مراتي كانت طفحه التراب

مراتي كانت طافحه التراب وبتبيع لبن وجبنه وانا في الغربه علشان تساعد معايا ونكمل الشقه اللي هتلمنا احنا وعيالنا…. واول ما جهزناها ونزلت من السفر امي حلفت ان الشقه الجديده ياخدها اخويا الصغير والسبب صدمني وسابني في حيرة عمري !!! أنا اسمي محمود، راجل على باب الله، عشت عمري كله بجري ورا لقمة العيش الحلال. لما جيت أتجوز، مكنش حيلتي من الدنيا غير هدمتي اللي عليا، وأوضة ضيقة كئيبة في بيت عيلتي.. حيطانها مقشرة وسقفها عالي بس مخنوق. مفيش بنت حلال رضيت بيا وبظروفي دي غير “ناهد”.

​ناهد دي مش مجرد ست، دي كانت الوتد اللي ساندني. بنت أصول بجد، صبرت معايا على المر اللي ميرضيش حد. وافقت تتجوزني في الأوضة دي، وقالت لي: ​”يا محمود، أنا شرياك أنت مش شريا الحيطان.. بكره ربك يفرجها ونبني سوا احسن بيت.” ​ودارت الأيام، وخلفنا عيلين زي الورد، والأوضة مبقتش سايعانا، وبقينا كأننا عايشين في علبة كبريت. النفس ضاق، ومصاريف العيال كبرت، والحيطة بقت سد في وشي.

​في وسط الضلمة دي، ظهرت طاقة قدر. واحد قريبنا جاب فيزا لأخويا الصغير “أحمد” فيزا سفر للسعودية.. عقد عمل محترم بمرتب يعيشه ملك. أحمد ده كان دلوع أمي، مبيحبش التعب ولا الحركة، واول ما السفرية جت قالك: “أنا أتغرب ليه وأتبهدل؟ أنا أقعد وسط أهلي وناسي آكل عيش ناشف ولا الغربة ومرارتها!” ​أنا عيني لمعت، وحسيت إن ربنا بعتلي طوق نجاة. دخلت لأخويا وقولت له: “يا أحمد، سيبني أسافر أنا مكانك، الفيزا دي هتساعدني أنا وعيالي، وأنا هسدد لك تمنها قرش ينطح قرش من أول سنة.”

​وافق أحمد فورا وفعلاً، استلفت تمن التذكرة وتوكلت على الله. أول سنة في الغربة دي مشوفتش فيها النوم، كنت بشتغل ليل مع نهار، باكل عيش وجبنة وأوفر كل مليم لحد ما سددت لأحمد تمن الفيزا كامل مكمل عشان مشيلش جميله. ​من السنة التانية، بدأت أبعت الفلوس لناهد. مكنتش بتبسط ولا بتصرفهم على لبس ومنظرة، كانت بتشيل القرش فوق القرش. كنا واخدين عهد على نفسنا إننا نعمل شقة ملك لينا ولعيالنا، شقة في بيت منفصل بعيد عن زحمة بيت العيلة عشان العيال تكبر في وسع.

​ناهد مكنتش بس بتحوش قرشي، دي كانت طافحة التراب حرفياً! إحنا محيلتناش غير جاموسة واحدة في الزريبة، وناهد كانت تصحى من النجمة، تحلبها، وتعمل الجبنة واللبن، وتنزل تبيعهم في السوق في البرد والمطر عشان تصرف على نفسها وعلى العيال من تعب إيديها، وماتلمسش مليم واحد من فلوس الغربة اللي ببعتها للشقة! 1 2 3 4​خمس سنين غربة.. خمس سنين وأنا بنحت في الصخر برة، وهي بتمــ,,ـــــوت من التعب جوة، لحد ما ربنا كرمنا واشترينا الشقة الطوب الأحمر، وفضلنا نصلح فيها ونشطبها على الفرازة.. دهان، سيراميك، سباكة.. كل حيطة فيها واخدة من عرقنا ومن دموعنا.

​واخيرا ​نزلت مصر.. ياااه على الفرحة! كنت حاسس إن الأرض مش سايعاني وأنا شايف عيالي كبروا، وشقتي الجديدة بتنور وبتنده علينا. اشترينا العفش ونقلناه، وكنت خلاص برتب مع ناهد عشان ننقل هدومنا وندخل شقتنا ونقفل علينا بابنا ونرتاح من شقا السنين. ​يومها، لقيت أمي داخلة عليا الأوضة، وشها مقلوب وعينها فيها نظرة غريبة.. نظرة خوف على طمع. قعدت وقالت لي بلهجة حاسمة متقبلش النقاش: “محمود.. الشقة الجديدة دي مش هتنقلوا فيها.. الشقة دي هياخدها أخوك الصغير أحمد يتجوز فيها!”

​الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. دماغي لفت، وحسيت إن السقف بيقع فوقيا. قولت لها والذهول واكلني: “أنتِ بتقولي إيه يا أمي؟! شقة إيه اللي ياخدها أحمد؟! دي شقتي.. شقى عمري وغربتي وتعب مراتي اللي كانت بتبيع لبن وجبنة عشان نوفر تمنها! أحمد ياخدها بمناسبة إيه؟!” ​أمي اتنهدت، وقالت لي والغل باين في صوتها:

“اسمعني بس يا ابني وافهمني.. أنا روحت أخطب لأخوك أحمد بنت فلان اللي في أول الشارع، وكنت ناوية أكتب كتابهم وأجوزهم هنا في الأوضة بتاعتك دي بعد ما تفضوها وتروحوا شقتكم.. لكن أم العروسة لوت بوزها وقالت لي بلؤم: ‘بنتي متروحش في بيت عيلة وأوضة وحمام مشترك! بنتي لازم شقة لوحدها من بابها، وإنتو محيلتكمش حاجة أصلاً!’” ​أمي كملت وهي بتخبط على صدـ,,ـــرها بغيظ:

“أنا دمي فار واتغظت، ومقبلتش إن حد يقلل مننا ولا من ابني .. وحلفت لها في وشها وقولت لها: ‘ابني عنده شقته الجديدة، متشطبة ، وبنتك هتدخل في شقة ملك من بابها!’.. وأهو أنا حلفت يا محمود، وعيب في حقي وحق أخوك الصغير نرجع في كلامنا ونبقى صغار قدام الناس!” ​وقفت مكاني مش مصدق، صرخت فيها: “وعشان منظرتك وحلفتك قدام ناس غريبة، تضيعي شقى عمري؟ تضيعي تعب ناهد اللي اتهد حيلها في السوق؟! ما يتجوز في أي داهية، ولا يشقى ويعمل لنفسه زي ما أنا عملت!”

