هربتي ليلة فرحك

لكن والدته قالت بسرعة وهي تحاول إنهاء الحديث
يا مراد… أي حد يقدر يجيب ورقة.
رد مراد بهدوء شديد، وهو ما كان يخيف أكثر من الغضب
ممكن.
ثم ضغط زر الهاتف الداخلي.
أستاذ سامح…
جاءه صوت السكرتير
أفندم.
قال مراد
هاتلي ملف الموظفين
القدامى… وخصوصًا ملف السواق اللي كان شغال معانا وقت الفرح.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد
حضرتك… الملف موجود، وفيه عنوانه ورقم تليفونه الجديد كمان.
رفعت والدة مراد رأسها فجأة، واتسعت عيناها دون أن تشعر.

أما مراد…
فلاحظ نظرة القلق التي مرت على وجهها في لحظة، دون أن تنطق بكلمة.
وأغلق سماعة الهاتف ببطء، وهو يقول
واضح إن في حد هيحكي اللي حصل… من أوله لآخره بعد عشر دقائق، دخل السكرتير وهو ماسك ملفًا قديمًا.
حطه قدام مراد وقال
ده ملف الأستاذ سيد، السواق اللي كان شغال مع الشركة وقتها.
فتح مراد الملف بسرعة.
كان فيه صورة السواق، وعنوانه، ورقم هاتفه.
أمسك الهاتف واتصل قدام الجميع.
رن مرة…
واتنين…
وفي التالتة، جه صوت راجل كبير
ألو.
قال مراد بنبرة ثابتة
عم سيد؟

أنا مراد زيدان.
سكت الراجل ثواني.
أستاذ مراد؟ خير يا ابني.
عايز أقابلك حالًا. في الشركة.
سمعوا من السماعة تنهيدة طويلة.
وبعدين الراجل قال
كنت مستني اليوم ده من زمان.
مراد عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
رد عم سيد
في كلام لازم يتقال… وضميري تعبني بقاله سنين.
أغلق مراد المكالمة، وبص لأمه.
لأول مرة، شاف الخوف الحقيقي في عينيها.
بعد أقل من ساعة، وصل عم سيد.
كان شعره كله أبيض، لكن مراد عرفه أول ما دخل.
وقف قدامه وقال
اتفضل… احكي.

بص عم سيد لنغم، وطمنها بابتسامة خفيفة.
ثم قال
اللي هقوله النهارده، ربنا شاهد عليا.
ساد الصمت في المكتب.
قال عم سيد
ليلة الفرح، إحنا وصلنا أطراف إسكندرية. الهانم… وأشار باحترام ناحية والدة مراد، …طلبت مني أوقف العربية.
والدة مراد صرخت
إوعى تكمل!
لكن مراد قال بحدة
ولا كلمة.
أكمل عم سيد
الهانم نزلت العروسة من العربية، وخدت منها الدهب والموبايل، وقالتلي اتحرك.
مراد قبض على إيده بقوة.
لكن فضل ساكت.
أنا رفضت في الأول… قلت مينفعش نسيب البنت لوحدها.

بلع ريقه وكمل
لكن الهانم قالتلي نفذ اللي بقولك عليه،
وإلا هتترفد.
نغم أغمضت عينيها.
كل كلمة كانت بترجعها لليلة عمرها ما نسيتها.
عم سيد قال بحزن
كنت محتاج الشغل… وخفت على بيتي… فنفذت.
نزل رأسه للأرض.
وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
ساد صمت ثقيل.
مراد كان ثابت مكانه.
ملامحه هادئة…
بهدوء يخوف.
رفع عينه ببطء ناحية أمه.
وقال
في حاجة تحبي تنكريها؟
حاولت تتكلم…
لكن الكلمات اختفت.
لأول مرة…
ماعرفتش ترد.
أما مراد، فتنفس بعمق، ثم قال بصوت منخفض
يعني… أنا ظلمت إنسانة بريئة.
ونظر إلى نغم…
لكن نغم لم تنظر إليه.

كانت تنظر إلى الأرض، وهي تدرك أن الحقيقة ظهرت أخيرًا…
لكن الجرح الذي عاشته طوال تلك الأسابيع، لم يكن من السهل أن يلتئم بكلمة حقك معايا ساد الصمت داخل المكتب لدرجة إن صوت عقارب الساعة بقى مسموع.
مراد فضل واقف مكانه، وعينيه ثابتة على نغم.
كان بيحاول يفتكر كل كلمة قالها لها من أول ما دخلت الشركة.
كل اتهام.
كل نظرة احتقار.
وكل مرة وصفها فيها إنها هربت.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بهدوء
عم سيد… تقدر تستنى بره شوية؟
هز الرجل رأسه وخرج، ومعاه السكرتير، وقفلوا الباب.

لم يبق في المكتب سوى مراد، ونغم، ووالدته.
التفت مراد إلى والدته.
ليه؟
لم ترد.
كرر السؤال، لكن بصوت أقوى
ليه عملتي كده؟
تنهدت والدته وجلست على الكرسي.
ولأول مرة، اختفى عنها التماسك.
قالت بصوت منخفض
لأني كنت شايفة إنها مش مناسبة ليك.
مراد لم يتكلم.
أكملت
كنت عايزاك تتجوز بنت من عيلة رجال أعمال، الجواز ده كان هيكبر شغلك وعلاقاتك.
ولما لقيتك متمسك بكلمة أبوك الله يرحمه، وإنك هتتجوز بنت صفوان الهواري عشان الوعد القديم بينكم… قررت أتصرف.
نغم رفعت رأسها لأول مرة.
وعد؟

مراد بص لها، وقال بهدوء
أبوكي وأنا… أقصد أبويا… كانوا أصحاب عمر.
سكت لحظة.
قبل وفاة والدي، وصاني أوفي بكلمة اتقالت من سنين، إن لو الظروف سمحت، يكون بين العيلتين نسب.
نغم كانت تسمع وهي مش مستوعبة.
أما والدة مراد فأكملت
افتكرت إن مع الوقت هينسى، لكن يوم كتب الكتاب عرفت إنه مش هيتراجع.
أخذت نفسًا طويلًا.
فقررت أخلي الجوازة تنتهي من أول يوم.
مراد سألها
وده كان يستحق تكسري بنت ملهاش ذنب؟
لم تجد إجابة.
التفت مراد ناحية نغم.
صوته كان هادئًا،

لكن مختلف عن أي مرة قبل كده.
أنا مدين لك باعتذار.
نغم رفعت يدها توقفه.
الاعتذار حقك تعمله… أو متعملوش.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
بس اللي اتكسر جوايا، مش هيرجع بسهولة.
مد مراد يده، وسحب عقد العمل من فوق المكتب.
مزقه نصفين.
نغم اتفاجئت.
قال
أنا مش هخلي شغلك مربوط بأي حاجة شخصية.
ثم فتح درجًا آخر، وأخرج عقدًا جديدًا.
ده عقد توظيف عادي، بنفس المرتب والمميزات اللي أي مترجم في الشركة بياخدها.
حطه قدامها.
لك كامل الحرية… تمضي أو ترفضي.
بصت له نغم، ثم للعقد.

كانت أول مرة منذ أسابيع تشعر إن حد بيديها حق الاختيار.
لكنها لم تمد يدها.
قالت بهدوء
ممكن أفكر؟
هز مراد رأسه.
طبعًا.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8