جوزي أول ما شاف أمه وقعت على الأرض بالشكل ده، صرخ بأعلى صوته: “أمي!”، وجري عليها وحاول يفوقها وهو مرعوب، والست صاحبة الشقة والرجالة اللي كانوا قاعدين اتلموا حوالينا والمكان اتقلب في ثانية. أنا وقفت مكاني حاطة إيدي في وسطي، وباصة لها ببرود شديد، والابتسامة لسه فارقة وشي. أحمد بص لي بنظرة كلها غل وعياط وقال لي: “أنتِ قولتِ لها إيه؟ عملتِ في أمه إيه يا فاجرة؟” رديت عليه بكل هدوء وثقة: “فوق أمك الأول يا أحمد، وخلينا نخرج من المستنقع ده، ولما نروح البيت هقولك أنا قولت لها إيه بالظبط، وهتعرف مين فينا اللي فاجر ومين الشريف.”
الست صاحبة الشقة خافت من لمتنا ومنظر حماتي اللي زي الجث..ة، وزقتنا بره وقالت: “برا.. خدوها وموتوا بعيد عني وعن شقتي، مش ناقصين خراب بيوت وشرطة!” شيلنا حماتي وأنا ساعدته من غير ولا كلمة، ونزلنا بيها على أول مستشفى. دكاترة الطوارئ جريوا بيها ودخلوها الأوضة، وأحمد كان رايح جاي في الطرقة زي المجنون، الشك بياكله من ناحيتي، والخوف على أمه هيموته. بعد نص ساعة خرج الدكتور وهو بيتمسح في جبينه وقال:
“الحمد لله، لحقناها.. جالها صدمة عصبية شديدة أدت لهبوط حاد في الدورة الدموية وشلل مؤقت في الأحبال الصوتية من خضة أو خبر صادم، هي مش هتقدر تتكلم كام يوم، بس حالتها مستقرة ونقلناها أوضة عادية.” أول ما سمعت كلمة “مش هتقدر تتكلم”، ضحكت من جوايا وقولت: “يا محاسن الصدف! ربنا قفل لسانك عشان اللعبة تخلص على نظيف”. أحمد دخل جري عليها، لقاها مفتحة عينيها وبتبص للسقف بذهول، وأول ما شافتني داخلة وراه، عينيها اتملت برعب حقيقي وحاولت ترفع إيدها تشاور عليا وهي بتترعش وجسمها بيتنفض، بس مكنتش قادرة تطلع صوت.
أحمد لف ليا، وعينيه كلها شرار، ومسكني من دراعي جامد وقال: “أنطقي.. قولتِ لها إيه خلاها بالمنظر ده؟ وإيه اللي جابك الشقة دي؟ لو منطقتيش حالاً هطربق الدنيا فوق دماغك!” شديت دراعي منه بقوة وبصيت له في عينيه وقولت له: “امشي معايا يا أحمد، سيب أمك ترتاح هنا، وتعالى معايا على البيت وأنا هسلمك المفاجأة اللي خلت أمك تقع من طولها.. هسلمك شرفك اللي أمك كانت عايزة تبيعه برخيص.” مشي ورايا وهو زي المغيب، مش فاهم حاجة وتايه بين منظر أمه المرعوبة مني وبين ثقتي اللامتناهية. وصلنا الشقة، أول ما دخلنا قفل الباب ووقف وقالي: “أدينا في البيت.. أنطقي!”
قولت له: “فاكر الأسبوع اللي فات لما قولت لك إني رايحة عند أمي، وأمك فضلت تزن في ودنك وتقولك دي بتخرج ومحدش عارف بتروح فين؟” قال لي: “آه.. وكنتِ بتكدبي؟” قولت له: “لأ مكنتش بـكدب.. أنا فعلاً روحت لأمي، بس وأنا هناك، بالصدفة البحتة، شوفت أمك داخلة العمارة اللي قصاد بيت أمي.. وعارف دخلت شقة مين؟ دخلت شقة الأستاذ (ممدوح) المحامي اللي ماسك قض..ية الميراث بتاعة أرض أبوك الله يرحمه!” أحمد استغرب وقال: “طب وإيه يعني؟ ما هي رايحة تتابع القض..ية!”
ضحكت بسخرية وقولت له: “تتابع القض..ية الساعة ١١ بالليل يا أحمد؟ وفي شقته السكنية مش مكتبه؟! أنا قلبي اتقبض، ووقفت في البلكونة عند أمي وراقبت، ولما اتأخرت نزلت ووقفت عند بواب العمارة اللي هو قريبي وأصلاً من بلدنا، وسألته.. والراجل من كتر صدمته وأمانته حكى لي على المستخبى.. أمك بايعة أرض أبوك من وراك بعقد مزور بالاتفاق مع المحامي ده، وقابضة تمنها ومخبياه في حساب سري باسمها، والمحامي بيقاسمها في الفلوس والمقابل كان…” أحمد وشه اتقلب وقال بزعيق: “أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟! أمي أنا تعمل كده وتخونني؟!”