​أمي قالتلي بزعيق ما انت اخدت الفيزا بتاعته وهو سبهالك بنفس راضيه …والشغل والفلوس دي كلها كان هو اللي هيجبها انا اتجمدت مكاني قولتلها بذهول…يا امي انا سددتله تمنها …ده تعبي وشقايا وسهر مراتي بدأت تعيط وتستعطفني، وتلعب على وتير الحنية:

“يا محمود يا ابني.. أنت خلاص اتجوزت وخلفت وعيالك كبروا ومستورين، لكن أخوك لسه بيبدأ حياته، والبت بتمــ,,ـــــوت فيه وهو بيمــ,,ـــــوت فيها، ولو الشقة دي راحت، الجوازة هتفشل وأخوك هيتكسر قلبه.. اعتبرها لِله يا ابني، سيب له الشقة يقف على رجله، وأنت خليك هنا في الأوضة لحد ما ربنا يفرجها عليك تاني.. ده أخوك الصغير، لحمك ودمك!”رجت من الأوضة وأنا مش شايف قدامي.. الدموع محبوسة في عيني، والكسرة هتحني ضهري. دخلت لقيت ناهد قاعدة مستنياني، في عينها فرحة الدنيا وهي بتجهز الشنط عشان ننقل الشقة الجديدة.. ناهد اللي ضحت بشبابها وصحتها عشان اليوم ده.

​أبص لأمي اللي بتبكي وبتستحلفني بأخويا وبدموعها وبحلفانها اللي هيصغرها قدام الناس.. وأبص لمراتي الأصيلة اللي طفحت التراب ومستنية جني ثمار صبرها..واخيرا قدرت اخد القرار وبصيت لناهد وقولتلها ……… وبصيت لناهد وقولتلها: “يا ناهد.. لمّي الهدوم اللي طلعتيها، إحنا مش هننقل الشقة الجديدة.. الشقة دي هيركب عليها قفل، ومحدش هيدخلها.” ناهد الابتسامة اختفت من وشها، والشنطة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض. بصتلي بذهول وقالت: “أنت بتقول إيه يا محمود؟ بتهزر صح؟ ده أنا بقالي خمس سنين بمــ,,ـــــوت في اليوم ألف مرة عشان اللحظة دي! الشنط جاهزة، والعفش هناك، بتقول إيه؟!”

أنا مقدرتش أبص في عينها، لفيت وشي ونزلت دموعي اللي كنت حابسها وقولتلها على كل اللي دار بيني وبين أمي، وعن حلفانها، وعن كلمة أمي اللي قطمت ضهري لما قالت إن الفلوس دي كان أحمد اللي هيجيبها لولا إني أخدت الفيزا بتاعته.

ناهد سمعت الكلام وقعدت على السر,,ـــــير، مكنتش بتعيط بصوت، كانت بتترعش.. دموعها كانت بتنزل صامتة وحارقة. بصتلي وقالت بكسرة عمري ما هنساها: “يعني تعبي في الأسواق، والبرد اللي نشّف عضمي، وقففتي من النجمة في المطر عشان أبيع الجبنة واللبن ونوفر قرشك.. كل ده راح عشان حلفان أمك؟ وعشان منظرتها قدام الناس؟ والفيزا اللي أنت سددت تمنها قرش ينطح قرش بقت هي السبب اللي بيكسرونا بيه؟”

حاولت أهديها وأنا قلبي بيتقطع: “أنا مبعتش حقك يا ناهد، وموافقتش إن أحمد ياخدها.. أنا قولتلك الشقة هتتقفل، مش هسيب أمي تصغر قدام الناس وتدعي عليا بغضبها، وفي نفس الوقت مش هدي شقاكي وشقايا البارد المستريح لأخويا.. الشقة دي هتفضل مقفولة لحد ما نشوف حل.” ناهد وقفت، ومسحت دموعها بكم جلابيتها، وبصتلي بنظرة قوية ومخيفة، وقالت: “المقفلول زي المعدوم يا محمود.. أنا مش هقعد في الأوضة دي دقيقة واحدة تانية، ومش هشوف حد بيفرح في كسرتي وكسرة عيالي.”

أخدت عيالي في إيدها، وطلعت برة الأوضة. في الصالة كانت أمي واقفة مستنية النتيجة، وأول ما شافت ناهد خارجة والدموع في عينها، أمي افتكرت إننا استسلمنا، وقالت بنبرة فيها نصر: “أيوة كده يا ناهد، يا بنتي ده أخوه الصغير وأنتِ أختنا الكبيرة وبكرة ربنا يعوضكم..”ناهد وقفت وقطعت كلام أمي، وبصتلها وقالت بحدة: “أنا مش أخت حد يا أم أحمد.. الشقة اللي أنتِ حلفتِ عليها دي، واخدة من صحتي ومن نوري.. وعمري ما هسامح في مليم واحد دخل فيها واتحرمت منه أنا وعيالي.. سيبنالكم البيت كله يشبع بيه أحمد.”

