هربتي ليلة فرحك

هربت ليلة فرحها… وبعد ثلاثة أسابيع دخلت شركة أحلامها، لتكتشف أن المدير هو نفسه الرجل الذي عُقد قرانها عليه في الصعيد.
في قرية هادئة من قرى سوهاج، كانت نغم صفوان الهواري معروفة بين الناس بأخلاقها وتفوقها. تخرجت في كلية الألسن، وكانت تتقن الإنجليزية والإيطالية، وتحلم أن تعمل مترجمة في شركة كبيرة بعيدًا عن حدود القرية والعادات التي كانت تضيق عليها.
لكن والدها كان يرى أن مستقبل البنت الحقيقي يبدأ من بيت زوجها، لا من مكتب أو شركة.
لذلك، عندما تقدم مراد زيدان لخطبتها، وافق الجميع بسرعة.

مراد كان من عائلة كبيرة في الصعيد، لكنه يعيش في الإسكندرية ويمتلك شركة استيراد وتصدير ناجحة. سمعته كانت طيبة، وكل من يعرفه يشهد له بالالتزام والاجتهاد.
أما نغم، فلم تره سوى مرة واحدة من بعيد أثناء قراءة الفاتحة، ثم مرة أخرى في كتب الكتاب، حيث جلس كل منهما في مكان منفصل وفق عادات العائلة. لم يتبادلا سوى كلمات قليلة، وكانت كل معرفتها به صورة بطاقته الشخصية أثناء توقيع الأوراق.
كانت تشعر أن كل شيء يحدث بسرعة أكبر مما تستطيع استيعابه.

حاولت أن تطلب مهلة حتى تبدأ عملها أو تكمل بعض أحلامها، لكن والدها قال بحسم
مراد راجل محترم، والفرصة دي مش بتتعوض.
لم تجد أمامها سوى الصمت.
وجاء يوم الزفاف.
البيت امتلأ بالزغاريد، والنساء يجهزن العروس، والرجال يستقبلون الضيوف، بينما كانت نغم تجلس أمام المرآة وقلبها مليء بالخوف من المستقبل، لا من الرجل الذي ستتزوجه، بل من الحياة الجديدة التي لم تخترها بنفسها.
بعد انتهاء مراسم الفرح، تحرك موكب السيارات في طريقه إلى الإسكندرية، حيث الشقة التي جهزها مراد.

لكن مراد لم يكن في السيارة نفسها، إذ اضطر أن يتوقف لبعض الوقت لإنهاء أمر طارئ يخص أحد أقاربه، على أن يلحق بهم بعد ساعات.
ركبت نغم مع والدة

مراد في السيارة السوداء، وهي تحاول أن تخفي توترها.
في البداية، كانت الطريق هادئة.
ثم تغير كل شيء.
والدة مراد ظلت تنظر إليها بصمت طويل، قبل أن تقول فجأة
إنتِ شكلك فاكرة إن ابني هيسيبه شغله ويلف حواليكي؟
نغم ابتسمت في ارتباك وقالت بهدوء
أنا ما فكرتش في حاجة زي دي.
لكن السيدة لم ترد.
وبعد ساعة تقريبًا، طلبت من السائق أن يتوقف في شارع جانبي هادئ عند أطراف الإسكندرية.
استغربت نغم، لكنها ظنت أنهم سيتوقفون للصلاة أو للراحة.
إلا أن والدة مراد التفتت إليها وقالت ببرود
انزلي.

