حماتي بعتتلي شوكولاتة مستوردة فخمة في عيد ميلادي. وتاني يوم كلمتني بصوت كله تصنّع وسألتني: “إيه رأيك في الشوكولاتة؟ عجبتك؟” ابتسمت بهدوء وقلت: “جوزي أكلها كلها.” السكة تقيلة كأنها اتخضّت. وفجأة صوتها اتهز: “إيه؟! إنتِى بتقولي إيه؟ بتهزري؟!” وفي نفس اللحظة… موبايلي رن. كان جوزي بيتصل بيا. حماتي، مدام سوسن عبدالعال، بعتتلي شوكولاتة فخمة في عيد ميلادي. وصلت في علبة سودا شيك، متربطة بشريطة ستان، وجواها كارت صغير مكتوب فيه:
“كل سنة وانتي طيبة يا ندى… استمتعي بحاجة مسكرة.” الحقيقة؟ التصرف ده كان غريب عليها جدًا. أربع سنين وأنا مستحملة تلميحاتها: “ندى مش أشطر حاجة في الطبيخ بصراحة.” و “مروان عمره ما كان بينسى يكلم أمه قبل الجواز.” حكايات رومانى مكرم كانت دايمًا محسساني إني خطفت ابنها منها. عشان كده لما حطيت الشوكولاتة في التلاجة، حسّيت لأول مرة إن يمكن… الدنيا هتهدى. بالليل كنت بعمل العشا. دخل جوزي، مروان، فتح التلاجة وصفّر بإعجاب:
“إيه ده! دي شكلها تحفة… من ماما؟” قلت وأنا بغسل الخس: “آه، هدية عيد ميلادي.” باسني على خدي بسرعة وقال: “حلو أوي.” —حكايات رومانى مكرم بعد ما خلصت شاور ولبست بيجامتي، روحت أفتح العلبة… لقيتها فاضية. الكبّيات الورق الصغيرة مكانها زي ما هي. مفيش ولا حتة شوكولاتة. مفيش فتافيت. مفيش أثر. علبة شيك… وفاضية تمامًا. ناديته: “مروان؟” كان ممدد على الكنبة، ماسك الموبايل، ولا في دماغه حاجة. قال من غير ما يبصلي:
“نعم؟” سألته: “إنت أكلت الشوكولاتة؟” هز كتفه: “آه. افتكرتك دُقتي منها.” قلت مصدومة: “كلها؟!” قال بضيق: “يا ندى دي شوكولاتة! هجيبلك غيرها.” ساعتها حسّيت إن الموضوع مش في الشوكولاتة. الموضوع في إحساسه إن أي حاجة تيجيلي… تبقى من حقه هو الأول. تاني يوم الصبح، موبايلّي رن. مدام سوسن. صوتها كله دلع مصطنع: “كل سنة وانتي طيبة يا ندى تاني… بس كنت عايزة أتأكد إن الشوكولاتة وصلت كويس.” قلت بابتسامة متصنعة:
“آه وصلت، شكرًا.” سألت بسرعة: “وعجبتك بقى؟” بصيت على مروان، كان واقف في المطبخ بيصب القهوة عادي جدًا. وأول مرة… قررت مبقاش مؤدبة. قلت بهدوء: “مروان أكلها كلها.” سكتت. سكة طويلة أوي. بعدها صوتها طلع مهزوز: “إيه؟! بتقولي إيه؟ هو أكلها كلها؟!” قلت: “آه. الصندوق كامل.” سمعتها بتتمتم كلام مش واضح… وفجأة صوتها اتغير. بقى حاد. مرعوب. قالت بسرعة: “ندى… ركزي معايا. هو قال إنه تعبان؟ حس بحاجة غريبة؟ إنتِ لوحدك دلوقتي؟”
حكايات رومانى مكرم معدتي اتقبــ,,ـــــضت. قلت: “ليه يا مدام سوسن؟ في إيه؟” سكتت ثواني… وبعدين همست بصوت مكسور: “يا نهار أبيض… أنا اللي غلطت.” وفجأة… موبايلي هز بمكالمة تانية. مروان. جوزي بيتصل بيا… من عربيته… رغم إنه كان من ثواني واقف في المطبخ قدامي. وفي نفس اللحظة، سمعت مدام سوسن بتهمس بخوف: “ما ترديش عليه… اقفلي الباب عليكي حالًا.”