أمي اتصدمت من ردها وزعقت: “أنتِ رايحة فين وتتكلمي معايا كده ليه؟!” ناهد مردتش، وفتحت الباب وخرجت بأولادي في نص الليل، وراحت على بيت أهلها. الدنيا اسودت في عيني.. خسرت مراتي اللي صانتني، وأمي واقفة بتعيط وتقولي: “شايف الحرباية بتقلبك على أهلك إزاي؟” وأحمد أخويا الصغير كان نايم جوة ولا على باله الشقا اللي إحنا فيه، ومستني يستلم الشقة على الجاهز عشان يتمنظر بيها قدام نسايبه الجداد. قعدت في الأوضة لوحدي، حاسس إني عاجز، بين نيرون.. نــ,,ـــــار أمي وغضبها وحلفانها اللي ممكن يضيع رضاها عني، ونــ,,ـــــار مراتي الأصيلة اللي اتهان تعبها واتكسر خاطرها بسببي.

تاني يوم الصبح، لقيت حماتي بتكلمني في التليفون، وصوتها كان هادي بس مليان قسوة، وقالت لي: “بص يا محمود.. إحنا شرينا راجل، وبنتنا صانتك في غيابك وشالت اسمك وتعبت معاك.. لكن لحد كرامتها وكرامة عيالها والاستهتار بتعبها، وكده كفاية.. ناهد مش هترجعلك يا ابن الناس إلا وشقتها في إيدها، يا إما كل حي يروح لحاله، وتدفع لها كل مليم شقيت بيه معاك في الخمس سنين دول!”

قفلت السكة وأنا حاسس إن جبل شايله فوق كتافي.. نزلت من البيت ورحت الشقة الجديدة، فتحت الباب ودخلت.. كانت ريحة البويات الجديدة والعفش اللي اخترناه سوا تملى المكان.. كل ركن كان بيفكرني بكلمة من ناهد في التليفون وهي بتقولي: “دهنا الصالة بيج عشان تفتح النفس يا محمود”.. “جبنا السيراميك اللي بتحبه”. وأنا واقف في وسط الشقة، لقيت الباب بيخبط.. فتحت، لقيت أحمد أخويا الصغير واقف، ومعاه خطيبته وأمها! أحمد دخل بكل بجاحة وبصلي وقال: “إيه ده يا محمود، أنت هنا؟ طب كويس عشان نوري العروسة وأمها الشقة ونشوف لو في تعديل في الألوان قبل ما ننقل حاجتنا!”

أم العروسة بصت للشقة بلؤم وقالت: “بسم الله ما شاء الله.. الذوق مش بطال، بس الأوضة الجوانية دي عاوزة تتغير ألوانها عشان مش لايقة على الموضة.” الدم غلي في عروقي، وحسيت إن تعب ناهد بيداس عليه بالرجلين قدام عيني.. وبصيت لأخويا وأم خطيبته، والقرار اللي أخدته كان كفيل يقلب العيلة كلها ويغير كل حاجة..بصيت لأحمد ولأم خطيبته والغل أكل قلبي. لفيت وشي لأم العروسة وقولتلها بابتسامة صفرا هزت كبرياءهم: “تعديل إيه يا حجة اللي بتتكلمي عنه؟ الشقة دي مش بتاعة أحمد، الشقة دي شقتي أنا ومراتي، وأحمد داخل يتفرج زيكم بالظبط.. اتفضلوا ورونا عرض كتافكم برة!”

أم العروسة وشها جاب ألوان، وبصت لأحمد بغيظ وقالت: “بقى كده يا أحمد؟ جايبنا تتمنظر علينا بشقة أخوك وتقول شقتي؟!” أحمد وشه احمر وزعق فيا: “جرى إيه يا محمود! أنت هتصغرني قدام نسايبي؟ مش أمي كلمتك وخلصت معاك وكل حاجة تمام؟!” قربت منه وعيني بتطلع شرار، وقولت بصوت واطي ومخيف: “أمي تحلف على ما تملك يا أحمد.. تحلف على أوضتها، على دهبها، لكن شقايا وشقى مراتي اللي طفحت المر محدش ليه كلمة عليه.. اطلعوا برة!”

الست أخدت بنتها وخرجت وهي بتبرطم وتدعي، وأحمد لف عليا وهو بيصرخ: “والله ما هعديهالك يا محمود، أنت بتكسر فرحتي وبتبوظ جوازتي عشان حتة شقة؟ أنا هروح لأمي!” سابني وجري، وأنا قفلت باب الشقة بالمفتاح والترباس، وحطيت المفاتيح في جيبي ونزلت وراه.. كنت عارف الإعصار اللي مستنيني في بيت العيلة. أول ما دخلت البيت، لقيت أمي واقفة في الصالة وبتلطم على صدـ,,ـــرها، وأحمد قاعد جمبها عمال يسخنها ويقول: “طردني وطرد خطيبتي يا أمي، كسرني قدام الناس وصغرنا كلنا!”

أمي أول ما شافتني، صرخت في وشي: “يا خسارة تربيتي فيك يا محمود! بتطرد أخوك الصغير وتكسر بحلفاني؟ أنت مبقتش ابني ولا أعرفك ليوم الدين لو الشقة دي مأخدهاش أخوك ورجعتلي كرامتي قدام الناس اللي صغرتني قدامهم!” الكلام كان زي السكاكين في قلبي، بس افتكرت ناهد وهي خارجة في نص الليل وعيالها في إيدها ودموعها مغرقة وشها. قولت لأمي بثبات: “يا أمي، رضاكي على عيني ورأسي، وأنا مستعد أبوس رجلك ليل نهار.. لكن تظلــ,,ـــــميني وتظلــ,,ـــــمي مراتي الغلبانة لأ.. الفيزا أنا سددت تمنها، والفلوس فلوسي، وأحمد لو راجل يشقى ويعمل لنفسه.”