نغم شهقت في دهشة.
أنزل؟ ليه؟
ردت السيدة وهي تمد يدها نحو حقيبة صغيرة كانت بجوارها
هاتِ دهبك.
تجمدت نغم في مكانها.
حضرتك بتقولي إيه؟
قالت المرأة بنبرة صارمة
الدهب هيفضل أمانة معايا. وانزلي من العربية.
… ثم فتحت الباب بنفسها.
وقفت نغم مذهولة، لا تستوعب ما يحدث وقفت نغم مكانها لثوانٍ، عقلها رافض يصدق اللي بيحصل.
بصت للسواق يمكن يكون فاهم إن في حاجة غلط، لكنه كان باصص قدامه وساكت، كأنه متعود ينفذ أوامر وبس.
قالت بصوت مهزوز يا طنط… أكيد في سوء تفاهم. حضرتك بتهزري، صح؟

ردت والدة مراد ببرود أنا عمري ما بهزر في الكلام المهم. انزلي.
حاولت نغم تتمسك بهدوئها.
طب على الأقل أكلم مراد.
مدت إيدها ناحية شنطتها الصغيرة عشان تطلع الموبايل، لكن والدة مراد سبقتها وخطفت الشنطة من على رجلها.
فتحتها بسرعة، طلعت منها الهاتف، وقفّلته، وحطته في حقيبتها.
الموبايل هيفضل معايا.
شهقت نغم.
ده موبايلي!
وكان دهبك كمان بتاعك… دلوقتي كله معايا.
بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلبها.
أنا عملت لحضرتك إيه؟
ردت السيدة وهي بتبص لها بنظرة جامدة ولا حاجة. بس أنا مش موافقة إنك تكوني مرات ابني.

سكتت لحظة، وكملت
ابني يستاهل واحدة من مستوانا، مش بنت قرية هتفضل الناس تضحك عليه
بسببها.
الكلمات نزلت على نغم كأنها صفعة.
قالت وهي دموعها بدأت تنزل بس كتب الكتاب تم… والفرح خلص…
ابتسمت السيدة ابتسامة باردة.
وده اللي هيخلي الناس تقول إنك هربتي.
اتسعت عيون نغم.
إيه؟
هقول لمراد إن أول ما وقفنا، استغليتي الزحمة وجريتي. وأهلك هيصدقوا. والبلد كلها هتصدق.
صرخت نغم حرام عليكي!
لكن السيدة لم تتأثر.
أخرجت علبة الدهب، وبدأت تخلع منها الغوايش والسلسلة والخاتم واحدًا وراء الآخر.

كانت نغم تبكي وهي تقول سيبيلي حاجة… ده حقي.
قالت المرأة بحزم ولا حاجة هتفضل معاكي.
ثم أشارت للسواق.
افتح الباب.
فتح السواق الباب الخلفي.
وقبل أن تستوعب نغم ما يحدث، نزلت وهي تحاول تتكلم، لكن السيارة تحركت بسرعة، وتركتها واقفة بفستان الزفاف في شارع غريب لا تعرف اسمه.
وقفت وسط الطريق، والسيارات تمر بجوارها، والناس تنظر إليها في دهشة.
بعضهم ظن أنها عروس خارجة من جلسة تصوير.
وبعضهم استغرب دموعها وهي تمشي بلا حقيبة، ولا هاتف، ولا حتى جنيه واحد في جيبها.
جلست على الرصيف وهي تحاول تمنع نفسها من الانهيار.

كانت أول مرة في حياتها تشعر أنها وحيدة بهذا الشكل.
مرت دقائق طويلة، قبل أن يتوقف رجل كبير في السن بعربة أجرة، ونزل منها بهدوء.
قال باحترام وهو واقف على مسافة يا بنتي… إنتِ محتاجة مساعدة؟
رفعت نغم رأسها، ومسحت دموعها بسرعة.
ترددت في الرد، لكنها أدركت أنه لم يعد أمامها أي خيار…بصت للرجل للحظات، كانت خايفة من أي حد، لكن ملامحه الهادية وطريقته المحترمة خلوها ترد بصوت مكسور
أنا… معيش فلوس ولا موبايل.
الراجل هز راسه وقال ولا يهمك. أنا اسمي عم حسن، سواق تاكسي من أكتر من تلاتين سنة.