فتحت عيني على وسعهما، وبدأت دقات قلبي تتسارع بجنون. تطلعت نحو المطبخ؛ كان الشخص الذي يرتدي ملابس مروان، ويحمل نفس بنيته الجسدية، يمسك ببراد القهوة ويصبها ببطء شديد… ببطء لا يبدو طبيعيًا بالمرة. لم يلتفت إليّ، ولم يصدـ,,ـــر منه أي صوت سوى خشخشة الفنجان. على شاشة الهاتف، كان اسم “مروان” يضيء بإصرار في مكالمة الانتظار. همست في الموبايل وصوتي يرتجف: “مدام سوسن… مروان واقف في المطبخ… أنا شايفاه!” جاءني صوتها عبر الهاتف باكياً مخنوقاً، لكنه يحمل نبرة حاسمة:
“اللي واقف في المطبخ ده مش مروان يا ندى! الشوكولاتة دي مكانتش ليكي… دي كانت معمولة عشان تخليه يرجعلي… تخليه يكرهك ويسمع كلامي أنا بس! العمل ده… العمل ده انقلب، والشيوخ قالوا لي لو حد غيرك أكلها، اللي هيدخل البيت مش هيكون ابنك… اقفلي الباب عليكي!” تصلبت في مكاني. سقط الهاتف من يدي على السجادة ليبقى صوت سوسن النحيبي يخرج منه خافتاً. في تلك اللحظة، توقفت حركة الشخص الواقف في المطبخ تماماً. صب القهوة انتهى، لكنه لم يضع البراد. بدأ يلتفت نحو الصالة ببطء… ببطء شديد، كأن مفاصله تتحرك عكس اتجاهها الطبيعي.
تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، وعيني مثبتة عليه. تحركت غريزياً نحو غرفة النوم. وقبل أن تلتفت رقبة ذلك الشيء بالكامل ليراني، اندفعت داخل الغرفة وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، وأدرت المفتاح مرتين. أنفاسي كانت تخرج متلاحقة ومسموعة. استندت بظهري على الباب، وشعرت بركبتي تكادان تنخيطان من الرعب. فجأة، اهتز الموبايل الذي كان لا يزال في جيبي بمكالمة جديدة. سحبته بأصابع مرتعشة. كان مروان مجدداً. ضغطت على زر الرد ووضعت الهاتف على أذني، وأنا أحاول كتم أنفاسي:
“مروان؟” جاءني صوته عبر السماعة، وكان هناك صوت هواء قوي وصوت محرك سيارته، قال بهلع: قلت: “آه. الصندوق كامل.” سمعتها بتتمتم كلام مش واضح… وفجأة صوتها اتغير. بقى حاد. مرعوب. قالت بسرعة: “ندى… ركزي معايا. هو قال إنه تعبان؟ حس بحاجة غريبة؟ إنتِ لوحدك دلوقتي؟” حكايات رومانى مكرم معدتي اتقبــ,,ـــــضت. قلت: “ليه يا مدام سوسن؟ في إيه؟” سكتت ثواني… وبعدين همست بصوت مكسور: “يا نهار أبيض… أنا اللي غلطت.” وفجأة… موبايلي هز بمكالمة تانية.
مروان. جوزي بيتصل بيا… من عربيته… رغم إنه كان من ثواني واقف في المطبخ قدامي. وفي نفس اللحظة، سمعت مدام سوسن بتهمس بخوف: “ما ترديش عليه… اقفلي الباب عليكي حالًا.” فتحت عيني على وسعهما، وبدأت دقات قلبي تتسارع بجنون. تطلعت نحو المطبخ؛ كان الشخص الذي يرتدي ملابس مروان، ويحمل نفس بنيته الجسدية، يمسك ببراد القهوة ويصبها ببطء شديد… ببطء لا يبدو طبيعيًا بالمرة. لم يلتفت إليّ، ولم يصدـ,,ـــر منه أي صوت سوى خشخشة الفنجان.