أحمد وقف وزعق: “أنا راجل وغصب عنك! ولو على الشقة أنا مش عاوزها، بس قسماً بالله ما هسيبك ترتاح ولا هسيب الست بتاعتك تدوس على كرامة أمي!” أمي بصتلي بنظرة جحود وقالت: “اطلع برة بيتي يا محمود.. مش عاوزة أشوف وشك هنا، ولا أنت ابني ولا أعرفك لحد ما تيجي وتديني المفاتيح دي برضاك.. وبنت الشوارع اللي مقوياك علينا دي مش هتدخل البيت ده تاني!”

خرجت من البيت وأنا حاسس إن الدنيا كلها لفت بيا. خسرت أمي، وأخويا بقى عدوي، ومراتي على وش طلاق. ركبت أول ميكروباص ورحت على بيت حمايا.ل ما دخلت، حماتي قابلتني بوش خشب، وعمي (حمايا) كان قاعد وناهد جمبه باصة في الأرض. قعدت وقولت لحمايا: “يا عمي، أنا طردت أحمد وخطيبته من الشقة، ووقفت في وش أمي، وأهو أنا مطرود من بيت عيلتي ومعاييش غير هدومي ومفاتيح شقتي.. أنا مبعتش ناهد ولا بعت شقاها.”

ناهد رفعت رأسها، وبصتلي والدموع في عينها، بس مكنتش دموع كسرة.. كانت دموع حد مجروح ومصدموم. وقالت: “وقفت في وشهم بعد إيه يا محمود؟ بعد ما اتهنت؟ بعد ما أمك قالت عليا حرباية وأخوك كان عاوز ياخد حاجتي على الجاهز؟ أنت رجعتلي الشقة.. بس كسر الخاطر والـمَهانة اللي عيشتها في البيت ده مين هيرجعهم؟”

حمايا اتنهد وقال: “يا محمود يا ابني، أنت راجل وصنت حق بنت عامةً، بس البيوت أسرار، والشرخ اللي حصل بينك وبين أهلك بسبب الشقة دي هيعيش معاكم العمر كله.. بنتي لو رجعت الشقة دي، هتعيش في نكد وخوف من أمك وأخوك، وكل ما يشوفوها هيحسوا إنها خطفت الشقة منهم.” قولتله بلهفة: “يا عمي أنا شقتي منفصلة، بعيد عن بيت العيلة.. محدش ليه حكم علينا هناك!”

ناهد وقفت وقالت بلهجة حاسمة صدمتني: “الحكم مش بالحيطان يا محمود.. الحكم بالقلوب. أنا مش هعيش في شقة تمنها غضب أمك عليك، ومش هقعد في مكان يخليني كل يوم أبص في وشك وأفتكر إنك فكرت ولو للحظة تضحي بتعبي عشان ترضي حلفان أمك.. أنا ليا شرط واحد عشان أرجع معاك الشقة دي.” بصيت لها وأنا مستني الكلمة اللي هتقولها، والشرط ده كان أغرب حاجة ممكن تتخيلها، شرط هيقلب موازين الحكاية كلها…

بصيت لناهد بلهفة وقولتلها: “شرط إيه يا ناهد؟ اطلبي اللي أنتِ عاوزاه، لو عاوزة الشقة تتكتب باسمك بالكامل أنا مستعد، المهم نلم شملنا وعيالنا يربوا في وسطنا.” ناهد هزت رأسها بالرفض وقالت بصوت قوي ومسموع: “لأ يا محمود، أنا مش طماعة ولا ببص تحت رجلي، والشقة دي شقاك قبل ما تكون شقايا.. شرطي عشان أرجع معاك وندخل الشقة دي، إننا نبيعها!” الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة، حمايا وحماتي نفسهم بصوا لبعض بذهول. وقفت وقولت بصوت مهزوز: “نبيعها؟! نبيع شقة العمر يا ناهد؟ الشقة اللي اخترنا ألوانها وطوبها وسيراميكها حتة حتة؟ الشقة اللي غبت خمس سنين عنكم عشان أشتريها وتلمنا؟!”

دموع ناهد نزلت وقالت: “آه نبيعها يا محمود.. الشقة دي لو قعدنا فيها، هتبقى عاملة زي القبــ,,ـــــر لينا. كل ما هندخل ونخرج، هنشوف نظرات الغل من أخوك، ودعوات أمك عليك وعليا ه تلاحقنا في الرايحة والجاية. أمك حلفّت وصغّرت نفسها قدام الناس، وطول ما الشقة دي موجودة والناس شايفاك فيها وأخوك برة، أمك مش هتسامحك، وأخوك هيفضل شايل منك، وأنا مش هعيش عمري كله خايفة على عيالي منهم ولا مستنية مصيبة تحصلي في بيتي.”مايا خبط بكفه على التربيزة وقال: “كلام البنت صح يا محمود.. البيع هو الحل اللي هيقطع دابر المشاكل.

الفلوس هتبقى في جيبك، تشتري بيها شقة في مكان تاني خالص، بعيد عن المحافظة وبعيد عن العيلة، وتبدأ حياتك من جديد لا حد يعرفك ولا حد يبص في لقمكتك.” الدنيا لفت بيا.. شقا عمري وتعب مراتي في الأسواق هيتباع في لحظة عشان نشتري راحة بالنا؟ بس لما بصيت لعين ناهد وعيالي، عرفت إنها بتتكلم صح. البيت مش حيطان، البيت أمان، والأمان اتهد في المكان ده. بصيت لها وقولت: “موافق يا ناهد.. هبيعها.”

