اتصل بي زوجي

ماتت الحاجة أمينة بعد ثلاثة أسابيع. لم يكن هناك علاج يوم الاثنين. ولا الاثنين الذي بعده. ولا الذي بعده. جسدها من دون العلاج انهار بسرعة. أسرع مما كانت قد حسبت، على ما أظن. هي التي كانت تحسب كل شيء. ذهبت إلى العزاء. لا تسألوني لماذا. أنا نفسي لا أعرف جيدًا. كان الحاج جاسم جالسًا في زاوية، منحنيًا، لا يقشر شيئًا، ولا يضحك على أحد. الرجل الذي أكل تفاحة كاملة وهو يدّعي المرض، أصبح الآن عجوزًا حقيقيًا فقد زوجته.

كان يبكي بطريقة قبيحة، فمه مفتوح، ولا يهتم بمن يراه. كان يحبها. بطريقته الفـ,ـاسدة، لكنه كان يحبها. وهذا أكثر ما هزني. أن الوحش الحقيقي كان يدفن شخصًا يحبه. كرار لم يمثل شيئًا. لم يسلّم عليّ. ولم يشتمني. نظر إليّ من بعيد ثم خفض رأسه فقط، كأنه يقول: “لا أنا ولا إنتِ.” على الأقل هو لم يتظاهر يومًا بأنه يحبني. وهذه الحسنة الوحيدة التي أستطيع قولها عن كرار. سيف ظل يبحث عني بعينيه طوال الليل. وفي لحظة اقترب مني.

قلت له مباشرة: — إنت تركت الباب مفتوح بالمستشفى. عشرة سنتيمترات. كان عن قصد؟ لم يجب. فقط نظر في عيني، ثم مضى. وحتى اليوم لا أعرف إن كان ذلك الرجل قد أحبني ولو قليلًا، أم أن الباب المفتوح كان صدفة. عدم معرفتي ينهشني أكثر من كل شيء. لأنه إذا كان ترك الباب مفتوحًا عن قصد، فهذا يعني أن أسـ,ـوأ شخص في القصة كان بداخله غرام واحد من شيء… وأنا لم أمنحه حتى ذلك. — الرسالة أعطتني إياها ممرضة عند خروجي من العزاء.

كانت الحاجة أمينة قد تركتها مع تعليمات واضحة: “تنسلم للسيدة… إلها هي… بإيدها.” كانت قصيرة. وخطها يرتجف. كتبت فيها أنها لا تطلب مني السماح، لأنها لا تستحقه. وأنها لو كانت مكاني لفعلت الشيء نفسه تمامًا: لتركت كل شيء مجمدًا. وتركتها تمـ,ـوت. ولما خسرت دقيقة نوم واحدة. وكتبت أن هذا هو السبب الذي جعلها تختارني منذ البداية، لأنها رأت فيّ منذ يوم العرس امرأة ستتوقف يومًا عن كونها ساذجة. وفي آخر الورقة، بخط رفيع يرتجف، كتبت مرة أخرى:

“حفظتِ شي إلچ يا بنتي. زين سويتي.” هذه الرسالة ما زلت أحتفظ بها في درج. في الدرج الذي أضع فيه الشيء الوحيد الذي يخصني حقًا. وهنا يوجد ما لم أقله لأحد حتى الآن. بعد أسبوع من الدفـ,ـن، كانت المحامية تراجع الحسابات من أجل الإغلاق، فقالت لي شيئًا عابرًا دون أي قصد: “زين سويتي جمّدتي كل شي، بس كان ممكن تفتحين بس حساب علاج حماتچ وتخلين الباقي مقفل. هواية ناس ما يعرفون إنه الحسابات تنفصل.” الحسابات تنفصل.

أنا محاسبة. وأدرت تلك الشركة خمس سنوات. كنت أعرف جيدًا أن الحسابات يمكن فصلها. في تلك الليلة داخل السيارة، لم أكن مضطرة أن أختار بين هم وهي. كان بإمكاني أن أغرقهم جميعًا، وبضغطة واحدة إضافية، أترك العلاج يصل إلى امرأة كانت تمـ,ـوت. كان بإمكاني أن أحصل على عدالتي كاملة، وفي الوقت نفسه لا أترك الوحيدة التي حذرتني تمـ,ـوت. كنت أعرف ذلك في تلك اللحظة. وقلت لنفسي: “لا أستطيع إرسال إلا رسالة واحدة.” لأن الحقيقة كانت أبشع:

لم أكن أريد إنقاذها. ولا حتى النسخة منها التي تركت لي المفتاح. تركتها تمـ,ـوت لأنني كنت أستطيع. لأنني بعد خمس سنوات من الدفع للجميع، جاء دوري أخيرًا لأقرر من لا يحصل على شيء. أمي، عندما عرفت بكل شيء، قالت لي إنني قـ,ـاتلة ببدلة أنيقة، تركت امرأة مريضة تمـ,ـوت وكان بإمكاني إنقاذها بإصبع واحد. صديقتي تقول إن الحاجة أمينة هي من صنعت القفص، وباعتني مثل البضاعة، ولم أكن مدينة لها حتى بالهواء. وإن أي امرأة مكاني كانت ستفعل أقل مما فعلت.

الاثنتان تتحدثان بالثقة نفسها. والاثنتان تعتقدان أن الأمر واضح. أما أنا… فلدي تلك الرسالة في الدرج. وفيها جملة: “زين سويتي يا بنتي.” ترتجف في السطر الأخير. وهناك ليالٍ لا أعرف فيها إن كنت حفظت الشيء الوحيد الذي بقي لي من نفسي… أم قتـ,ـلت امرأة عجوزًا وعلقت فوق ذلك شريطة مكتوبًا عليها: عدالة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0