على شاشة الهاتف، كان اسم “مروان” يضيء بإصرار في مكالمة الانتظار. همست في الموبايل وصوتي يرتجف: “مدام سوسن… مروان واقف في المطبخ… أنا شايفاه!” جاءني صوتها عبر الهاتف باكياً مخنوقاً، لكنه يحمل نبرة حاسمة: “اللي واقف في المطبخ ده مش مروان يا ندى! الشوكولاتة دي مكانتش ليكي… دي كانت معمولة عشان تخليه يرجعلي… تخليه يكرهك ويسمع كلامي أنا بس! العمل ده… العمل ده انقلب، والشيوخ قالوا لي لو حد غيرك أكلها، اللي هيدخل البيت مش هيكون ابنك… اقفلي الباب عليكي!”
تصلبت في مكاني. سقط الهاتف من يدي على السجادة ليبقى صوت سوسن النحيبي يخرج منه خافتاً. في تلك اللحظة، توقفت حركة الشخص الواقف في المطبخ تماماً. صب القهوة انتهى، لكنه لم يضع البراد. بدأ يلتفت نحو الصالة ببطء… ببطء شديد، كأن مفاصله تتحرك عكس اتجاهها الطبيعي. تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، وعيني مثبتة عليه. تحركت غريزياً نحو غرفة النوم. وقبل أن تلتفت رقبة ذلك الشيء بالكامل ليراني، اندفعت داخل الغرفة وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، وأدرت المفتاح مرتين.
أنفاسي كانت تخرج متلاحقة ومسموعة. استندت بظهري على الباب، وشعرت بركبتي تكادان تنخيطان من الرعب. فجأة، اهتز الموبايل الذي كان لا يزال في جيبي بمكالمة جديدة. سحبته بأصابع مرتعشة. كان مروان مجدداً. ضغطت على زر الرد ووضعت الهاتف على أذني، وأنا أحاول كتم أنفاسي: “مروان؟” جاءني صوته عبر السماعة، وكان هناك صوت هواء قوي وصوت محرك سيارته، قال بهلع: قلت: “آه. الصندوق كامل.” سمعتها بتتمتم كلام مش واضح… وفجأة صوتها اتغير.
بقى حاد. مرعوب. قالت بسرعة: “ندى… ركزي معايا. هو قال إنه تعبان؟ حس بحاجة غريبة؟ إنتِ لوحدك دلوقتي؟” حكايات رومانى مكرم معدتي اتقبــ,,ـــــضت. قلت: “ليه يا مدام سوسن؟ في إيه؟” سكتت ثواني… وبعدين همست بصوت مكسور: “يا نهار أبيض… أنا اللي غلطت.” وفجأة… موبايلي هز بمكالمة تانية. مروان. جوزي بيتصل بيا… من عربيته… رغم إنه كان من ثواني واقف في المطبخ قدامي. وفي نفس اللحظة، سمعت مدام سوسن بتهمس بخوف:
“ما ترديش عليه… اقفلي الباب عليكي حالًا.” فتحت عيني على وسعهما، وبدأت دقات قلبي تتسارع بجنون. تطلعت نحو المطبخ؛ كان الشخص الذي يرتدي ملابس مروان، ويحمل نفس بنيته الجسدية، يمسك ببراد القهوة ويصبها ببطء شديد… ببطء لا يبدو طبيعيًا بالمرة. لم يلتفت إليّ، ولم يصدـ,,ـــر منه أي صوت سوى خشخشة الفنجان. على شاشة الهاتف، كان اسم “مروان” يضيء بإصرار في مكالمة الانتظار. همست في الموبايل وصوتي يرتجف: “مدام سوسن… مروان واقف في المطبخ… أنا شايفاه!”
جاءني صوتها عبر الهاتف باكياً مخنوقاً، لكنه يحمل نبرة حاسمة: “اللي واقف في المطبخ ده مش مروان يا ندى! الشوكولاتة دي مكانتش ليكي… دي كانت معمولة عشان تخليه يرجعلي… تخليه يكرهك ويسمع كلامي أنا بس! العمل ده… العمل ده انقلب، والشيوخ قالوا لي لو حد غيرك أكلها، اللي هيدخل البيت مش هيكون ابنك… اقفلي الباب عليكي!” تصلبت في مكاني. سقط الهاتف من يدي على السجادة ليبقى صوت سوسن النحيبي يخرج منه خافتاً.