الخبر نزل في البلد زي النــ,,ـــــار في الهشيم. محمود عارض شقته الجديدة للبيع كاش! أول ما أمي عرفت بالخبر، جيتلي جري على بيت حمايا، ومعاها أحمد أخويا اللي كان وشه باهت وضايع بعد ما خطيبته وأمها فسخوا الخطوبة ورموا له دبلته لما عرفوا إنه ملوش شقة وإن الكلام كان فستك. أمي دخلت ودموعها على خدها، بس المرة دي دموع ندم مخلطة بخوف، وقالت لي: “بقى تبيع شقتك يا محمود؟ تبيع شقى عمرك وتفضحنا وسط البلد ويقولوا الأخوع غضب على أمه وأخوه؟ يا ابني أنا كنت عاوزه أستر أخوك، والجهل لواني وخلاني أحلف يمين غبي.. اخص عليك يا ابني تبيع شقتك؟!”

أحمد أخويا بص في الأرض وقال بصوت مكسور: “أنا أسف يا محمود.. أنا السبب في كل ده، الجوازة باظت والناس أكلت وشي، وأنا مش عاوز شقق خلاص، اقعد في شقتك ومتبيعش شقاك.” بصيت لأمي ولأحمد، ولقيت قلبي بيتقطع عليهم رغم كل اللي عملوه.. دول برضه دمي ولحمي. بس بصيت جمبي لقيت ناهد واقفة ساندة ضهري، ووشها مفيش فيه أي تراجع.

قربت من أمي، بوست إيدها وقولت لها: “يا أمي، اليمين بتاعك أنا هكفّر عنه، هطعم عشر مساكين وهعمل كل اللي يرضي ربنا عشان كفارة يمينك ومتبقيش صغرتي قدام حد.. لكن الشقة هتتباع. أنا مش ببيع حيطان يا أمي، أنا بشتري خطري وكرامة مراتي اللي اتبهدلت، وبشتري سلام نفسي لعيالي.. وأحمد أخويا الصغير، أنا مش هسيبه، هساعده على قد ما أقدر لما يقف على رجليه، بس من عرق جبينه هو مش من شقى غيره.”

أمي عيطت وحــ,,ـــــضنتني، وعرفت إن السهم خرج من القوس ومبقاش ينفع يرجع. خلال أسبوعين، كنت بعت الشقة بملغ محترم، وأخدت الفلوس في الشنطة، وجمعت ناهد وعيالي وركبنا القطر وطلعنا على المحافظة اللي جمبنا.. بلد جديدة، ووشوش جديدة، لا حد يعرف قصتنا ولا حد بيبص لنا بحقد.

بدأنا ندور على شقة جديدة، وفعلاً لفينا لحد ما لقينا شقة في منطقة هادية وجنبها مدرسة للعيال. وصاحب الشقة كان راجل طيب، اتفقنا معاه على السعر، وطلعت الشنطة عشان أعد له الفلوس ونمضي العقد ونقفل بابنا علينا لأول مرة في حياتنا..لكن وأنا بفتح الشنطة عشان أطلع الفلوس، عيني وقعت على حاجة غريبة جوة الشنطة وسط رزم الفلوس.. حاجة مكنتش بتاعتي، ولا ناهد حطتها.. ورقة مطبقة وعليها كتابة بخط إيد أنا عارفه كويس!

أول ما فتحت الورقة وقريت السطر الأول، جسمي كله اتنفض، وبصيت لناهد وأنا مش قادر أصدق اللي مكتوب، والمكتوب ده كان كفيل يغير مسار حياتنا للمرة المليون…الراجل بص في الكارنيه اللي في إيده وبعدين بصلي وقال بنبرة جافة وصارمة: “إحنا من مباحث الأموال العامة.. مطلوب القبــ,,ـــــض عليك بتهمة الاتجار في العملة الأجنبية خارج السوق المصرفية، وتلقي تحويلات مالية غير مشروعة من الخارج!”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. ناهد صرخت ولمّت العيال حواليها وهي بتبكي، وأنا حسيت إن المحطة كلها بتلف بيا. اتلعثمت وقولتله: “عملة إيه وتجارة إيه يا فندم؟! أنا راجل شقيان في السعودية بقالي خمس سنين، وببعت شقايا لمراتي قرش فوق قرش عشان نبني شقة لعيالنا، والله ما ليا في السكك دي!”

الضابط بصلنا بنظرة فيها شوية عطف لما شاف كسرتنا وخوف العيال، وقال بصوت أوطى: “يا محمود، إحنا مراقبين شبكة كبيرة لتجارة العملة في المحافظة بتاعتكم، والشبكة دي كان بيديرها الراجل النصاب اللي أخوك أحمد مضى له الشيكات. التحريات أثبتت إن الفلوس اللي أنت دفعتها للمحامي من ساعة بالظبط عشان تفك زنقة أخوك، دخلت في حسابات الشبكة دي، والتحويلات اللي كانت بتجيلك من السعودية طول الخمس سنين اللي فاتوا كانت بتنزل على حسابات ناس تبعهم عشان يستفادوا من فرق السعر ويسلموا لمراتك هنا كاش.. يعني من غير ما تقصد، أنت كنت بتتعامل مع شبكة غسيل أموال وسوق سودا!”

قفلت عيني وأنا حاسس بالندم بياكل قلبي.. يعني السفر والغربة والشقا، وحتى الـ700 ألف اللي دفعتهم لأخويا عشان أنقذه، طلعوا في الآخر سبب في مصيبتي! أخويا بطيشه، والناس اللي كنت ببعت معاهم الفلوس من الغربة عشان يوفروا مليمين، لبسوني في حيطة سد. ناهد قربت من الضابط وهي بتبوس إيده وبتقوله: “بالله عليك يا بيه.. جوزي ميعرفش حاجة، ده راجل على باب الله وطافح المر، والفلوس الباقية معانا اهي في الشنطة تمن الشقة اللي بعناها، فتشنا وخد كل حاجة بس سيبه لعياله!”