قولت له: “أنا مابخرفش.. الكلمتين اللي أنا همست بيهم في ودن أمك في الشقة المشبوهة كانوا: (أنا عرفت شقة المحامي ممدوح وعرفت الفلوس المتشالة في البنك وعقد الأرض المزور.. والبوليس زمانه تلاقيه قبض عليه ودلوقتي هيجيب رجلك وعقد الأرض معايا).. أمك أول ما عرفت إن سرها اتفضح، وإن الفلوس والأرض طاروا، وإنها داخلة على سجن وفضيحة، طارت دماغلها ووقعت من طولها!” أحمد تراجع لورا وهو مش مصدق، وصوته بدأ يرعش: “كدب.. أمي متعملش كده!” طلعت من شنطتي ورقة وفلاشة، وحطيتهم في إيده وقولت له بروقان:
“دي صورة العقد المزور اللي المحامي كان سايب نسخة منه في مكتبه وقريبي البواب قدر يخليني أصورها، وعلى الفلاشة دي تسجيل صوتي وصورة لأمك وهي خارجة من شقته في نص الليل.. أمك يا أحمد كانت مستعدة تتهمني في شرفي وتدمر حياتي وتخليني أتمسك في بيت مشبوه، بس عشان تداري على مصيبتها وفلوستها اللي سرقتها منك ومن إخواتك، وعشان لما تطلقني تشغل بالك بمصيبتك ومتدورش ورا الأرض والميراث اللي سرقتهم!”
أحمد مسك الورقة والفلاشة، وبدأ يشوف الصور ويسمع، ودموعه بدأت تنزل، بس المرة دي مش عليا.. دموعه نزلت من الصدمة في أمه اللي خططت لتدمير شرف مراته وسرقة ابنها. بص لي وعينيه مليانة ندم وكسرة وقال: “أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا ظلمتك.” بصيت له وقولت: “الكلام مش معايا يا أحمد.. الكلام مع أمك اللي نايمة في المستشفى.. ويلا بينا نرجع لها، لأن المفاجأة الكبيرة لسه مخلصتش!”
أحمد بص لي وهو مشوش ومصدوم، وعينيه بتتنقل بين الورقة والفلاشة وبين وشي اللي مفيش فيه غير الثبات. سألني بصوت مخنوق بالدموع: “مفاجأة إيه تاني يا نادين؟ أنا حاسس إن دماغي هتنفجر، أمي ضيعتني وضيعت شرفك عشان شوية فلوس؟!” رديت عليه وأنا بلبس عبايتي بكل برود: “يلا بينا على المستشفى وأنت هتعرف كل حاجة هناك.. اللعبة اللي أمك بدأتها، أنا اللي هنهيها وبشروطي.” نزلنا من البيت، وأحمد طول الطريق في العربية كان ساكت تماماً، بيبص للطريق وعينيه ماليانة ندم، وكل شوية يبص لي بطرف عينه وكأنه مش مصدق إن دي البنت الهادية اللي كانت بتستحمل إهانات أمه في الرايحة والجاية.
وصلنا المستشفى، وطلعنا للأوضة اللي فيها حماتي. أول ما فتحنا الباب، لقينا المفاجأة.. الأستاذ ممدوح المحامي واقف جوه الأوضة ووشه عرقان وبيمسح في منديل، وحماتي نايمة على السرير وعينيها بتتحرك برعب وبتحاول تشاور له بإيدها المترعشة عشان يمشي أو يتصرف، بس لسانها لسه عاجز عن النطق. أول ما المحامي شافنا داخلين، اتهز واتوتر، وحاول يرسم الهدوء على وشه وقال: “أهلاً يا أحمد يا ابني.. أنا عرفت باللي حصل للحاجة والدتك وجيت جري أطمن عليها، ألف سلامة عليها.”
أحمد أول ما شافه، عروق وشها برزت، وقفل قبضته وقرب منه وهو بيغلي، بس أنا مديت إيدي ووقفت قدام أحمد، وبصيت للمحامي وقولت له بابتسامة ثقة: “منور يا أستاذ ممدوح.. سبحان الله، القلوب عند بعضها، إحنا كمان كنا جايين عشانك، وعشان نجمع الشمل.” المحامي بلع ريقه وقال بتلعثم: “عشاني أنا؟ خير يا مدام نادين؟” قربت من السرير ووقفت فوق رأس حماتي، وبصيت في عينيها المبرقة وقولت بصوت مسموع للكل:
“الخير كله هنا.. الأستاذ ممدوح طبعاً جه جري مش عشان يطمن على صحة حماتي، هو جه عشان خايف.. خايف ليكون البوليس قبض على البواب، أو تكون حماتي اعترفت عليه قبل ما لسانها يتقفل.. مش كده يا متر؟” المحامي وشه بقا أصفر وزعق: “أنتِ بتقولي إيه يا ست أنتِ؟ احترمي نفسك وإلا هرفع عليكي قض..ية رد شرف وتشهير!” في اللحظة دي، أحمد مكنش قادر يمسك نفسه، طلع الفلاشة والورقة المكتوبة من جيبه ورماهم في وش المحامي وقال له بصوت هز جدران الأوضة: