قبل خطوبتي بيوم

: “يا مصيبتي السودة! مالك يا نوال؟ في إيه يا بنتي؟ فين الشبكة؟ الناس هتاكل وشنا برة!”. إياد قرب مني، نزل لمستوايا على الأرض ومسك إيدي اللي كانت بتترعش زي ورقة شجر في الخريف. بص في عيني وقالي بنبرة كلها رجاء: “نوال.. حبيبتي اتكلمي. مالك؟ فيه إيه؟ أمي برة عمالة تلقح كلام والناس بدأت تتوشوش.. قوليلي الشبكة فين وأنا هطلع أجيبها فوراً، متخافيش من حاجة.”

​بصيت لإياد ودموعي نازلة شلالات، مكنتش قادرة أكدب، ولا كان ينفع أقول “نسيتها”، لأن حماتي برة مش هترحمني. بلعت ريقي وبصوت مبحوح طالع من حشرجة الموت قلت: “الشبكة اتسرقت يا إياد… الشبكة مش معايا!”. أمي أول ما سمعت الكلمة دي، صرخت صرخة مكتومة ووقعت في حضن إياد، مغمى عليها من الصدمة.

القاعة برة انقلبت، وحماتي دخلت ورا الستارة على الصوت، وبصت لينا بنظرة شماتة ممزوجة بقرف، وقالت بأعلى صوتها: “جرى إيه يا سِت هانم إنتي وأمك؟ بتعملوا علينا تمثيلية؟ الشبكة اتسرقت فين وإمتى؟ ده إحنا لسة شاريينها ومسلمينهالكم إيد في إيد! قولوا إنكم ناس لافّة ودايرة، وأخدتوا الدهب بعتوه علشان تسدوا بيه كوافير وفستان ومنظرة كدابة!”. إياد زعق في أمه بكل غضب: “أمي! بس بقى مش وقت كلامك ده.. البنت بتموت وأمها مغمى عليها!”. لكن حماتي مأقصرتش، لفت وشها للمعازيم وقالت ببرود: “يلا يا جماعة، مفيش خطوبة..

الناس دي شكلها نصابة والدهب بتاع ابننا طار في الهوا، ومفيش جوازة هتم على أساس كدب!”
​الخطوبة اتفضت.. الكلمة دي لوحدها كفيلة تنهي حياة

أي بنت. المعازيم مشيوا وهم بيهمسوا ويألفوا قصص وحكايات، وإياد أخد أمه وأهله ومشي وهو بيبصلي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة عتاب وخذلان وكسرة نفس، كأنه بيقولي: “ليه عملتي فيا وفيكي كده؟”. رجعنا البيت، وأنا شايلة أمي اللي مش قادرة تقف على رجليها. أبويا وأخواتي الصبيان عرفوا باللي حصل، والبيت اتقلب لمناحة. قعدت وسطهم وبكل كسرة حكيت ليهم على اللي عملته هند بنت خالتي، وإزاي وثقت فيها واديتها الشبكة تتمنظر بيها. أبويا، الراجل الطيب اللي عمره ما مد إيده عليا، لقيت دموعه نازلة على شقاوة وشه، وقالي بصوت كله وجع: “يا خسارة تربيتي فيكي يا نوال..

تبيعي ثقة عريسك وتخربي بيتك بإيدك عشان خاطر منظرة كدابة؟ تكسري ضهرنا قدام الناس وتخلي اللي
يسوى واللي ميسواش يتكلم في عرضنا وأمانتنا؟”. أخويا الكبير “أحمد” مقدرش يمسك نفسه من العصبية، قام وقف وقال: “والله ما هسيبهم! عيلة هند دي لازم تتدمر زي ما دمروا أختي.. أنا رايح ليهم المستشفى والمركز، والدهب ده هيرجع غصب عن عين أطخن تخين فيهم!”
​أخواتي وأبويا أخدوني معاهم ورحنا المستشفى اللي فيها هند. أول ما دخلنا الأوضة، لقيت خالتي قاعدة بتعيط وتلطم، وهند متبهدلة، وشها كله كدمات ومربوطة بالشاش. أول ما شافتني، هند بدأت تصرخ وتعيط وتقول: “سامحيني يا نوال..

والله العظيم ما كان قصدي! جوزي “مدحت” اتهبل لما شاف العلبة.. فكرني بايعة ورثي ومخبية الفلوس عنه وهو مديون لبتوع الربا.. أخدها مني وضربني بالبونية والكرسي لما حاولت أمنعه،

وجري بيها على الصايغ!”. أخويا أحمد زعق فيها: “فين الزفت جوزك ده؟ والدهب فين دلوقتي؟”. خالتي ردت وهي بتشهق: “الشرطة قبضت على مدحت في شقة واحد صاحبه، بس المصيبة إن الدهب مش معاه! مدحت سلمه لواحد من الديانين الكبار، والراجل ده أخد الدهب وسافر بيه لمحافظة تانية عشان يسيحه ويبيعه كسر!! الدهب ضاع يا نوال.. ضاع!”. أنا حطيت إيدي على قلبي، وحسيت إن الدنيا اسودت تماماً في عيني. الشبكة الألماظ والكوليه والغوايش.. كل ده اتسيح وبقى حتت دهب مجهولة الهوية؟

