مراتي خافت على ابننا

وحشة، وفجأة سمعت صوت أنين مكتوم.. صوت زي تزييق الباب.. ده صوت آدم لما بيبكي من غير ما يطلع صوت! جريت ناحية الصوت، ولقيته..
​كان مرمي على الأرض فوق كرتونة قديمة، هدومه كلها تراب، ووشه متغرق دموع ومخاط، وجسمه كله بيتفض من الرعب. أول ما شافني، عينيه وسعت، وحاول يرفع إيده الصغيرة المضروبة بالمرض ناحيتي، وهو بيطلع صوت مبحوح كأنه بيقولي “متسبنيش”.
​رميت نفسي عليه وحضـ,ـنته، بكيت بحـ,ـرقة عمري ما بكيتها قبل كده، كنت بنضف التراب من على وشه وأنا بقوله: “سامحني يا قلب أخوك.. سامحني يا ضنايا.. أنا السبب.. أنا اللي دخلت الغدر بيتنا”.

​وفجأة، سمعت صوت قفل باب الخرابة الحديدي وهو بيترزع وبيتأفل بقفل كبير من بره!
لفيت بسرعة وأنا شايل آدم في حضـ,ـني، لقيت الباب اتقفل تماماً، ومن ورا السلك المكسر بتاع الشباك، شفت ضل بني آدم واقف بيضحك ضحكة خبيثة.
​”مين بره؟! افتح الباب!” صرخت بأعلى صوتي.
جاني الصوت من بره، وصدمتي كانت أكبر بكتير من صدمة مراتي.. الصوت ده أنا عارفه كويس.. ده صوت عمي الكبير “حامد”!
​”نورت الخرابة يا ابن أخويا.. أهو إنت وأخوك السقط ده في مكان واحد، عشان ترتاحوا وتريحونا معاكم.”
​”عمي حامد؟! إنت اللي عملت كده؟

إنت اللي كتبت الجواب؟!”
​”آه أنا.. مرتك الغبية جت رمت الواد تحت رجلينا في السوق وهي فاكرة محدش شايفها، خدته منها من غير ما تحس، وبعت لها الجواب عشان أجيبها وتجيبك لهنا.. إنت مش راضي تدير الورشة لحسابنا وتنازلنا عن نصيب أبوك، وواقف لنا لقمة في الزور بأخوك المعاق ده.. أهو دلوقتي مرتك هتنزل الواد اللي في بطنها من الرعب، وإنت وأخوك هتقعدوا هنا لحد ما تتربوا، وتوقعوا على التنازل عن الورشة والبيت، وإلا هسيبكم تمـ,ـوتوا من الجوع.”
​بصيت لمراتي اللي كانت واقعه عند الباب بتصرخ من الوجع وبتنزف، كانت بتبصلي بنظرات رجاء وهي بتقولي: “إبراهيم.. ابني بيمـ,ـوت..

سامحني وخلي عمك يفتح الباب.. أنا السبب.. أنا اللي طمعتهم فينا لما رحتلهم وشكيتلهم منك ومن أخوك، هما اللي وزوني أرميه!”
​فهمت كل حاجة.. مراتي من كتر غلها من آدم، راحت لأعمامي تشتكي، وهما لما لقوها غبية وبتحقد على الواد، وزوها إنها ترميه في السوق عشان يخلالهم الجو، وبمجرد ما نفذت، استغلوها عشان يلووا دراعي ويحبسونا كلنا ويسـ,ـرقوا حلالنا!
​آدم كان في حضـ,ـني بيتفض، ومراتي على الأرض بتنـ,ـزف وبتمـ,ـوت، وعمي بره بيساومني على شـ,ـرفي وشقا عمري.
بصيت لآدم وقلت له: “متخافش يا أخويا.. أخوك راجل، ومفيش كلب هيكسـ,ـرنا”.

حطيت آدم في مكان أمان في زاوية الخرابة، وقمت وقفت زي الأسد الجـ,ـريح.. الوجع اتقلب لغل وطاقة تهد جبال. مسكت حتة حديدة غشـ,ـيمة كانت مرمية في الأرض، وقربت من الباب الحديد القديم، وبدأت أضـ,ـرب بكل عزمتي في القفل والمفصلات الصدية.
​عمي بره كان بيضحك ويقول: “اضـ,ـرب يا ابن أخويا.. ده حديد صلب مش هتفتحه”.
لكن القوة اللي كانت في إيدي مكنتش قوتي، دي كانت قوة حق آدم، وقوة القهر اللي شفته. مع رابع ضـ,ـربة بكل غلي، المفصلة الصدية اطقمت، والباب اخلع من ناحية.

زقيت الباب بكل جسمي وخرجت وزي المجنون مسكت عمي من رقبتو، نزلت فيه ضـ,ـرب لحد ما كان هيمـ,ـوت في إيدي وهو بيصرخ وبيتوسل: “الحقوني.. الواد هيقـ,ـتلني!”.
​الجيران وبتوع السوق سمعوا الصوت وجريوا علينا، ولموا عمي وهو غرقان في دـ,ـمه، وطلبت الإسعاف والشرطة علطول.
​النهاية وعبرة الزمن
​مرت الأيام.. وربنا جاب الحق لأصحابه.
​عمي ومجلس أعمامي: اتعملهم قـ,ـضية خـ,ـطف وابتـ,ـزاز وشروع في قـ,ـتل، والشرطة جابت تسجيلات كاميرات السوق اللي ثبتت كل حاجة، واتحبسوا جزاء طمعهم وسواد قلوبهم.
​مراتي: للأسف سقطت ابني اللي كنت مستنيه، والنـ,ـزيف والتعب أثروا عليها لدرجة إن الدكاترة قالوا مش هتعرف تخلف تاني..

كأن ربنا عاقبها بنفس الذنب، حرمها من الضنا عشان حبت تحرمني من أخويا. وطبعاً، ورقتها وصلت لبيت أهلها وهي لسه في المستشفى، ومبقتش مراتي ولا هتشوف وشي تاني طول حياتها، وبقت عايشة مكـ,ـسورة، لا طالت ابن ولا طالت جوز، وذنب آدم بيطـ,ـاردها في كل حلم.
​أما أنا وآدم.. فـ رجعنا بيتنا. الورشة ربنا كرمنا فيها وفتحت عليا من وسع، كأن رزق آدم هو اللي بيمشي دنيتي.
كل يوم الصبح، بصحي أبص في وش آدم وهو بيضحكلي ضحكته الصافية اللي من غير كلام، وبقول في بالي: “الحمد لله اللي كشفلي النفوس..

والحمد لله إن الأمانة لسه في رقبتي، ده إنت يا آدم اللي حاميني ومشيلني، مش أنا اللي شايلك”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0