في تلك اللحظة، توقفت حركة الشخص الواقف في المطبخ تماماً. صب القهوة انتهى، لكنه لم يضع البراد. بدأ يلتفت نحو الصالة ببطء… ببطء شديد، كأن مفاصله تتحرك عكس اتجاهها الطبيعي. تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، وعيني مثبتة عليه. تحركت غريزياً نحو غرفة النوم. وقبل أن تلتفت رقبة ذلك الشيء بالكامل ليراني، اندفعت داخل الغرفة وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، وأدرت المفتاح مرتين. أنفاسي كانت تخرج متلاحقة ومسموعة. استندت بظهري على الباب، وشعرت بركبتي تكادان تنخيطان من الرعب.
فجأة، اهتز الموبايل الذي كان لا يزال في جيبي بمكالمة جديدة. سحبته بأصابع مرتعشة. كان مروان مجدداً. ضغطت على زر الرد ووضعت الهاتف على أذني، وأنا أحاول كتم أنفاسي: “مروان؟” جاءني صوته عبر السماعة، وكان هناك صوت هواء قوي وصوت محرك سيارته، قال بهلع:“ندى! انتي كويسة؟ أنا لسة مخلص مكالمة مع أمي، كانت بتصرخ وبتقولي الحق ندى واخرج من البيت فوراً… أنا مش فاهم حاجة، أنا على الكورنيش وراجعلك طاير، خمس دقائق وأكون عندك!”
دموعي نزلت رغماً عني، وهمست: “مروان… أنت سبت البيت إمتى؟” قال باستغراب وخوف: “سبت البيت إيه يا ندى؟ أنا نازل من الساعة 7 الصبح عشان عندي اجتماع مهم في الشركة، انتي كنتي نايمة… ندى، مال صوتك؟ في إيه؟” قبل أن أتمكن من الرد عليه، ساد الصمت تماماً في الشقة بالخارج. ثم… سُمعت خطوات هادئة وثقيلة تقترب من باب الغرفة. توقفت الخطوات تماماً خلف الباب مباشرة. حبست دموعي وصوت مروان في الهاتف ينادي بلهفة: “ندى؟ ردي عليا يا ندى!”
وفجأة، تعالت طرقات خفيفة ومستمرة على الباب… تلتها بحة صوت مألوفة جداً، صوت مروان، لكن بنبرة فارغة من أي مشاعر، وهو يقول من خلف الباب: “ندى… افتحي… القهوة جهزت.” كتمت صرختي بكل ما أوتيت من قوة، ووضعت يدي على فمي وأنا أستمع إلى الطرقات الخفيفة المنتظمة على الباب. صوت مروان في الهاتف كان لا يزال يصرخ بلهفة: “ندى! سامعاني؟ أنا دخلت شارعنا خلاص.. خمس دقايق بالظبط وهكون عندك، أوعي تفتحي الباب لأي حد!”
همست في الهاتف وصوتي يكاد لا يخرج: “مروان.. هو واقف ورا الباب.. نفس صوتك.. ونفس لبسك.. بيقولي القهوة جهزت.” ساد صمت مرعب في الهاتف، قبل أن أسمع صوت ضغط مروان على دواسة البنزين بقوة وصوت عجلات السيارة يصرخ في الأسفلت، وهو يقول: “أنا ع الوش يا ندى.. متتحركيش من مكانك.” فجأة، انقطعت الطرقات على الباب. ساد هدوء قاتل في الشقة، هدوء مرعب جعلني أسمع دقات قلبي وكأنها طبول. ظننت لثانية أن الشيء الذي بالخارج قد رحل، لكن الأمل تلاشى تماماً عندما سمعت صوت خشخشة مفاتيح.. مفاتيح مروان البديلة التي يتركها دائماً في درج الصالون!