مستقبلي مع إياد انتهى تماماً، وأهلي بقوا مطالبين برد تمن الشبكة دي لعيلة إياد، وإحنا ناس على قد حالنا، تمن الشبكة ده محتاجين نبيع بسببه شقتنا علشان نسدده! ​مر أسبوع كامل وأنا قافلة على نفسي الأوضة، مبردش على تليفونات، ومبأكلش، ودموعي منشفتش. أمي جالها السكر من الزعل، وأبويا نزل يلف على المعارف عشان يشوف حل في المصيبة دي ويوصل للديان اللي أخد الدهب، بس كل الأبواب كانت مقفولة في وشنا. وفي يوم، لقيت الباب بيخبط، وأخويا

أحمد دخل عليا الأوضة وقالي بنبرة غريبة: “نوال.. إمشي دموعك دي واطلعي برة.. إياد واقف في الصالة وعايز يتكلم معاكي.” قلبي دق بسرعة جنونية. خفت يكون جاي يطالب بالفلوس أو يرمي عليا كلام يوجعني أكتر. لبست إسدالي وطلعت وأنا باصة في الأرض ومش قادرة أرفع عيني في عينه. إياد كان قاعد مع أبويا، ووشه كان باين عليه التعب والإرهاق. أول ما دخلت، وقف وبصلي كتير، وبعدين طلع من جيبه علبة قطيفة سودا.. نفس العلبة بتاعتي! أنا برقت عيني ومبقتش مصدقة: “مش ممكن!! دي علبة شبكتي!”
​إياد فتح العلبة، ولقيت الطقم جواه كامل زي ما هو، مفيش فيه خدش واحد!

الخاتم الألماظ والكوليه والغوايش.. كل حاجة بتلمع وتخطف العين. أبويا اتصدم وقاله: “يا ابني.. إيه ده؟ الشبكة رجعت إزاي؟ إحنا عرفنا إنها راحت لتاجر وساحت!”. إياد اتنهد وقعد، وقال بهدوء ونبرة كلها رجولة وحكمة: “يا عمي، أنا لما مشيت يوم الخطوبة، مكنتش زعلان على الدهب.. الدهب غار في داهية والفلوس بتروح وتيجي. أنا كان قلبي وجعني ومكسور لأن نوال

كدبت عليا وموثقتش فيا.. خبت عني إنها ادت الدهب لبنت خالتها، ولو كانت جات قالتلي من الأول مكنش حصل كل ده.” وبص ليا وقال: “أنا لما عرفت الحكاية كاملة من أحمد أخوكي، مأستنيتش.. سألت وعرفت الديان ده مين، وبحكم معارف أبويا وشغلنا في السوق، قدرت أوصل للراجل قبل ما يعمل أي حاجة في الدهب.. دفعتله الفلوس اللي كانت على مدحت كاش من معايا، وأخدت منه الشبكة زي ما هي.” أمي بدأت تعيط من الفرحة وتقول: “ربنا يباركلك يا ابني ويجعله في ميزان حسناتك.. إنت راجل وابن أصول!”. إياد كمل كلامه وبصلي بجدية:

“أنا رجعت الدهب عشان حقكم يرجع ورقبتكم تكون مرفوعة قدام الكل، وعشان أثبت لأمي وللناس كلها إن نوال مش حرامية ولا نصابة.. بس يا نوال، للاسف الثقة لما بتهتز، صعب ترجع بسهولة.” حسيت بسكينة اتغرست في قلبي، وقلتله وأنا بعيط: “حقك عليا يا إياد.. أنا غلطت وغلطة العمر كمان.. اتعلمت الدرس وعرفت إن اللي بيخرج من بيته ينقلب قيمته.. أنا مستعدة لأي قرار تاخده.” إياد سكت شوية، وبص لأبويا وقاله: ”
يا عمي.. أنا هسيب الشبكة هنا معاكم.. وأنا ونوال هنقعد فترة بعيد عن بعض، نفكر، ونشوف هل هنقدر نبني اللي اتهد على أساس صراحة وثقة من جديد، ولا لأ..

بس الأكيد، إن نوال بنتك، وبنت الأصول متستاهلش إن حد يكسرها.”
​إياد مشي وساب الشبكة في بيتنا، وخرج وهو سايب وراه درس عمري ما هنساه طول ما أنا عايشة. هند بنت خالتي جوزها اترمى في السجن، وحياتها اتهدت تماماً بسبب الجشع والمنظرة الكدابة والغيرة اللي عمت عينيها. أما أنا.. ففضلت شهور بحاول أصلح اللي انكسر. اتعلمت بالورقة والقلم فعلاً إن طيبة القلب الزيادة عن اللزوم هي أقصر طريق للخراب، وأسرار بيتك وحاجتك متطلعش برة باب أوضتك، حتى لأقرب الناس ليكي، والصراحة مع شريك حياتك هي الحبل اللي هينقذك من أي مصيبة.

بعد كذا شهر، إياد رجع تاني، وبدأنا صفحة جديدة، بس المرة دي على نور، وبدون أي مجاملات على حساب كرامتنا وبيتنا. ودايماً بفتكر الليلة دي وأقول لنفسي: “الحمد لله إنها جت على قد كدة.. وغلطة الشاطر بألف.. بس المهم نتعلم وما نكررهاش. ”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0