استمرت، والقصة دي بقيت حكاية بنحكيها لنفسنا كل ما نحس إننا بنضعف، حكاية بتذكرنا إن القوة موجودة جوانا، وإننا نقدر ننتصر حتى في أصعب الظروف.
#انجي_الخطيب
…….
بعد مرور فترة، الحياة رجعت لطبيعتها الهادية، لكن بنكهة تانية خالص. بيتنا بقى له طابع جديد، طابع الست اللي عرفت تحمي مملكتها، والراجل اللي عرف قيمة مراته وشالها فوق راسه.
يوم الجمعة، زي كل أسبوع، كان بيت أحمد متجمع فيه العيلة الكبيرة، بس المرة دي كان فيه غصة، الكرسي اللي كان دايمًا بيقعد عليه “كريم” كان فاضي، والكل بيتجنب يفتح سيرته. كنت قاعدة وسطهم، لابسة ومتهندمة، بوزع الشاي والحلويات، وكل عين في العيلة كانت بتبصلي بنظرة مختلفة.. مش شفقة ولا استغراب، لأ.. نظرة احترام وتقدير خفي للست اللي وقفت وكسرت عين المفتري.
أحمد كان قاعد بيراقبني وهو مبتسم، عينه بتلمع بحب وفخر، كل ما أتحرك في الأوضة، كان بيتابعني وكأنه بيكتشفني من جديد.
لما القعدة هديت، وأهله مشيوا، قعدنا سوا في البلكونة بنشرب قهوتنا، الجو كان هادي، والنسيم بيطبطب على وشوشنا.
بصلي أحمد وقال: “عارفة يا ريم.. لسه لحد دلوقتي، كل ما بدخل المطبخ، بتخيل المشهد وأنا بفتكر قد إيه كنت غبي إني مكنتش حاسس بالخطر اللي حواليكي. بس في نفس الوقت، بحس براحة غريبة.. لأنك طلعتي أذكى وأقوى مما كنت متخيل”.
ابتسمت وقربت منه: “الضعف يا أحمد مش فينا، الضعف في اللي بيستغل الثقة عشان يأذي. أنا كنت خايفة، أه، بس خوفي ده هو اللي خلاني أفكر. والحمد لله إننا خرجنا من التجربة دي بدرس يخلينا أقوى”.
مسك إيدي وضغط عليها: “مش بس أقوى يا ريم، إحنا بقينا أوضح لبعض. ومن هنا ورايح، مفيش أي حاجة هتدخل بيننا، ولا أي حد هيقدر يهدد بيتنا.”
في اللحظة دي، حسيت إن كل الوجع اللي عشته، وكل الخوف اللي سيطر عليا، كان ضريبة عشان أكتشف حقيقة الناس اللي حواليا، وعشان أبني علاقة حقيقية مع جوزي مبنية على الصراحة والوضوح.
القصة انتهت هنا، لكن الأثر باقي..
باقي في كل نظرة فخر من جوزي، وفي كل مرة بقف فيها قدام المراية وبشوف “ريم” اللي مابتنكسـ,ـرش، الست اللي حولت لحظة ضعفها لنقطة انطلاق، واللي أثبتت إن كلمة “بيت” مش بس سقف، ده عهد وشـ,ـرف ومسؤولية.. والحمد لله إن الحكاية خلصت بستر، وبنصر، وببيت لسه دافئ بالحب.
#انجي_الخطيب
تمت
انجى الخطيب