كان يحاول إدخال المفتاح في القفل من الخارج. المفتاح يدور ببطء.. وتكاثفت الأنفاس خلف الباب. المفتاح الذي في يدي من الداخل كان يمنعه من فتح الباب تماماً، لكنه بدأ يضغط بقوة غاشمة لا يمكن أن تكون لبشر. القفل بدأ يصدـ,,ـــر صوتاً كأنه على وشك الانكسار. في تلك اللحظة، اهتز هاتفي مجدداً.. كانت رسالة نصية من مدام سوسن: “ندى! لو مروان كلمك من برا متصدقيهوش.. العمل اللي اتعمل كان بدم غراب، والشيخ قالي إن اللي هياكل الشوكولاتة، الكيان هياخد شكله وصوته وذكرياته كاملة.. يعني اللي في العربية برضه مش ابنـ…”
انقطعت الرسالة ولم تكملها. تراجعت إلى الخلف وأنا أنظر إلى قفل الباب الذي بدأ ينبعج للداخل. من أصدق؟ من الذي في المطبخ؟ ومن الذي في السيارة؟ ومن الذي أكل الشوكولاتة بالأساس إذا كان مروان الحقيقي قد نزل في السابعة صباحاً كما يقول؟! وفجأة.. سمعت صوت صرير حاد يأتي من خلفي. التفت برعب نحو نافذة الغرفة المطلة على المنور.. كانت الشيش الخشبي مغلقاً، لكن من بين فتحاته الصغير، رأيت عيناً واسعة، جاحظة، وبلا جفون.. تنظر إليّ مباشرة في الظلام، وصوت أنفاس كريهة للغاية يصعد من المنور.
وفي نفس اللحظة.. سمعت صوت فرامل سيارة مروان تصدـ,,ـــر صوتاً عنيفاً في الأسفل تحت العمارة، تلاها صوت بواب العمارة وهو يصرخ بهلع: “استنى يا مروان بيه! أستاذ مروان!! أنت نزلت من دقيقة واحدة بس.. لحقت ترجع تاني إزاي؟!” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تسمرت في مكاني، وعقلي عاجز عن استيعاب حجم الكابوس الذي يحيط بي.صوت البواب في الأسفل كان يتردد صداه في المنور، بينما العين الجاحظة وراء شيش النافذة لا ترمش، والأنفاس الكريهة تتصاعد لتخنق هواء الغرفة. خلفي مباشرة، كان مقبــ,,ـــــض الباب يتحرك بعنــ,,ـــــف جنوني، وصوت المفتاح يلتوي داخل القفل بقوة توشك على كسر الحديد.
فجأة، انطفأت أنوار الشقة بالكامل. حل ظلام دامس لم يقطعه سوى وميض شاشة هاتفي الذي بدأ يهتز في يدي. كانت مكالمة فيديو… من مروان. فتحت الخط بلا وعي، ورفعت الهاتف أمام وجهي. ظهرت شاشة الهاتف مقسمة إلى نصفين؛ في النصف الأول كان مروان يجلس في سيارته، وجهه شاحب كالمــ,,ـــــوتى، وعيناه متسعتان من الرعب وهو يصرخ: “ندى! أنا سامع صوت البواب تحت وهو بيصرخ باسمي، بس أنا لسة مدخلتش الشارع أصلاً! أنا شايف عربيتي واقفة تحت البيت وأنا لسة واصل أول الشارع!”
وفي النصف الثاني من شاشة مكالمة الفيديو… رأيت نفسي! أو بالأحرى، رأيت الكاميرا الأمامية لهاتفي وهي تعرض ما خلفي. كان هناك ظل أسود ضخم، يمتد من ناحية النافذة المطلة على المنور، وبدأ يتشكل ببطء على هيئة جسد بشري يقف وراء ظهري تماماً. التقطت أذني صوت همس خافت يأتي من هاتفي، لكنه لم يكن صوت مروان، بل كان صوت مدام سوسن، كأنها اخترقت المكالمة أو أن الهاتف لم يعد ملكاً لي: “الشوكولاتة مكانتش علبة واحدة يا ندى… أنا بعت علبتين. واحدة ليكي… وواحدة لمروان في مكتبه…”
سقط الهاتف من يدي على الأرض، ووجهه للأعلى يضيء الغرفة المظلــ,,ـــــمة بزاوية مائلة. في تلك اللحظة، تحطم قفل الباب الخشبي بعنــ,,ـــــف، واندفع الباب مفتوحاً. وقف على العتبة مروان… بملابس الخروج التي قال إنه نزل بها في السابعة صباحاً، وعلى وجهه ابتسامة هادئة باردة. التفتُّ برعب نحو النافذة، فإذا بالشيش ينفتح ببطء، ليدخل منه مروان آخر… ببيجامته التي كان يرتديها في المطبخ قبل قليل. الكيانان يملكان نفس الملامح، نفس الطول، ونفس الصوت.
