بنتي كانت بتلعب

لكن جوزي، بأصله وتربيته، مقطعش أمه. بقى يروح لها زيارات واجبه، يدخل يسلم عليها ويطمن على أحوالها، لكن من غير ما ياخدنا معاه ولا يسمح لحد يفتح سيرة حياتنا. وفي كل زيارة، كانت حماتي تقعد تشتكي له وتندب حظها، وتقوله بنبرة مكسورة ومغلولة في نفس الوقت:

ـ يرضيك كده يا بني؟ البيت من بعد مرتك اتهد، ومبقتش عارفة أعيش ولا ألاحق على الطلبات. مرت أخوك أم مالك شايفة نفسها فوق الكل، ومبتمدش إيدها في حاجة في البيت، وحاطة في بطنها بطيخة صيفي وعايشة دور الهانم عشان مخلفة الولد اللي شايل الاسم! أنا عايزة مرتك ترجع تاني تشيلني وتخدم الصالحة والطالحة، هي اللي كانت بتتحملني. بص لها جوزي بكل هدوء وثبات، ومتهزش من كلامها ولا صعبت عليه، ورد عليها بكلمتين قطعوا أي أمل ليها:

ـ معلش يا أمي، كل واحد يشيل شيلته. أم مالك هي اللي قاعدة معاكي في البيت وهي اللي تخدمك، إنما مراتي مش خدامة لحد، وكرامتها وراحتها في بيتي هي خط أحمر، وإنتي اللي اختارتي من الأول. سكتت حماتي ومبقتش عارفة تقول إيه، وحست لأول مرة إنها خسرت كل حاجة بسبب ظلمها. ومرت الأيام، والرب العادل مبيرضاش بالقهرة. بعد كام شهر من استقرارنا في بيتنا الجديد، تعبت وروحنا كشفنا، والدكتورة بصلتنا بابتسامة وقالت لنا: “مبروك.. مدام أميرة حامل”.

الفرحة مكنتش سيعانا، وجوزي كان طاير بيا الأرض. وسبحان الله، كأن ربنا أراد يكسر عيون كل اللي ظلمونا وينصرنا نصر عزيز مقتدر؛ الشهور مرت وولدت، وربنا رزقنا بولد زي القمر. يوم السبوع، جوزي شال ابنه ورفع راسه للسما وهو بيقول: “نورت الدنيا يا غالي”، وبص لبنتنا الكبيرة وخدها في حضنه مع أخوها وقالها: “أهو ده سندك يا روح قلب بابا، بس برضه إنتي الغالية الأولى والأخيرة اللي ماليش غيرها”. وفهمت وقتها إن ربنا عوضني عن كل ليلة بكيت فيها في البيت القديم، وإن العدل دايماً بييجي في وقته.

ومرت السنين، والأيام جرت زي لمح البصر، والطفلة المكسورة اللي كانت بتترعش في حـ,ـضني زمان وراسها محلوقة، كبرت قدام عيني وبقت عروسة زي القمر. ربنا أراد إنه يرفع راسنا ويعوضنا عن كل وجع شفتيه، وبنتي رفعت راسي وراس أبوها في السما؛ جابت مجموع كبير في الثانوية العامة ودخلت كلية الطب. في اليوم اللي ظهرت فيه النتيجة، الدموع اللي نزلت من عيني مكنتش دموع قهرة زي زمان، كانت دموع فرحة هزت قلبي من جوه وأنا شايفة كرم ربنا وعدله وهو بيجبر بخاطرنا قدام الكل.

البيت القديم كله عرف بالخبر، وحماتي وأم مالك سمعوا إن “حتة البت” اللي قالوا عليها ملهاش إلا قـ,ـبرها أو بيت جوزها، بقت دكتورة والعيلة كلها بتتشرف بيها. ومالك اللي كانوا مألهينه وشايفينه السند والضهر، مدخلش حتى جامعة تذكر، وبقت أم مالك وحماتي بيمـ,ـوتوا في جلدعهم من الحسر والندم كل ما يسمعوا سيرة بنتي. أما جوزي، فكانت الفرحة مش سيعاه، كان بيمشي في الشارع وفارد ضهره وفخور بيها لدرجة متتوصفش. الناس في المنطقة كلها، الصغير قبل الكبير، بقوا لما يشوفوه جاي من بعيد يبتسموا له ويناغشوه بأجمل لقب كان بيسمعه في حياته:

ـ أهلاً يا أبو الدكتورة.. خطوة عزيزة يا دكتور! كان يلتفت لهم بابتسامة مالية وشه وعينه تلمع بالفرحة ويقولهم: “الله يكرمكم ويرفع قدركم”. بنتي نسيت كل اللي حصل زمان، ونضجت وبقت شخصية قوية وناجحة، ومبقاش يضـ,ـرب بيها المثل في العيلة وبس، لا ده في المنطقة كلها بأدبها وعلمها وشطارتها.

وفي يوم، كنا قاعدين بنشرب الشاي سوا، بصيت لجوزي وهو بيتغزل في بنتنا الدكتورة وفي ابننا الصغير اللي بقى شاب مالي مركزه، وابتسمت من قلبي وأنا بفتكر طريقنا الصعب، وبقول لنفسي: “سبحانك يا رب.. أهو الاسم اللي قالوا عليه مش هيشيل العيلة، بقى هو أكتر اسم العيلة بتتشرف وتتباهى بيه قدام الناس”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0