هناء برقت عينيها:
”انتي اتجننتي؟ هتروحي للعروسة؟ دي هتفرح فيكي!”
ابتسمت ببرود وقلت لها:
”تفرك فيا؟ ده أنا رايحة أديلها “الكتالوج” بتاع خالد.. عشان تعرف إنها ما خدتش راجل، دي خدت “خيال مآتة” أمه هي اللي بتمشيه.”
ركبت تاكسي ورحت لعنوان بيت “نورا”.. العروسة اللي حماتي اختارتها. كانت بنت لسه صغيرة، يا دوبك مخلصة جامعة، وشكلها من الصور اللي شفتها “خام” ومسالمة.
وصلت تحت بيتها، ووقفت أظبط نفسي.. وفجأة شفت عربية خالد داخلة الركنة. قلبي وجعني لثانية، بس دوست على الوجع ده بجزمتي.
نزل من العربية وهو شايل “بوكيه ورد” كبير، ولابس البدلة اللي أنا كويتها له بإيدي قبل ما يمشي!
استنيت لما طلع، وبعدها بخمس دقائق رنيت الجرس.
فتحت لي نورا، كانت لابسة فستان رقيق وعنيها بتلمع بالفرحة.. أول ما شافتني استغربت:
”أيوه.. مين حضرتك؟”
دخلت خطوة لجوه من غير ما تستأذن، وقلت لها بابتسامة هادية بس تخوف:
”أنا “ابتسام”.. صاحبة البيت القديم اللي خالد لسه خارجه منه امبارح، وجاية أسلمك العفش.. قصدي أسلمك الراجل.”
في اللحظة دي، خرج خالد من الصالة وهو بيقول: “مين يا نورا؟”..
أول ما عينه جت في عيني، بوكيه الورد وقع من إيده، وشه بقى أصفر زي الليمونة، ولسانه اتعقد.
بصيت له من فوق لتحت وقلت له:
”إيه يا عريس؟ نسيت تبارك لي على الشقة؟ ولا نسيت تقول لعروستك إنك “عيل” مبيتحركش غير بإشارة من ماما؟”
نورا بصت له بصدمة: “خالد.. هي مين دي؟ وإيه الكلام اللي بتقوله ده؟”
خالد وقف مكانه، عين بتبص لي بذهول وعين بتبص لـ “نورا” اللي كانت مبرقة ومش فاهمة حاجة. حاول يستجمع شتات نفسه، ووشه قلب أحمر من كتر الإحراج والغل، قرب مني وزقني خفيف لبره وهو بيوشوش بحدّة:
”انتي اتجننتي يا ابتسام؟ إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي بره بدل ما أعمل تصرف مش هيعجبك!”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في مدخل الشقة وخلت نورا تقرب وهي مرعوبة:
”تعمل إيه يا خالد؟ هتمد إيدك؟ طب ما تمدها قدام “ست الحسن” عشان تعرف إنك بطل ومبتسترجلش غير على الغلابة اللي صانوا بيتك.. ولا خايف البرستيج يبوظ؟”
نورا صوتها طلع مهزوز:
”خالد.. هي دي مراتك؟ مش إنت قلت إنكم انفصلتوا من زمان وإن مفيش بينكم غير العيال وبس؟”
بصيت لنورا وشفقت عليها لثانية، البنت كانت فاكرة إنها واخدة بطل رواية، مكنتش تعرف إنها واخدة “كومبارس” في حياة أمه. قلت لها بنبرة هادية بس سمّ:
”انفصلنا من زمان يا نورا؟ ده كان لسه بايت في حضني أول امبارح، وكان بياكل من طبيخي امبارح الصبح قبل ما يرمي جـ,ـثته في حضن أمه وتوزّه عليكي.. خالد لسه مطلعش ورقة واحدة تثبت إننا انفصلنا، يعني إنتي دلوقتي داخلة على ضرة، وداخلة على بيت “موقوف” بقرار تمكين مني ومن ولاده.”
خالد زعق وهو بيفقد أعصابه:
”كدابة! إنتي طالق يا ابتسام.. طالق بالتلاتة! ارتحتي؟ اطلعي بره بقى!”
الكلمة كانت تقيلة، بس وقعها عليا كان أخف من الريشة. بصيت له بانتصار وقلت له:
”أشكرك.. دي أحلى كلمة سمعتها منك من يوم ما عرفتك. بس يا ريت نورا وأهلها يعرفوا إنك طرقتني وأنا ماليش ذنب غير إني رفضت أكون جارية عند ستك الوالدة.. ويعرفوا كمان إن الشقة اللي إنت واعدها بيها، “محجوزة” للولاد وليا بالقانون، يعني يا بطل هتبدأ حياتك معاها في “أوضة وصالة” عند ماما، أو تأجر لها شقة من ملاليم النفقة اللي هتبقالك.”
