ط.عنه غدر حكايات منى السيد

طارق التفت وراه بخضة، واللحظة اللي اتشتت فيها دي كانت كفاية لحسام. حسام رغم إنه كان بينزف وواضح إن الطعنة كانت في جنبه، بس جمع كل قوته وقام اتنفض من على الأرض ورمى جسمه كله على رجل طارق بكل غل. طارق اختل توازنه ووقع على السلالم بالمشقلب، والمطواة طارت من إيده ورنت على الأرض.
بابا والرجالة طلعوا يجري، وفي ثواني كانوا فوق طارق، كتفوه تماماً ونزلوا فيه ضرب لحد ما قطع النفس ومبقاش قادر يتحرك. أنا جريت علطول على السلم، مشيت وسط الزحمة والصراخ لحد ما وصلت لحسام.

قعدت على ركبي جنبه وأنا برتعش، وأميرة كانت حاطة إيدها على جرحه وبتبكي حسام! امسك نفسك يا حبيبي… الإسعاف جاية والله جاية!
حسام كان وشه أصفر وبيتنفض من الساقعة، بس بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وقال بصوت واطي ومكتوم الحمد لله… إنك بخير يا نادين… طارق مكنش… مكنش هيسيبك.
ماما نزلت تجري وجايبة معاها ملاية شاش وقطن، وبدأنا نضغط على الجرح عشان نوقف الدم اللي مكنش راضي يقف. الدقائق دي كانت كأنها سنين، لحد ما سمعنا صوت سرينة الإسعاف والشرطة وهي بتملا الشارع بره.

الشرطة دخلت العمارة، وأول حاجة عملوها إنهم كلبشوا طارق اللي كان شبه غايب عن الوعي ووشه متبهدل من الضرب، وأخدوا المطواة حطوها في كيس أدلة. المسعفين

طلعوا بسرعة، شالوا حسام على النقالة وأميرة جريت وراهم وهي ماسكة إيده وبتعيط. بابا بص لطارق وهو بيتجر على السلالم وقاله بقرف مكانك السجن يا نصاب… ده إنت وعيلتك كلها.
قعدنا في القسم لحد الصبح. بابا وأنا وأميرة اللي سابت حسام في المستشفى بعد ما الدكاترة طمنوها إن الطعنة جت سطجية وملمستش حاجة جوه بس احتاجت خياطة ونقل دم سريع. عملنا المحضر، وأميرة قدمت كل الرسايل والتهديدات اللي طارق كان باعتها ليها ولحسام قبل كده، وأنا قدمت الرسايل اللي جاتلي والموقف اللي حصل على الباب وشهادة الجيران.

الموضوع مكنش مجرد خناقة، ده اتقلب لقضية شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد، ده غير النصب والتزوير في أوراق الشقة اللي أميرة كسبت قضيتها. طارق اتمهدت له سكة طويلة جوه السجن مش هيطلع منها بسهولة.
بعد يومين من الحادثة، رحت أنا وبابا وماما المستشفى عشان نزور حسام ونطمن عليه. وصلنا الأوضة ولقيناه قاعد على السرير، وشه بدأ يرد فيه الدم شوية، وأميرة قاعدة جنبه بتأكله. أول ما دخلنا، حسام حاول يقوم يقعد باحترام بس بابا حلف عليه ما يتحرك خليك مكانك يا بطل، إنت عملت اللي رجالة بشنبات متقدرش تعمله. أنا مديون لك بحياة بنتي.

حسام ابتسم وبص في الأرض بخجل وقال متقولش كده يا عمي، نادين ملهاش ذنب في القذارة اللي طارق كان عايش فيها، وأنا لو كنت سبته كان ضميري هيموت. أنا كنت عايز أحمي أختي وأجيب حقها، وفي نفس الوقت مكنتش هسمح لبنت تانية تتدمر حياتها بسببه.
قعدنا نتكلم، وعيني جت في عين حسام كذا مرة. كان فيه في نظرته حاجة غريبة… حاجة هادية، مريحة، عكس النظرات الباردة والحسابات اللي كنت بشوفها في عين طارق. حسام بني آدم شقي وتعبان، وبيحب أخته ومستعد يضحي بنفسه عشانها.
وأحنا خارجين، أميرة مشيت معايا في الطرقة وقالتلي بصوت واطي نادين…

حسام من ساعة ما شافك أول مرة مع طارق في الشقة وهو بيشطب، وقالي البنت دي خسارة في طارق، نقية وزيادة عن اللزوم ومبتفكرش في المظاهر. هو مكنش بيعمل كده بس عشان ينتقم لأميرة… هو كان بيعمل كده عشانك إنتي كمان.
الكلام لمس قلبي، بس مكنتش قادرة أفكر في أي حاجة تخص الارتباط دلوقتي. أنا كنت طالعة من تجربة هدتني، ومحتاجة وقت أصلح فيه الحاجات الكثيرة اللي اتكسرت جوايا.
مر شهر… وشهرين… وتلت شهور. الحياة بدأت ترجع لطبيعتها تماماً.