تقابلت أعينهما فوق رأسي، وبدآ يتحركان نحوي في نفس اللحظة، بينما صرّات أسنان مروان الحقيقي -أو من أظنه حقيقياً- بدأت تأتي من الشارع الأسفل وهي تقترب من باب الشقة الخارجي. خطا الاثنين خطوة متزامنة نحوي، وانحنيا معاً ليلتقطا الهاتف من على الأرض، وتحدثا في نفس الثنائية المرعبة بصوت واحد متطابق: “ندى… قولي لنا… مين فينا اللي أكل الشوكولاتة؟” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تراجعت خطوة إلى الخلف حتى التصق ظهري بالحائط. كنت محاصرة بين “مروان” الواقف عند الباب بملابس خروجه الأنيقة، و”مروان” الآخر الواقف عند النافذة ببيجامته المنزلية. الإضاءة المنبعثة من شاشة الهاتف الملقى على الأرض كانت تسلط الضوء على وجهيهما… وجهان متطابقان تمامًا، لدرجة مرعبة، لكن الملامح كانت جامدة، كأنها قناع من الشمع.أعاد الكيانان السؤال معًا، بنفس النبرة، وبنفس التوقيت الدقيق الذي لا يمكن لبشر أن يحاكيه: “ندى… قولي لنا… مين فينا اللي أكل الشوكولاتة؟”
في تلك اللحظة، رن صوت ارتطام عنيف في الخارج. باب الشقة الخارجي تم خلعه أو كسر قفله. سمعت صوت أنفاس لاهثة، وصوت حذاء يركض بسرعة في الصالة، ثم ظهر “مروان” الثالث على عتبة الغرفة. كان يرتدي ملابس الخروج أيضًا، لكنه كان غارقًا في عرق غزير، ووجهه ينطق برعب حقيقي لم أره في وجه الاثنين الآخرين. صرخ مروان الثالث وهو ينظر إلى النسختين الواقفتين أمامي: “ندى! ابعدي عنهم! أنا مروان… أنا لسة طالع على السلم حالا!”
توقف الكيانان عن النظر إليّ، والتفتت رؤوسهما ببطء شديد نحو مروان الثالث الواقف عند الباب. ابتسم مروان (صاحب البيجامة) وقال بصوت هادئ: “هو برضه بيقول إنه مروان.” أما مروان (صاحب ملابس الخروج الأولى) فخطا خطوة نحو مروان الثالث وقال بنفس الصوت البارد: “بس مروان الحقيقي نزل الساعة 7 الصبح… إنت كنت فين؟” بدأ الثلاثة يتحركون في الغرفة، يتداخلون ويتبادلون الأماكن في حركة دائرية غريبة وسريعة، وعقلي شُلّ تمامًا عن التمييز بينهم. كلهم يحملون نفس الملامح ونفس الصوت ونفس الذكريات.