نورا بدأت تعيط، وأمها خرجت من جوه على الصوت وهي بتصوت: “في إيه؟ مين دي؟ وإيه الفـ,ـضيحة دي يا خالد؟”
خالد كان واقف زي العيل الصغير اللي اتمسك بيلعب في الطينة، مش عارف يرضي مين ولا يداري خيبته قدام مين. بصيت لهم كلهم وقلت ببرود وأنا بعدل نضارتي:
”أنا كدة أديت الأمانة.. مبروك عليكي يا نورا “بواقي” راجل، ومبروك عليك يا خالد “حضن ماما” اللي مش هيسيبك في حالك أبداً. سلام يا عريس.”
نزلت السلم وأنا حاسة إني طايرة، الوجع لسه موجود، بس الكرامة اللي رجعت غطت عليه. ركبت التاكسي وطلعت تليفوني، واتصلت بالمحامي اللي هناء دلتني عليه وقلت له جملة واحدة:
”يا متر.. ارفع كل القواضي اللي عندك، نفقة، وتمكين، ومؤخر..
أنا عايزة حقي وحق ولادي تالت ومتلت.”
طلعت من التاكسي وأنا حاسة بنصر مؤقت، بس عارفة إن “عش الدبابير” اللي خبطت فيه هيهيج عليا. أول ما وصلت البيت، لقيت “هناء” مستنياني بلهفة والولاد بيلعبوا حواليها.
”عملتي إيه يا مجنونة؟ قلبي كان هيقف!”
رديت وأنا بقلع النضارة وبترمى على الكنبة بتعب:
”فركشت الليلة يا هناء.. خليت العروسة تشوفه على حقيقته، وخليته يطلقني قدامهم كلهم.. أنا دلوقتي حرة، بس حرة ومكسورة الجناح.”
محققتش نص ساعة، ولقيت تليفوني مبيبطلش رن.. “حماتي”. ماردتش، وبعدها “خالد”.. ماردتش. وفجأة، لقيت رسالة منه كلها غل:
“وحياة أمي يا ابتسام، لأخليكي تلفي حولين نفسك.. الشقة اللي فرحانة بيها دي هطلعك منها بالهدوم اللي عليكي، والولاد هاخدهم منك ومش هتشوفيهم تاني.. إنتي اللي بدأتي الحرب واستحملي.”
جسمي قشعر لثانية.. الولاد هما نقطة ضعفي الوحيدة. بصيت لهم وهما بيلعبوا بالليجو على الأرض، “حازم” و”هنا”، براءتهم وجعت قلبي. مسحت دموعي بسرعة وقومت:
”هناء، أنا لازم أتحرك بسرعة.. خالد لو استقوى بأمه ممكن يعمل أي حاجة.”
نزلت قابلت المحامي، “الأستاذ عصام”، راجل داهية وشعره شايب من كتر القواضي. حكيت له كل حاجة، وهو قاعد بيسمع وبيهز في راسه وسيجارته في إيده:
”بصي يا مدام ابتسام..
هو طلقك شفوي قدام شهود، ودي في مصلحتنا عشان نثبت الطلاق وناخد حقوقك. أما موضوع الولاد والشقة، فده قانون، ومحدش يقدر يلمس شعرة من عيالك طول ما إنتي “حاضنة”.. بس لازم نأمن نفسنا، خالد هيلعب لعبة “الاستحقاق”، هيحاول يثبت إنك مش أمينة عليهم.”
رجعت البيت بليل، الدنيا كانت هسس. دخلت المطبخ أعمل كوباية شاي، وفجأة سمعت خبط رزين على الباب.. خبطة مش غريبة عليا.
فتحت الباب ببطء، لقيت “خالد” واقف.. بس مش خالد العريس بتاع الصبح. قميصه مكرمش، وشه مطفي، وعينه فيها نظرة كسر وندم.. أو ده اللي كان عايز يبينهولي.
سند إيده على الباب وقال بصوت واطي ومبحوح:
”ارتحتي يا ابتسام؟ نورا وأهلها طـ,ـردوني وفسخوا الخطوبة، والمنطقة كلها اتفرجت عليا.. ضيعتي مني كل حاجة في لحظة غل.”
بصيت له ببرود وقلت له:
”إنت اللي ضيعت نفسك يا خالد يوم ما فكرت إن العشرة بتهون، ويوم ما صدقت إن أهلك هما اللي هيعيشولك.. أنا مكنتش غلاوية، أنا كنت بدافع عن حقي.”
قرب خطوة وقال بنبرة فيها رجاء كداب:
”أنا لسه بحبك.. والشيطان شاطر.. وأمي هي اللي ضغطت عليا. تعالي ننسى اللي حصل، وأنا هرجعلك، ونربي ولادنا بعيد عن المشاكل.”
