بدأ نبضي يتسارع بشكل جنوني، وهمست بصوت مرتجف إذا لم تكن لكِ… فمن صاحبها؟
ابتلعت شيرين ريقها، ثم تحدثت بحذر شديد هناك زوجه أخرى في حياته انها فى المكتب.
انسحبت الدماء من وجهي تمامًا وسألتها من؟
ترددت شيرين، ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها تمنت بوضوح ألا تكون هي من يخبرني. ولكن في النهاية أجابت
مديرة التسويق الجديدة.
تذكرت الاسم فورًا… فريدة!
ثمانية وعشرون عامًا، تم تعيينها مؤخرًا. المرأة التي كان أحمد يذكر اسمها باستمرار في المنزل.
المرأة التي لم أقلق بشأنها أبدًا لأنه كان يصفها دائمًا بأنها مزعجة، صوتها عالٍ، طموحة أكثر من اللازم، وصغيرة السن.
المرأة التي كان يتحدث عنها… أكثر من اللازم بقليل.
نظرت إليّ شيرين بتعاطف صادق وقالت رانيا… الجميع في المكتب يعرفون عن زواجهم السرى.
لم أستطع التنفس. كل تلك الشهور… كل تلك الشكوك والظنون… كانت موجهة للشخص الخطأ.
وضعت كوب الشاي الذي لم ألمسه على الطاولة. في الخارج، بدأت ظلال المساء تمتد وتغطي نوافذ الشقة. في تلك اللحظة، أدركت أن زواجي لم ينهار الآن؛ الحقيقة أنه بدأ في الانهيار منذ فترة طويلة قبل هذه الليلة.
لكن الفارق الوحيد الآن… هو أنني أخيرًا عرفت أين يجب أن أبحث. وللمرة الأولى منذ شهور، لم أكن أطارد أشباحًا أو تخمينات… بل كنت أُمسك بأول خيط من خيوط الحقيقة.
خرجتُ من شقة شيرين وجسدي يرتجف، لا من البرد بل من الصدمة. ركبت سيارتي وأمسكت بعجلة القيادة بكلتا يديّ، وحاولت أن أتنفس. الاسم يتردد في أذني كالن نياشين تُمزق صدري فريدة.
تذكرتُ كل المرات التي عاد فيها أحمد وهو يشتكي منها فريدة أفسدت حملة الإعلانات اليوم، فريدة لا تكف عن الكلام في الاجتماعات. كم كنتُ مغفلة!
لقد كان يذكر اسمها ليخلق جدارًا من التمويه، ليوهمني أنه يكرهها حتى لا أشك فيها يومًا.
أخرجتُ هاتفي وتصفحت حساب الشركة الرسمي على إنستغرام. بحثت في قائمة المتابعين حتى وصلت لصفحتها الشخصية. كانت صورها تفيض بالحيوية؛ شابة، أنيقة، وعيناها تحملان طموحًا حادًا. وفي إحدى الصور، كانت تقف في مؤتمر ومعها أحمد، وكان ينظر إليها بنظرة لم ينظر بها إليّ منذ سنوات. نظرة إعجاب وشغف.
عدتُ إلى المنزل قبل أن يعود أحمد. تظاهرتُ بالهدوء، وضعتُ الأولاد في فراشهم، وجلست في الصالة أنتظر.
في تمام الحادية عشرة مساءً، فُتح الباب. دخل أحمد وعلامات الإرهاق المصطنعة ترتسم على وجهه.
قال وهو يخلع جاكيته مساء الخير يا رانيا.. يوم قـ,ـاتل في العمل، فريدة مديرة التسويق كادت أن تضيع منا عميلاً مهمًا واضطررت لإصلاح الأمر.
نظرتُ إليه، ولأول مره، لم أشعر بالشفقة عليه، بل شعرت بغثيان شديد.