عندي بنت في سنك، ومستحيل أسيبك واقفة كده.
مد إيده بزجاجة مية كانت معاه.
اشربي الأول.
شربت كام رشفة وهي بتحاول تهدى.
سألها بهدوء
تعرفي حد في إسكندرية؟
هزت رأسها بالنفي.
طب حد من قرايبك؟
لا… أول مرة أجي هنا.
سكت عم حسن شوية، وبعدين قال طيب تعالي أوصلك لقسم الشرطة.
أول ما سمعت كلمة قسم، قلبها انقبض.
افتكرت أهلها في الصعيد، ولو وصلهم خبر إنها في قسم شرطة وهي لابسة فستان الفرح، محدش هيسمع منها كلمة.
قالت بسرعة لا… أرجوك.
استغرب.
ليه؟
نزلت دموعها تاني.

هيقولوا إني هربت… ومحدش هيصدقني.
تنهد عم حسن، وفكر شوية.
وبعدين افتكر حاجة.
أنا أعرف جمعية خيرية قريبة، الست اللي مسؤولة عنها محترمة جدًا، وبتساعد أي بنت في أزمة. تيجي؟
بصتله بتردد، ثم وافقت لأنها لم يكن أمامها أي مكان آخر تذهب إليه.
بعد أقل من نصف ساعة، كانت قاعدة في مكتب بسيط داخل الجمعية.
قدامها كوب شاي دافي، وهدوم بسيطة استعارتها بدل فستان الزفاف.
الست المسؤولة، وكانت اسمها أمينة، سمعت الحكاية كلها من غير ما تقاطعها.
ولما نغم خلصت كلامها، قالت بهدوء
أنا مصدقاكي.
نغم بصتلها بذهول.
بجد؟

ابتسمت أمينة.
البنت اللي بتكدب، كلامها بيكون فيه تناقض. إنما إنتِ كل تفصيلة قلتيها ثابتة.
سكتت لحظة، ثم سألت
تعرفي اسم شركة جوزك؟
هزت نغم رأسها.
لا… أنا معرفش عنه غير اسمه.
أخرجت أمينة ورقة وقلم.
طيب هنبدأ من جديد. أهم حاجة دلوقتي إنك تعتمدي على نفسك.
مرت الأيام ببطء.
ساعدت الجمعية نغم تستخرج بدل فاقد لبطاقتها، لأنها كانت في الشنطة اللي اتاخدت منها.
وبعدها بأيام، بدأت تدور على شغل.
كانت تدخل شركة وراء شركة، وكل مرة تسمع نفس الجملة
هنكلمك.
لكن محدش كان بيتصل.

لحد ما في صباح يوم، وهي بتقلب في إعلانات الوظائف، لقت إعلان لشركة استيراد وتصدير كبيرة، طالبة مترجمين لغة إنجليزية وإيطالية.
قرأت الشروط.
كلها كانت مناسبة ليها.
ابتسمت لأول مرة من أسابيع.
وقالت لنفسها
يمكن دي بداية جديدة… بعيد
عن كل اللي حصل.
جهزت ملفها، ولبست أبسط هدوم عندها، وخرجت وهي متعرفش إن الباب اللي داخلة منه عشان تبدأ حياتها من جديد… هو

نفسه الباب اللي هيواجهها بالماضي كله مرة واحدة وصلت نغم قبل ميعاد المقابلة بنص ساعة.
المبنى كان ضخم، كله واجهات زجاج، والاستقبال منظم بشكل يخلي أي حد يحس إنه داخل شركة عالمية.
أخدت رقمها، وقعدت في قاعة الانتظار وسط أكتر من عشرين متقدمة.
كل واحدة ماسكة ملفها، وكلهم باين عليهم التوتر.
كانت نغم كل شوية تبص في الورق، وتحاول تراجع اللغات اللي اتعلمتها، لكن الحقيقة إن عقلها كان في حتة تانية.
كانت بتسأل نفسها…
يا ترى مراد عرف اللي حصل؟
ولا لسه فاكر إني فعلاً هربت؟
قطع أفكارها صوت موظفة الاستقبال.

أستاذة نغم صفوان الهواري… الدور على حضرتك.
قامت بسرعة، وعدلت حجابها، وخبطت على الباب.
اتفضلي.
دخلت بخطوات هادئة.

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8