انخلع قلبي من مكانه لما شفت نظرة أبويا وعصايته المرفوعة في الهوا. تراجعت خطوة لورا على السلم وأنا بجر الشنطة، وجسمي كله بيفضفض رعب. أمي طلعت من وراه وولولت وهي بتلطم على صدرها: “يا مصيبتك السودا يا صباح! يا فضيحتنا وسط الخلق! بقى جوزك يكلم أبوعمران على آخر الزمن ويقول له بنتك حرامية وبتاكل مال يتامى؟!”
أبويا مسكني من العباية وجرني لداخل الصالة ورما الشنطة ورايا، وقفل الباب بترتيلة غضب هزت البيت: “انطقي يا بت! الكلام ده صح؟ بقى مصطفى الشقيان في الغربة باعت فلوس لأخته الأرملة، تقومي إنتِ تقصي منها وتشغلي الست عندك دادة وخدامة بفلوس أخوها؟! إحنا ربيناكي على الغدر وكل الحرام ده؟!” رميت نفسي على الأرض تحت رجلي الصارمة لـ أبويا وبكيت بحرقة: “يا بويا اسمعني.. والله العظيم الشيطان عماني، قولت أشيل القرشين لبيتي وعيالي، ونادية كانت بتدعي لي وفرحانة باللقمة.. مكنتش أقصد أذلها!”
أبويا تف في الأرض من كتر القرف وقال بصوت واطي ومخيف: “تذليها؟ إنتِ ذلتينا إحنا! الراجل اتصل بيا وهو بيبكي دم في السعودية، ويقول لي بنتك خاينة أمانة، ورقتها هتوصلها ورجلي على رجله نازل مصر الأسبوع الجاي.. وعمل لي تفويض أنا وعمك والحاج رفعت نصفي الحساب”. أمي قعدت على الكنبة تولول: “والسبعين ألف جنيه اللي في البوسطة يا صباح؟ رجب موظف البريد كلم أخو جوزك وفضح الدنيا، والناس في الحارة كلها زمانها بتتوشوش علينا!”
أبويا ضـ,ـرب بعصايته على التربيزة وقال بلهجة قاطعة: “بكرة الصبح من النجمة.. هتروحي مع عمك وخالد لـ مكتب البوسطة.. كل مليم في الدفتر يتسحب، وتزيدي عليهم من دهبك اللي في علبتك لحد ما يكمل حساب نادية تالت ومتلت.. ميتين ألف جنيه يرجعوا لأصحابهم، وجوزك حسابك معاه لما ينزل.. إن طلقك يبقى وخدتي جزاكِ، وإن رجعك يبقى عشان عيالك، لكن حق الست اليتيمة دي هيرجع ورقبتك فداه!” الليل عدا عليا في أوضتي القديمة كأنه سنة، مقـ,ـتلتش نوم، وعقلي شغال: “الدهب وشقا السنين كله هيروح عشان يسد الحساب.. ورجب الكلب دمرني، ومصطفى جاي مصر الأسبوع الجاي”.
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالدقيقة.. كنت واقفة قدام باب مكتب البوسطة، وجنبي أبويا وعمي، والناحية التانية خالد واقف وعينه فيها نظرة النصر والشيماتة، ومعاه نادية اللي كانت رابطة راسها بشال أسود وعينها مبحلقة في الأرض ومبتنطقش معايا بكلمة. دخلنا لمكتب البوسطة، والموظفين كلهم كانوا بيبصوا لي.. ورجب الكلب كان قاعد ورا الزجاج ووشه في الأرض مش قادر يرفع عينه فيا بعد ما فضحني عشان مأدتلوش الرشوة. سحبت كل المبالغ اللي في الدفتر، وطلعت علبة الدهب سلمتها لعمي اللي باعها في محتك الصاغة اللي جنب البوسطة، وجمعنا المبلغ كله.. ميتين ألف جنيه كاش في كيس أسود.
طلعنا برة في حوش البوسطة، أبويا مسك الكيس وحطه في إيد نادية وقال لها بصوت مكسور: “سامحينا يا بنتي.. حقك وحق عيالك أهو، وبنتي غلطت وجزاها هتاخده.. امسحيها في شيبتي”. نادية مسكت الكيس، وبصت لي نظرة أخيرة.. مكنش فيها غل، كان فيها وجع يهد جبال، وقالت: “مسامحاكي عشان خاطر عم عمران.. لكن كرامتي اللي تفتي عليها يا صباح، حسابها عند ربنا”. واخدت خالد ومشيت.
لفيت عشان أروح مع أبويا، لكن أبويا وقفني بإيده وقال لي ببرود: “إنتِ مش هتيجي معايا البيت يا صباح.. إنتِ هتقعدي في شقة جوزك المقفولة لوحدك.. وتستني مصطفى لما ينزل الأسبوع الجاي.. وهو اللي يقرر هيعمل فيكِ إيه”. مشيت لوحدي في الشوارع، مفيش في جيبي مليم، وبيتي ضلمة، والكل اِتخلى عني. دخلت الشقة المقفولة، ريحة الغربة لسه فيها، قعدت في الصالة الضلمة وأنا بترعش من الخوف مستنية الأسبوع يخلص ومصطفى يوصل.. ومرت ست أيام كأنهم مئة سنة، لحد ما جه اليوم الموعود..
سمعت صوت مفتاح بيلف في الباب.. قلبي سقط في رجلي.. الباب اِتفتح ودخل مصطفى.. وشكله كان متغير، خاسس والهم راكب وشه، وعيونه حمرا زي الدم من كتر التفكير.. بص لي ونزل الشنطة على الأرض، وقفل الباب وراه بالترباس.. وقرب مني بخطوات بطيئة وهو بيحط إيده في جيبه وطلع حاجة صدمتني!حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم وقف مصطفى قدامي، وعيونه الحمرة بتبص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه قبل كده، نظرة خالية من أي لَهفة أو عاطفة، مفيهاش غير القسوة والكسرة. مَد إيده في جيبه وطلّع “علبة التليفون السامسونج” إياها! اللي نادية رمتها على الكنبة وأخدها خالد معاها.
حط العلبة على التربيزة بهدوء مرعب، وقال بصوت واطي ومبحوح من كتر القهر: “التليفون ده.. اللي بسببه كدبتي وقولتي اتسـ,ـرق في السوق عشان خايفة سِرك ينكشف.. التليفون ده أنا كنت باعت معاه شريحة ومسجل عليها خطي القديم عشان نادية تفتح الواتساب وتلاقيني مكلمها.. كنت فاكر إني ببعت وسيلة صلة رحم، مكنتش أعرف إني ببعت حبل المشنقة اللي هيكشف خيانتك للأمانة”. انفجرت في العياط ورميت نفسي على ركبي، مسكت رجله وأنا بصرخ: “سامحني يا مصطفى! والله العظيم الشيطان غواني، الفلوس رجعت لأختك تالت ومتلت، وأبويا باع دهبي وشقايا كله عشان يسد الحقوق.. سامحني عشان خاطر العيال!”