الضابط أخد نفس طويل وقال: “يا مدام ناهد، إحنا واخدين بالنا من التحريات إن جوزك ملوش سوء نية، وإنه مجرد ضحية اتضحك عليه وعلى أخوه.. عشان كده أنا جيت بنفسي ومجبتش بوكس الشرطة. محمود مطلوب منه يجي معايا دلوقتي حالا لمديرية الأمن عشان يقدم شهادته رسمي ضد الشبكة دي، ويثبت إن الفلوس دي تمن الشقة اللي اتباعت بعقود رسمية، عشان نبرأ ساحته.. اتفضل معايا يا محمود من غير شوشرة.”

بصيت لناهد، واديتها شنطة الفلوس الباقية وقولتلها وعيني مليانة دموع: “روحي مع العيال يا ناهد، أأجري أي أوضة هنا جمب المحطة واستنيني.. أنا واثق في ربنا إنه مش هيضيعنا، أنا عمري ما أكلت حرام.” ناهد هزت رأسها وهي بتترعش، وأنا ركبت مع الضابط العربية وطلعت على المديرية.في مكتب التحقيق، قعدت 6 ساعات كاملة.. حكيت كل حاجة من طقطق للسلام عليكم. ورّيتهم عقود بيع الشقة، ووصولات الأمانة اللي أحمد مضى عليها، وحكيت عن غربتي وشقا مراتي في بيع اللبن والجبنة. المحقق كان راجل ابن أصول، وفهم إننا “غلابة” ووقعنا في وسط حيتان.

على الفجر، المحقق قفل المحضر وبصلي وقال: “أنت كده بريء يا محمود، وشهادتك دي هتودي النصابين في داهية.. بس فيه مشكلة.. الفلوس الـ700 ألف اللي أنت دفعتها ليهم في مكتب المحامي، النيابة تحفظت عليها بالكامل لأنها تعتبر جزء من أموال الجري..مة، وأخوك أحمد هيتجاب برضه للشهادة.. يعني الفلوس دي راحت عليك ومش هتعرف تاخدها من النصابين.” خرجت من المديرية على مشارف الصبح، جسمي مهدود وروحي مكسورة.. الـ700 ألف طاروا في الهوا، لا هما أنقذوا أحمد بشكل نهائي لأنه لسه هيتجرجر في المحاكم، ولا هما رجعوا لناهد شقاها.

رجعت للمكان اللي ناهد قعدت فيه مع العيال، كانت قاعدة في لوكاندة صغيرة جمب المحطة، صاحية ومستنياني وعينيها حمرا من كتر العياط. أول ما شافتني، جِريت عليا وحــ,,ـــــضنتني: “حمد الله على سلامتك يا محمود.. غار الشقا وغارت الفلوس، المهم إنك رجعتلي.” قعدت وقولتلها والكسرة واكلاني: “الـ700 ألف اتحفظوا عليهم يا ناهد.. يعني أحمد لسه في المشاكل، والفلوس اللي كتب شيكات بيها باسمك ملهاش قيمة لأن الورق الأصلي اتمزق.. إحنا محيلتناش غير المبلغ الصغير اللي باقيلنا في الشنطة.. لا هنعرف نشتري شقة ولا نفتح مشروع كبير.. أنا ضيعتكم.”

ناهد بصتلي، وابتسمت ابتسامة صافية غسلت همومي، وقالت: “تاني هتقول ضيعتنا؟ المبلغ اللي معانا ده يشتري حتة أرض صغيرة في قريتنا الجديدة هنا، ونبني عليها أوضة وحمام بالبلوك الأبيض، ونبدأ من الصفر.. وأنا هنزل من النجمة تاني، وأشتري جاموسة بال قسط، وأبيع لبن وجبنة.. الشغل مش عيب يا محمود، العيب إننا نيأس.” كلامها خلاني أقوم وأقف على رجلي من تاني.. الست دي بمليون راجل، وهي الوتد الحقيقي.

وفعلاً، خلال يومين، كنا اشترينا حتة أرض صغيرة على أطراف المحافظة الجديدة، وبدأنا نشتري الطوب والمونة بالفلوس اللي باقية، وكنت ببنّي معاها بإيدي.. ناهد تشيل الطوب وأنا أحطه، والعيال حوالينا بيضحكوا.. رجعنا لأوضة ضيقة تاني، بس المرة دي كانت أوضة مليانة رضا وأمان، بعيد عن غل النفوس وطمع الأهل.

مر شهرين، وحياتنا بدأت تستقر.. كنت بشتغل في المعمار باليومية، وناهد بدأت تعمل جبنة وتبيعها للجيران وتكسب قرش حلال. وأحمد أمي كانت بتكلمني تعيط وتقول إن القض..ية لسه شغالها وهو ممنوع من السفر، بس أنا قسيت قلبي وقولت نفسي وعيالي أولى.وفي يوم، وأنا راجع من الشغل تعبان وعرقي مغرقني، لقيت ناهد واقفة قدام الأوضة ووشها مخطوف، ومعاها راجل لابس بدلة شيك جداً وواقف جمبه عربية فخمة.. الراجل أول ما شافني، قرب مني وقال بلهجة رسمية: “أنت الأستاذ محمود مكرم؟”

قولتله بتوجس: “أيوة أنا.. خير يا فندم؟ في قض..ية جديدة ولا إيه؟” الراجل ابتسم وطلع من جيبه دفتر شيكات وقالي جملة هزت الأرض تحت رجلي، وجعلت ناهد تلطم على خدها من الصدمة، وعرفت إن الدايرة دارت، وإن حقي وحق مراتي راجع، بس بطريقة عمري ما كنت أتخيلها…

الراجل ابتسم وبص للأرض الطوب اللي إحنا واقفين عليها، وقال بنبرة كلها احترام: “قض..ية إيه بس يا أستاذ محمود؟ أنا المحامي الإقليمي لشركة المستثمر العربي للمقاولات والتطوير العقاري.. الشركه بتاعتنا اشترت بالاشتراك مع الحكومة مساحات واسعة من الأراضي هنا عشان نعمل المحور الجديد والمدينة السكنية الاستثمارية.. وحتة الأرض الصغيرة اللي أنت اشتريتها من شهرين وبنيت عليها الأوضة دي، طلعت في قلب المخطط الرسمي للمشروع، وقطع الأرض اللي حواليك كلها ملكنا، ومبقاش فاضل غير حتتك عشان نفتح طريق المحور!”

