وبعدها حشرة رفيعة وملوية وبتتحرك بين سنين الملقط الحديد.
ولما سحبتها للاخر، ظهرت وراها قطعة نحاس صغيرة محشورة كأن في حد دافنها في ودنه قاصد، ومحفور عليها طلاسم وعلامات غريبة!
إلياس فتح عينيه على وسعهم من الصدمة..
انحبست الأنفاس في الأوضة، وما بقاش مسموع غير صوت دقات قلبهم الطالعة والنازلة.
إلياس كان باصص لقطعة النحاس المحفورة وهي بتلمع تحت نور لمبة الجاز، وعينيه بتتحرك بذهول، كأن شريط حياته كله بيتعاد قدامه في ثانية. فجأة، حط إيده على ودنه.. الوجع الرهيب اللي كان بياكل نفوخه اختفى، وحل مكانه هدوء غريب أول مرة يحسه من عشرين سنة.
أما الحشرة المقرفة فكانت لسه بتبخ سمها وتتلوى في الملقط، ف رمتها كريمة بسرعة في الكانون، والنار كلتها في ثواني وطلعت ريحة شياط قلبت البطن.
لف إلياس راسه بالراحة ناحية كريمة.. ولأول مرة، عينه ما كانتش مليانة خوف ولا وجع. كانت نظرة صافية، مركزة، وكأنه لسه صاحي من غيبوبة طويلة.
وفجأة.. اتكلم!
صوته طلع مخنوق، ناشف، وزي ما يكون جاي من قاع بئر مهجور بقاله سنين
كريمة…
كريمة اتسمرت مكانها، والملقط وقع من إيدها رن على الأرض. لسانها اتعقد ومش قادرة تنطق
أنت… أنت بتتكلم؟ بتسمعني؟
إلياس غمض عينيه ونزلت من عينه دمعة قهر حارقة، وهز راسه وهو بيتحسس ودنه اللي نزفت دم خفيف
أنا سامعك.. سامع صوت المطر برة.. وسامع صوت نفسي. العمل ده اندفن في ودني وأنا عيل صغيّر عشان يقطعوا لساني وودني عن الدنيا… عشان السر ما يتكشفش.
كريمة قربت منه بلهفة، وقلبها المقبوض من ظلم البلد اتحول فجأة لقوة
سر إيه يا إلياس؟ ومين اللي عمل فيك كده؟
إلياس مسك إيدها تالت مرة، بس المرة دي ما كانش ماسك نوتة ولا قلم.. كان ماسك فيها كأنها طوق النجاة اللي رجعه للدنيا، وبص ناحية الشباك اللي بيطل على غيطان كفر العلو، وعينيه بقت تلمع بشرار وغضب غريب
عمي… عمي الشيخ اللي عامل فيها ولي من أولياء الله الصالحين. هو اللي حطلي السم والعمل ده وأنا عندي تمان سنين، بعد ما شفته بعيني وهو بيدفن أبويا حي في الساقية القديمة عشان ياخد الأرض والورث..
وقال للبلد كلها إن أبويا سافر ومات في الغربة، وإني اتصبت بحمى طرشتني!
كريمة حست بقشعريرة في جسمها كله. البلد كلها كانت فاكرة إلياس وحش وأطرش،
وما حدش فيهم كان يتخيل إن السكات ده وراه جريمة دم عاشت عشرين سنة تحت الأرض.
وقف إلياس على رجليه، طوله البارع وجسمه القوي اللي زي شجر الكافور ما بقاش منحني من الوجع. بص لكريمة اللي فستانها الأصفر اتملا بقع دم وطين، ومسح دموعها بإيده الخشنة وقال بنبرة هزت حيطان الأوضة
البلد دي ضحكت عليكي واشتروا ذلتك ب 1000 جنيه رهان.. ودفنوني أنا في صمتي وعجزي وعملوا عليا أسياد. بس من الليلة دي، مفيش سكات تاني يا بنت الأصول. حقك وحقي هناخده من عينيهم، والسبت اللي كانوا مستنيينه عشان يتفرجوا على خيبتنا.. هيبقى يوم حسابهم كلهم.