لسه كنت هرد، لقيت “حماتي” طالعة من وراه على السلم زي القضاء المستعجل، وشها كان أزرق من كتر الغضب وصوتها عالي وهي بتزعق:
”ترجع لمين يا خالد؟ دي اللي فضحتك في البيوت! دي اللي لازم تتربى هي وأهلها! إنت هتضعف قدامها ولا إيه؟”
بصيت لهم هما الاتنين، وبصيت لخالد اللي أول ما أمه اتكلمت، كشّ ورجع ورا خطوة.. وفي اللحظة دي عرفت إن مفيش فايدة، وإن اللي انكسر عمره ما يتصلح.
قلت له وأنا ببتسم بوجع:
”شوفت؟ لسه بتترعش منها..
روح يا خالد مع ماما، أنا مبرجعش لورا، والشرع اللي حللك أربعة، حللي أنا كمان إني أعيش بكرامتي بعيد عنك وعنها.”
ورحت رزاغة الباب في وشهم هما الاتنين.. بس المرة دي الرزعة كانت مريحة، وكأنها سدت خرم كان بينزف في قلبي.
دخلت أوضتي، قلعت الطقم اللي كنت لابساه ورميته في الغسالة، وكأني بغسل آثار اليوم ده كله من عليا. قعدت على السرير، وفتحت كشكول قديم كنت بكتب فيه “أحلامي” المؤجلة من أيام الخطوبة، أحلام كانت بتتدفن يوم ورا يوم تحت تراب خدمة خالد وأمه.
قلت لنفسي: “مفيش وقت للندم يا ابتسام، العركة الحقيقية لسه بتبدأ.”
تاني يوم الصبح، نزلت السوق.. بس مش عشان أجيب خضار للبيت، المرة دي كنت نازلة عشان “أشتغل”. أنا طول عمري شاطرة في الحلويات، والكل كان بيحلف بـ “تورتة” ابتسام وبسبوستها. رحت لمحل حلواني كبير في منطقتنا، صاحب المحل “الحاج مرسي” راجل طيب وعارفني وعارف أهلي.
دخلت له وبكل ثبات قلت له:
”يا حاج مرسي، أنا عايزة أورد للمحل عندك حلويات بيتي.. شغل نضيف، سمنة بلدي، وطعم مش هتلاقيه في أي حتة تانية.”
الحاج مرسي بص لي باستغرب:
”بس يا بنتي المحل شغال والحمد لله، وإنتي ست بيت…”
قاطعته بثقة:
”جرب يا حاج، مش هتخسر حاجة.
أنا هجيب لك بكرة “عينة” من غير فلوس، لو عجبك الشغل نتوكل على الله، ولو ما عجبكش يبقى كأن شيئاً لم يكن.”
وافق الحاج مرسي، ورجعت البيت شعلة نشاط. طول الليل وأنا في المطبخ, ريحة الفانيليا والزبذة ملت البيت، والولاد قاعدين حواليا فرحانين بالدوشة اللي حصلت فجأة دي.
وف وسط ما أنا بطلع الصواني من الفرن، الجرس رن. فتحت، لقيت “خالد” باعت لي “محضر” من المحكمة!
فتحت الورقة بإيد بتترعش، لقيتها دعوى “طاعة” وإنذار بإن لو مارجعتش بيت الزوجية (اللي هو أصلاً طردني منه بفعله) هبقى “ناشز” وهتحرم من كل حقوقي!
ضحكت بمرارة ورميت الورقة على الرخامة جنب الدقيق.
”طاعة يا خالد؟ بعد ما طلقتني قدام الناس؟ عايز تذلني عشان ترضي الست الوالدة وتحفظ ماء وجهك؟”
اتصلت بالمحامي وحكيت له، قالي بضحكة ثقة:
”ده بيضـ,ـرب حلاوة روح يا مدام ابتسام.. هو لسه ما وثقش الطلاق في السجل المدني عشان يزنقك، بس إحنا معانا “شهادة” نورا وأهلها إنه طلقك، وده لوحده يقلب الترابيزة عليه. كملي في طريقك ولا كأنك شفتي الورقة دي.”مر شهر..
شغلي مع الحاج مرسي بقى حديث المنطقة. الستات بقوا يسألوا بالاسم على “حلويات ابتسام”. بدأت الفلوس تجري في إيدي، وبدأت ملامحي ترجع تنور تاني.
خالد كان بيراقبني من بعيد، بشوف عربيته مركونة تحت البيت بليل، بس عمري ما نزلت له ولا عبرته.
وفي يوم، وأنا نازلة أودي الطلبية للمحل، شفته واقف قدام مدخل العمارة.. كان شكله “يصعب على الكافر”. دقنه طويلة، وهدومه مش مكوية، وعينه فيها كسرة مشوفتهاش قبل كدة.
قرب مني بصوت واطي:
”ابتسام.. أنا بجد تعبان. نورا رفعت عليا قضية تعويض، وأمي كل يوم تعايرني إني خسرت البيتين، والبيت من غيرك بقى جحيم. ارجعي يا ابتسام، وعملي فيا اللي إنتي عايزاه.”