فجأة، التقيت بنظرة أحدهم وسط الزحام… كانت عيناه تلمعان بدموع حقيقية، ونظر إلى الخاتم في يده، ثم نظر إليّ وهمس بكلمة واحدة، كلمة سر لم يكن يعلمها أحد سوانا، قصة قديمة حدثت في خطوبتنا: “المنيا…” عرفته! هذا هو زوجي الحقيقي! وقبل أن أتحرك نحوه أو أنطق بكلمة، اهتز الهاتف الملقى على الأرض مجددًا بنغمة رسالة. انخفضت عيني تلقائيًا نحو الشاشة المضيئة، لقرابة ثانية واحدة، وكانت الرسالة تكملة لرسالة مدام سوسن التي انقطعت، لكنها أرسلت هذه المرة من رقم مجهول:
“ندى… أنا لحقت مروان في مكتبه قبل ما يأكل الشوكولاتة التانية… مروان الحقيقي معايا في العربية دلوقتي واحنا جايين في الطريق… اللي عندك في الشقة كلهم…” رفعت رأسي بسرعة والصدمة تلجم لساني، ليتوقف الثلاثة عن الحركة تمامًا، ويلتفتوا إليّ في نفس اللحظة بابتسامة واسعة، اتسعت بشكل غير بشري حتى وصلت لأطراف آذانهم، وقالوا بصوت واحد تملؤه السخرية:
“عرفتي الحقيقة؟ طيب تفتكري مين فينا اللي هياكلك الأول؟”تجمد الدّم في عروقي وأنا أنظر إلى الوجوه الثلاثة التي تشوهت ابتسامتها بشكل مرعب. الحوائط حولنا بدأت تصدـ,,ـــر صوتاً أشبه بالفحيح، والظلام في الغرفة اشتد حتى لم أعد أرى سوى وميض الهاتف على الأرض، وأعينهم الجاحظة التي تسلطت عليّ كأعين الذئاب. الرسالة الأخيرة على الهاتف كانت واضحة كالسّ..كين: “مروان الحقيقي معايا في العربية… اللي عندك في الشقة كلهم…”
إذاً، لا أحد منهم زوجي. الثلاثة الذين يقفون أمامي، والذين تلاعبوا بعقلي وبمشاعري وبأسراري، ليسوا سوى شظايا من ذلك الكيان الملعون الذي تغلغل في البيت بمجرد أن فُتحت علبة الشوكولاتة. الخاتم، كلمة السر، الدموع… كل شيء كان مجرد فخ لامتصاص ما تبقى من ثباتي الانفعالي لكي أستسلم. تراجع الثلاثة خطوة إلى الخلف بالتزامن، كأنهم يفسحون مساحة لشيء أكبر. وفجأة، بدأت أجسادهم تتداخل وتذوب في بعضها البعض، الملابس تمتزج، والملامح تتشوه لتتحول إلى كتلة ضخمة من الظل الأسود اللزج الذي يرتفع حتى سقف الغرفة. كان للظل ثلاثة رؤوس برّاقة، كلها تنطق بصوت مروان المتداخل:
“مباقيش وقت يا ندى… العمل لازم يكتمل.” في تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت سارينة قطار قريبة… لا، لم تكن سارينة قطار، كان صوت آلة تنبيه سيارة مروان الحقيقية تصيح في الأسفل بعنــ,,ـــــف متواصل، يليه صوت ارتطام قوي ببوابة العمارة الحديدية بالأسفل. الظل الضخم اهتز، وبدت الرؤوس الثلاثة كأنها تتلفت بقلق نحو النافذة. الكيان لم ينتهِ من تشكله بالكامل بعد، وصوت مروان الحقيقي الذي يقترب كان يربك وجوده.
لم أتردد لثانية واحدة. استجمعت كل ما تبقى لي من قوة واندفعت نحو الأرض، التقطت هاتفي، وبدلاً من الجري نحو الباب الذي كان الظل يغلقه بجسده، قفزت بكل ثقلي نحو ضلفة الشيش المفتوحة المطلة على المنور. لم يكن هناك مجال للتفكير في الارتفاع أو المــ,,ـــــوت؛ المــ,,ـــــوت بالأسفل كان أرحم ألف مرة مما ينتظرني في هذه الغرفة. لكنني لم أسقط في الفراغ. امتدت يد بشرية قوية، دافئة، وحقيقية من شباك الجيران المقابل للمنور مباشرة في نفس اللحظة، وأمسكت بمعصمي بقوة هزت جسدي كله. رفعت رأسي بذعر وأنا معلقة في الهواء…
كانت جارتي، أم أحمد، السيدة العجوز التي لم أرها تخرج من شقتها منذ عامين. كانت تنظر إليّ بعينين حادتين، تتطاير منهما قسوة غريبة، ووجهها شاحب تماماً، وقالت بصوت أجش لم أسمعه منها من قبل: “ادخلي يا بنتي… ادخلي… الساحر مش هيسيبك لو خرجتي للشارع.”