مسكت كريمة الحتة النحاس المحفورة، وكانت لسه سخنة ونار الكانون مأثرة فيها. بصت لإلياس وقالت وصوتها بيرتعش بس فيه غل وعزيمة
الشيخ عبد الجليل! الراجل اللي بيقعد في الصف الأول في الجامع، واللي كاتب نص أراضي الكفر باسمه؟ هو اللي عمل فيك كده؟
إلياس جز على سنانه وعروق إيده اتنفخت وهو بيبص لطرف الأوضة
هو.. البلد كلها كانت بتبوس إيده وتتمسح في بركته، وهو حارموني من طفولتي، ومسكتني بسحر أسود ودموعي كانت بتنزل كل ليلة من الوجع والناس فاكراني وحش وبلا عينين ولا لسان. كان فاكرني مش هقوم تاني..
بس ربنا أراد إن طوق نجاتي يجيلي على إيد البنت اللي هما
ظلموها ورموها ليا.
كريمة لفت شالها الحرير حوالين رقبتها، ومسحت دمها اللي جه على الفستان الأصفر، وبصت لإلياس بعينين حامية
الناس في الكفر مستنيين الصبح يطلع عشان يجوا يتفرجوا علينا.. مستنيين يشوفوا البنت التخينة المذلولة وهي عايشة مع الوحش الأطرش في وسط الغيطان.. مش هنخليهم يشمتوا.
إلياس قرب من صندوق خشب قديم مدفون تحت القش في ركن الأوضة، رفعه ب إيديه القوية، وضربه برجله كسر القفل بتاعه. كريمة برقت لما شافت اللي جوه.. أوراق مبايعات قديمة عليها ختم أبوه، ودفتر توفير متشال من عشرين سنة، وفوقيهم مسدس ساقية عيار 9 ملم، أسود ولقامته بتلمع كأنه مستني اليوم ده.
إلياس شال المسدس وحطه في جلبابه، وبص لكريمة وقال بصوت قوي وراسي
جهزي نفسك يا بنت الأصول. الفجر هيدن كمان ساعة.. والنهارده السبت، السوق هيبدأ والبلد كلها هتتجمع في الساحة، وعمي عبد الجليل هيكون قاعد وسط الأعيان.
سكت ثانية، وبص في عينيها بحنية لأول مرة وقال
ال 1000 جنيه اللي أبوكي استلفها عشان يستر بيته، هيردها ليهم دهب.. والرجالة اللي ضحكوا عليكي في المذبح، هيركعوا تحت رجليكي يطلبوا السماح.
خرجوا الاتنين من البيت في قلب الضلمة، المطر كان خف وبقى يا دوب عفير خفيف بيغسل الأرض.
إلياس كان ماشي بخطوات
واسعة وثابتة كأنه مارد صحي من
النوم، وكريمة جنبه رافعة راسها لفوق، ولأول مرة تحس إن الفستان الأصفر ده مش كفنها.. ده فستان النصر بتاعها.
وصلوا لمشارف الكفر والناس بدأت تصحى، وأنوار البيوت الطين بتقيد تفرش في الطين. في وسط الساحة، كان الشيخ عبد الجليل قاعد على دكة خشب، حواليه رجالة الكفر بيشربوا شاي الصبح وبيضحكوا، وواحد منهم لمح إلياس وكريمة جايين من بعيد، فصاح بصوت عالي وضحكة سخرية هزت المكان
أهو وصل يا رجالة! العريس والعروسة وصلوا.. ورونا بقى هتقبضوا الرهان إزاي!
الكل ضحك والتفتوا ليهم، والشيخ عبد الجليل ابتسم بوقار مزيف وهو بيعدل سبحته في إيده.. وما كانش عارف إن الصمت اللي عاش عشرين سنة، جاي النهارده ومعاه صوت الرعد.
الشيخ عبد الجليل وقف بالراحة، وعدل جلبابه الأبيض ونزل من على الدكة وهو ساند على عصايته الأبنوس، وبص لإلياس بنظرة فيها كبرياء وشماتة، وقال بصوت جهوري عشان الكل يسمعه
أهلاً بالعريس.. مبروك يا إلياس يا ابني، ربنا يرزقك بالذرية الصالحة.. والبلد كلها وقفت جنبك وسترت
البنت الغلبانة دي معاك.
الرجالة بدأت تتبادل النظرات والضحكات المكتومة، وكريمة كانت واقفة شدا ضهرها، وإيدها في جيب الشال لافَّة على حتة النحاس الملعونة.