قلت بنبرة هادئة قـ,ـاتلة فريدة؟ غريب… أليست فريدة هي نفسها التي تركت لها علبة حبوب منع الحمل تحت مقعد سيارتك؟
تجمّد أحمد في مكانه. سقط الجاكيت من يده، والتفت إليّ وعيناه تتسعان برعب لم أره فيه من قبل.
حاول أحمد أن يضحك، ضحكة صفراء متلعثمة منه حمل؟ سيارة؟ رانيا، أنتِ بالتأكيد تتوهمين من التعب، ما هذا الكلام؟
قمتُ من مقعدي ووقفت أمامه مباشرة. أخرجتُ من حقيبتي العلبة الأصلية لحبوب منع الحمل التي احتفظتُ بها منذ ثلاثة أشهر، وألقيتها على الطاولة بيننا.
قلت بصوت مرتفع قليلًا لكنه حاد كالسـ,ـكين هذه العلبة وجدتها تحت المقعد. استبدلتُ حبوبها بفيتامينات تشبهها تمامًا. واليوم، علمتُ من شيرين سكرتيرتك أنها لا تأخذ حبوب منع حمل لأنها حامل من زوجها. وعلمتُ أيضًا أن المكتب كله يتحدث عنك أنت وفريدة!
تغيرت ملامح أحمد تمامًا. اختفت نظرة الضعف والاعتذار، وحلت محلها نظرة برود وخوف من الفضـ,ـيحة. بدأ يتراجع للخلف وهو يمسح وجهه بيده.
قال بصوت خفيض رانيا… أرجوكِ، اخفضي صوتكِ حتى لا يستيقظ الأولاد.
يمكننا الكلام.
ضحكتُ بسخرية الآن تخاف على الأولاد؟ عندما تزوجت عليا فى السر فتاة في عمر شقيقتك الصغرى لم تفكر فيهم؟ عندما كنت تأتي لتأكل من يدي وتدعي التعب وتذهب لتحدثها في الشرفة لم تفكر فينا؟
اعترف بكل شيء دون أن يقصد، عندما قال مدافعًا عن نفسه بغباء لقد كانت غلطة! فريدة كانت تضغط عليّ، والحبوب… الحبوب كانت فكرتها هي لأنها خافت أن يكتشف أحد أمرنا في الشركة، ولم أكن أعلم أنها نسيتها في السيارة!.
سقطت الكلمات عليّ كالمطارق. كل شء أصبح حقيقة موثقة باعترافه. الغريب أنني لم أبكِ. شعرت بنقاء شديد في عقلي، وكأن الغشاوة انقشعت تمامًا.
أريد الطلاق، يا أحمد.
نطقتُ بالكلمة بكل هدوء وثبات.
بدأ يتوسل، ويبكي، ويعتذر، وعدني بقطع علاقته بها ونقلها من الشركة، بل وبترك العمل كله إن لزم الأمر. لكنني كنت قد اتخذت قراري في اللحظة التي رأيت فيها صور زوج شيرين الحقيقي. أدركتُ أنني أستحق حياة حقيقية، لا حياة قائمة على الكذب والتمثيل.
في الصباح التالي، جمع أحمد حقائبه وغادر المنزل بناءً على رغبتي، حتى تنتهي إجراءات الانفصال.
بعد أسبوعين، علمتُ من صديقتي مروة في ال HR أن فريدة قدمت استقالتها فجأة بعد أن انتشرت الشائعات بشكل لا يمكن السيطرة عليه في الشركة، ولم يتبقَ لأحمد سوى مكتبه الفارغ وسمعته المهتزة وخسارته لبيته وأولاده.
جلسنا أنا والأولاد في شرفة منزلنا في مساء يوم جمعة هادئ. نظرتُ إلى السماء وشعرت، لأول مرة منذ ثلاثة أشهر، أنني أستطيع التنفس بحرية كاملة.
لم تكن الفيتامينات مجرد خدعة أوقعت بزوجي، بل كانت العلاج الذي أحتاجه لأستيقظ من غيبوبة دامت أحد عشر عامًا، لأبدأ من جديد، قوية، ونقية، ومستعدة للمستقبل.