أنا بقيت واقف مبلم، مش فاهم حاجة، وناهد حطت إيدها على بوقها وعينيها هتطلع من مكانها. كمل المحامي كلامه وهو بيفتح الدفتر: “إحنا بروح القانون وبناءً على أوامر مجلس الإدارة، مش بنحب ندخل في قضايا نزع ملكية وتطويل.. إحنا بنعوض أصحاب الأراضي تعويض عادل ومجزي جداً عشان نكسب وقت.. الأرض بتاعتك دي بموجب عقودها الرسمية، الشركة بتعرض عليك تشتريها بمبلغ 3 مليون جنيه كاش، أو تاخد شقة 180 متر في البرج الاستثماري اللي هيتبني هنا، ومعاها محل تجاري على الشارع الرئيسي!”

ناهد أول ما سمعت الرقم والمحل، صرخت صرخة هزت المكان، ووقعت على ركبها وهي بتبكي وتدعي: “الحمد لله يا رب! الحمد لله.. حق الشقا ماراحش.. تعبي في المطر والبرد ربنا ردهولي أضعاف!” أنا دموعي نزلت ومبقتش شايف المحامي من كتر الدموع.. افتكرت الخمس سنين غربة، وافتكرت طفح التراب في الأسواق، وافتكرت الكسرة والظلــ,,ـــــم من أمي وأخويا، وافتكرت لما سيبنا الشقة بمليون جنيه عشان نشتري كرامتنا، ربنا بيعوضنا بـ3 مليون وشقة ومحل في قلب منطقة استثمارية! المنع كان هو عين العطاء، ولما رضينا بالبلوك الأبيض والأوضة الضيقة، ربنا فتحها علينا من وسع.

بصيت للمحامي وقولتله بصوت حابس الكسرة ومملوء بالفخر: “أنا موافق على الشقة والمحل والتعويض يا فندم.. بس الإجراءات تخلص حالا.” المحامي ابتسم وقالي: “اتفضل معايا على مكتب الشركة في المحافظة نمضي العقود وتستلم شيك المقاصة الأولاني.”في نفس الليلة، مكنش في قلبي غير حاجة واحدة.. ناهد وعيالي أمنوا مستقبلهم، وحق مراتي الأصيلة رجع لها لحد عندها وبقيت في نظري ملكة.. بس قلبي لسه حزين على أمي وأخويا، الدم عمره ما يبقى مية.

تاني يوم، بعد ما حطينا الفلوس في البنك واستلمنا عقود الشقة والمحل الجديدة تحت الإنشاء، أخدت ناهد وركبنا العربية اللي أجرناها ورحنا على قريتنا القديمة.. دخلت بيت عيلتي وأنا رافع رأسي، مش كبراً، بس عزة نفس. أول ما دخلت، لقيت البيت كئيب، وأمي قاعدة لوحدها في الصالة ووشها دبلان وعمالة تعيط، وأحمد أخويا قاعد جمبها زي الحريم، مكسور والناس كلها في البلد بتبص له على إنه نصاب وضيع أخوه. أمي أول ما شافتني، وقفت وجريت عليا وهي مش مصدقة: “محمود! يا ابني رجعتلي؟ سامحني يا ابني، أحمد ضاع، والقض..ية لسه لافّة حوالين رقبته والنصابين هيحبسوه برضه والفلوس الحكومه خدوها!”

بصيت لأمي، وبوست رأسها وإيدها، وقولت لها: “أنا مسمحك يا أمي.. واليمين بتاعك أنا كفرت عنه خلاص.. وأحمد أخويا مش هسيبه يتسجــ,,ـــــن.”

أحمد رفع رأسه وبصلي بذهول، فطلعت من جيبي مبلغ 200 ألف جنيه، وحطيتهم قدامه على الترابيزة وقولتله بلهجة حاسمة وقوية: “الفلوس دي تمن محامي كبير أنا كلّفته يمسك قضيتك ويطلعك منها براءة لأنك كنت ضحية نصب، وهتطلع يا أحمد ومش هتتسجــ,,ـــــن.. بس قسماً بالله العلي العظيم، المليم ده دين في رقبتك، والبيت ده ماليش قعاد فيه تاني.. أنا ربنا عوضني بأحسن من الشقة مية مرة، وعملت لمراتي المحل اللي يخليها ملكة وماتنزلش السوق تاني.. أنا جيت أنقذك عشان أمي متتحسرش عليك، وعشان أثبتلك إن شقايا كان حلال، والحلال دايماً بيكسب في الآخر.”

أحمد بكى تحت رجلي وباس إيدي، وأمي فضلت تدعيلي وتدعي لناهد وهي ندمانة وعارفة إنها ظلــ,,ـــــمت الست الأصيلة اللي صانت ابنها. خرجت من بيت عيلتي وأنا حاسس إني طرت في السما.. لفيت إيدي حوالين كف ناهد، وبصيت في عينيها وقولتلها: “خلاص يا بنت الأصول.. الشقا خلص، والوسع جه، وبكرة هنستلم مفتاح شقتنا الجديدة ونقفل علينا بابنا.”