طارق لبس القضية وتجدد له حبس في حبس، والحاج عادل أبوه قاطع أخباره تماماً ومبقاش يروح له ولا يسأل عنه، والحجة نادية لزمت بيتها من الكسفة والفضيحة في المنطقة بعد ما الناس كلها عرفت إن غوايشها وفلوسها من شقى بنات الناس.
أنا رجعت لشغلي، وبقيت بنزل وأتحرك وأنا حاسة بسلام داخلي مكنتش حساه وأنا مع طارق. مكنش فيه حد بيحسب عليا الكلمة، ولا حد بيبصلي بنظرة تخليني أحس إني تقيلة عليه.
في يوم جمعة، كنت قاعدة مع بابا وماما بنشرب شاي بعد الغدا، وجرس الباب رن. بابا قام فتح، ولقيت صوت مألوف جداً بيرحب ببابا. قمت وقفت وبصيت…

كان حسام!
حسام كان جاي ومعاه علبة شوكولاتة شيك، ولابس قميص أبيض وبان عليه إنه بقى زي الفل وصحته رجعت له. دخل وسلم على بابا وماما باحترام، وبعدين بصلي وابتسم إزيك يا نادين؟ عاملة إيه؟
قولتله بابتسامة حقيقية الحمد لله يا حسام، إنت عامل إيه؟ وصحتك بقت إزاي دلوقتي؟
رد وهو بيقعد الحمد لله، بقيت حديد وجاهز للشغل كمان.
قعدنا، وكان باين إن فيه كلام حسام عايز يقوله بس محرج من بابا. بابا حس بالموضوع، فابتسم وقال لحسام خير يا بشمهندس، شكل فيه وراك مصلحة وجايب الشوكولاتة دي عشان تمشيها؟

حسام اتنحنح، ووشه احمر، وبص لبابا بكل جدية وقال بصراحة يا عمي… أنا جاي وطالب قربك. أنا عارف إن نادين مرت بظروف صعبة، وعارف إن الوقت يمكن يكون مش مناسب أوي، بس أنا مكنتش عايز أستنى أكتر من كده. أنا شفت نادين في أصعب مواقفها، وعرفت قيمتها ونقائها، وأنا مش جاي أقدم شبكة بآلاف مؤلفة ولا أعمل مظاهر كدابة… أنا جاي أقولك إني هبقى ليها السند والأمان، وحقها ورقبتي فداها. أنا شقتي ملكي في المحافظة التانية وجاهزة، ومستعد أعمل أي حاجة ترضيها وترضيك.
الأوضة بقت هادية تماماً.

ماما بصتلي بابتسامة وفرحة كانت دايما مستنياها، وبابا بصلي وقال بهدوء الرأي رأيك يا نادين. حسام راجل وإحنا جربناه في وقت الشدة، والراجل بيبان في وقت الضيق مش في وقت الفرح. قولي رأيك إيه؟
بصيت لحسام، وافتكرت كل اللي عدا. افتكرت طارق اللي كان بيستخسر فيا الستة آلاف جنيه، وافتكرت حسام اللي أخد طعنة في جنبه وفدا بدمه عشان يحميني. المقارنة مكنتش محتاجة تفكير.
بس جوايا كان لسه فيه خوف صغير… خوف البدايات الجديدة. بصيت لحسام وقولتله بهدوء حسام… أنا موافقة نفتح صفحة جديدة ونتعرف، بس أنا مش عايزة استعجال.

أنا عايزة أحس إن الخطوة دي حقيقية ومبنفسدش فيها أي حاجة من اللي فاتت.
حسام عينه لمعت بالفرحة وقال بسرعة وأنا مستعد أستنى العمر كله يا نادين، المهم إننا نبدأ صح.
اتفقنا إن حسام يجي يقعد معانا ونتكلم وناخد وقتنا تماماً. مشي حسام الليلة دي، وأنا دخلت أوضتي
ورحت ناحية الشباك. بصيت للسما اللي كانت صافية، وحسيت بنسمة هوا باردة ومريحة بتخبط في وشي.
الدنيا لسه فيها حاجات كتير معرفهاش، ولسه الحكاية ليها فصول جاية مع حسام وأميرة والرحلة الجديدة اللي هبدأها. بس اللحظة دي، ولأول مرة من سنة كاملة، حسيت إن قلبي خفيف…

خفيف أوي، ومفيش أي حاجة تقيلة عليه.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2