إلياس وقف على بعد خطوتين بس من عبد الجليل. عينه كانت ثابته، ووشه ملوش أي تعبير. عبد الجليل مد إيده بالراحة يطبطب على كتف إلياس كالعادة، وهو بيقول بسخرية داراها في قلبه شد حيلك في غيطك يا واد يا
وقبل ما يكمل كلمته، إلياس مسك إيد الشيخ عبد الجليل. لواهاله ورا ضهره في ثانية بحركة سريعة وقوية زي حديد الساقية.
الساحة كلها اتلجمت.
الضحك انقطع وفيه رجالة وقفت ويدها راحت على عصيانها
جرى إيه يا واد أنت اتجنيت؟! ده عمك البركة!
في اللحظة دي، إلياس بَص في عين عبد الجليل اللي برقت من الصدمة والخوف، ونطق.. صوته طلع زي زئير الأسد، هز الساحة كلها ونزل على نفوخ الشيخ كأنه صاعقة
بركة الطين والدم يا عبد الجليل! عِشرين سنة وأنت كاتم نَفَسي وسارق أرضي ودافن أبويا حَي؟!
الناس رجعت لورا خطوة من الرعب.. الأطرش بيتكلم! الوحش
بيتكلم وصوته بيرج الأرض!
عبد الجليل وشه اتقلب أزرق كفن، ولسانه اتعقد وجسمه كله بدأ يرعش كأنه شافت عزرائيل
أنت.. أنت بتتكلم؟ إزاي.. ده أنت
أنا قُمت يا عبد الجليل! قمت بأمر الله وعلى يد البنت الطاهرة دي! إلياس زعق وهو بيزقه يرميه على الأرض تحت رجلين الرجالة، وطلع المسدس الساقية من جلبابه ووجهه لراسه مباشرة.
واحد من كبار الأعيان بلع ريقه وقال بصوت مرعوب
يا إلياس يا ابني.. فهمنا.. في إيه؟ إزاي بتتكلم؟
هنا كريمة طلعت قدام الكل. ملامحها كان فيها عزة وقوة خلت كل راجل في الساحة يوطي عينه في الأرض خجل.
طلعت حتة النحاس المحفورة ورمتها في وسطهم وقال بصوت عالي سَمّع الكفر كله
الشيخ بتاعكم.. الولي اللي بتبوسوا إيده، كان عامل ل إلياس عمل حشرة وسحر أسود مدفون في ودنه من وهو عيل صغيّر عشان يفضل أطرش وأخرس وميقولش إن عمّه قتل أبوه وسرق أرضه! أنا اللي سحبت السحر ده بإيدي الليلة دي.. ودي الأوراق الرسمية بتاعة المبايعات القديمة ودفاتر التوفير اللي عمّه سرقها!
البلد
كلها اتقلبت همهمة وصياح. الرجالة بدأت تبص لعبد الجليل اللي كان زاحف في الطين وبيموت من الخوف، وبصوا لكريمة وإلياس بذهول.
إلياس داس برجله الثقيلة على إيد عبد الجليل اللي ماسكة العصاية، وقال بنبرة مفيهاش رحمة
ال 1000 جنيه الرهان اللي ضحكتوا بيها على حِرمة بيوت الناس وكسرتوا بيها قلب أبو كريمة.. الشيخ عبد الجليل هيمضي حالا على تنازل عن نص الأرض اللي سرقها ليها.. مهر وكرامة لمراتي قدام الكفر كله. وال 1000 جنيه دي هتدفعوها من جيوبكم حالا لأبوها.. وإلا وقسماً بالله ما هسيب راجل فيكم ضحك في المذبح إلا وهغسل عاري بدمه!
الساحة سادها سكات رهيب..
سكات المرة دي مش بتاع عجز، ده سكات الخوف من الحق اللي رجع لأصحابه. عبد الجليل بدموعه مد إيده المرتعشة عشان يبصم على ورق التنازل، والرجالة بدأت تطلع الفلوس وتجمعها وهما منكسين الرؤوس.
إلياس لَف ل كريمة، وبص لها وبانت على وشه أول ابتسامة حقيقية من عشرين سنة، ومد إيده ليها وقال بصوت دافي وراسي
يلا يا بنت الأصول.. نرجع
بيتنا.. مرفوعين الراس.