ناهد ابتسمت وهي بتبص لطريق المستقبل، وقالتلي جملة وكنت فاكر إن الحكاية قفلت على كده ولحد هنا الأمان رجع.. لكن وإحنا راجعين على بلدنا الجديدة، تليفوني رن مرة تانية، والمرة دي المتصل كان شخص مكنتش أتوقعه تماماً، وبسببه عرفت إن الفصل الأخير من حياتنا لسه هيتكتب بدموع وفرحة تانية خالص…

بصيت للشاشة ولقيت الاسم اللي ظهر هو “الحاج عبد التواب”.. صاحب الشقة الجديدة اللي كنا هنشتريها أول ما وصلنا المحافظة، والراجل الطيب اللي سيبناه وجرينا من مكتبه لما قريت رسالة أحمد وجالي تليفون الأموال العامة.فتحت الخط وقولتله: “أهلاً يا حاج عبد التواب، أنا أسف جداً على اللي حصل من شهرين، والجرية اللي جريناها من مكتبك، بس والله الظروف كانت أقوى مني.”

الحاج عبد التواب ضحك بصوت عالي ومليان فرحة وقالي: “يا محمود يا ابني، أنا عارف كل حاجة، والضابط اللي جالك مكتب الصبح كان قريبي وحكالي على أصلك ونظافتك وأنا من يومها بدعي لك.. بس أنا مكلمك في موضوع تاني خالص.. فاكر المحل التجاري اللي شركة المقاولات الاستثمارية هتديهولك كتعويض مع الشقة الجديدة؟” قولتله: “أيوة يا حاج، ماله؟”

قال لي: “الشركة دي بعتتلي رسمي لأن المحل بتاعي في نفس المربع، وطالبين وكيل حصري ليهم في المحافظة يدير السلسلة التجارية الجديدة اللي هتتفتح في المنطقة الاستثمارية.. ولما عرفوا إنك صاحب الأرض اللي فتحت المحور وإنك راجل أمين وصنت حق بيتك، طلبوا مني أدور عليك وأعرض عليك تكون الشريك الإداري والمدير العام للمشروع كله براتب ونسبة من الأرباح تخليك في حتة تانية خالص! ربنا مبيرضاش بالظلــ,,ـــــم يا محمود، وأنت صنت مرأتك فربنا صانك ورفع اسمك.”

قعدت على الكرسي في العربية ودموعي بتنزل من كثر الفرحة.. ناهد بصتلي وهي بتسألني بعينيها: “في إيه يا محمود؟” قفلت السكة وبصيت لها وقولتلها: “ربنا مبيسبش حد شقيان يا ناهد.. المحل اللي كنا بنحلم نفتحه على قدنا، بقيت أنا المدير والشريك للمنطقة التجارية كلها.. الشقا ميروحش هدر أبداً.” ناهد سجدت في العربية سجدة شكر لله، وعيالي كانوا بيضحكوا وهما شايفين دموع الفرحة في عيوننا بعد سنين الكسرة والخوف.

مرت سنة كاملة.. واستلمنا الشقة الجديدة الـ180 متر، شقة واسعة بتطل على المحور الجديد، الشمس بتدخلها من كل جانب، مفيش فيها حيطة مقشرة ولا سقف مخنوق زي أوضة بيت العيلة. والمحل اتفتح وبقى اسم “ناهد” منور في السوق، مش كبياعة لبن وجبنة في المطر والبرد، لكن كصاحبة أكبر مركز لتوزيع المنتجات الغذائية في المحافظة، والكل بيعمل لها ألف حساب ويقولوا “بنت الأصول أهي”.

وأحمد أخويا الصغير، المحامي طلّعه براءة بعد ما أثبت إنه كان ضحية شبكة النصب، وخرج من التجربة دي بدرس عمره ما هينساه.. مابقاش الدلوع اللي مستني الشقا على الجاهز، نزل يشتغل في المعمار باليومية وشال الطوب على كتفه عشان يسدد القرشين اللي عليه، وأمي بقت كل ما تلمحني أو تلمح ناهد، تبوس رأسها وتقول: “أنتِ الوتد اللي صان ابني وصان البيت.” ### 💡 الحكمة من وراء الحكايةوأنا واقف في بلكونة شقتي الجديدة، حاضن ناهد وعيالي وجنبنا الأمان والستر، فكرت في كل اللي عيشناه، وطلعت بحقائق وعِبر هي أساس الحياة:

* **بنت الأصول رزق وفضل:** الست الصالحة مش اللي بتشاركك الفرحة والوسع، بنت الأصول هي اللي تطحن نفسها في المر عشان تسند ضهرك في الغيبة، والراجل اللي يفرط في ست صانت شقاه في غيابه عشان يرضي منظرة أو حلفان غبي، ملوش أمان ولا يستاهل النعمة. * **المنع هو عين العطاء:** لما أمي لوت دراعي وضاعت الشقة الأولى وحزنت وافتكرت إن شقايا ضاع، كان ربنا بيحميني من شبكة غسيل أموال وفلوس حرام كانت هترمينا في السجــ,,ـــــن. ربنا حرمنا من “شقة” عشان يدّينا “أرض” تتباع بالملايين ومستقبل يأمّن عيال العيال.

* **بر الوالدين لا يعني قبول الظلــ,,ـــــم:** صنت أمي وكفرت عن يمينها وأنقذت أخويا الصغير من السجــ,,ـــــن لأن الدم مش مية، بس وقفت وقفة رجالة ورفضت إن حق مرأتي يداس عليه.. البر طاعة بالمعروف، ومش من البر إنك تظلــ,,ـــــم شريكة عمرك عشان ترضي أهلك. * **الحلال يعلو ولا يُعلى عليه:** اللي بيبدأ بالقرش الحلال ويتعب فيه ويفضل ليل مع نهار يجري ورا لقمة العيش بنية صافية، لو الدنيا كلها اجتمعت عشان تكسره أو تسرق شقاه، ربنا هيعوضه من وسع ومن حيت لا يحتسب.

قفلت باب البلكونة، وبصيت لبيتي المنور، وحمدت ربنا إننا طفحنا التراب سوا.. عشان ندوق طعم الشهد سوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0