لما كان عندي 7سنين

ابتسم ابتسامة خفيفة عندما سمع كلمة “سيد إمرة”، ثم تحرك من خلف مكتبه واقترب خطوات. تغيرت نبرته فجأة لتصبح أكثر دفئاً: “سيد إمرة؟ حسناً، في العمل لا بأس بذلك. لكننا الآن بمفردنا.” نظرت إليه وقلت محاولة الحفاظ على هدوئي: “إمرة.. أنا ممتنة جداً للفرصة، لكنني حقاً أريد أن أثبت نفسي هنا بعملي فقط. لا أريد أن يظن أحد…” قاطعني بهدوء وهو يرفع يده: “أعلم تماماً ما تفكرين به. ولهذا السبب بالذات، طلبتكِ هنا لأمر رسمي.”

التفت وسحب ملفاً أنيقاً من فوق مكتبه ومدّه إليّ قائلاً: “هذا هو المشروع الجديد للشركة في مدينة ‘إزمير’. إنه إعادة تطوير للمنطقة القديمة التي نشأنا فيها. كنت أبحث عن شخص يمتلك الكفاءة، وفي نفس الوقت يفهم روح ذلك المكان وناسه. ولم أجد أفضل منكِ لتكوني مسؤولة عن هذا الملف.” نظرت إلى الملف ثم إليه، ولمعت عيناي بالدهشة. إزمير؟ المكان الذي شهد طفولتنا وفراقنا؟ تابع إمرة وهو ينظر إليّ بنظرة عميقة مليئة بالمعاني:

“ستسافرين إلى إزمير الأسبوع القادم لمعاينة الموقع وبدء الدراسة الميدانية. وأنا.. سأكون هناك أيضاً للإشراف على الخطوات الأولى.” شعرت بقلبي يدق بسرعة مجدداً. السفر إلى إزمير معاً يعني مواجهة كل الذكريات القديمة، ومواجهة ذلك الماضي الذي هربنا منه لخمسة عشر عاماً. عبق الحارة القديمة، وصوت ضحكات الكبار، ووقفتي في المنور.. كل شيء سيعود فجأة. نظرت في عينيه، ورأيت فيهما تصميماً غريباً، كأنه يخطط لشيء أكبر بكثير من مجرد مشروع عمل. وبنبرة تحدٍ خفيفة، أومأت برأسي وقلت:

“أنا جاهزة للمشروع.. ولإزمير.” مرّ الأسبوع سريعاً كأنه لمحة عين. طوال تلك الأيام، لم نلتقِ أنا وإمرة إلا في اجتماعات العمل الرسمية، حيث كان يتصرف كمدير تنفيذي صارم لا تشوبه شائبة، وكنت أتعامل بكفاءة واحترافية عالية أثارت إعجاب الجميع في القسم. لكن تلك النظرات المخطوفة التي كان يلقيها عليّ بين الحين والآخر، كانت كفيلة بأن تخبرني أن رحلة إزمير لن تكون مجرد رحلة عمل عادية. وفي صباح يوم الإثنين، وجدنا أنفسنا في السيارة المتجهة إلى المطار. الصمت في البداية كان سيد الموقف، حتى التفت إليّ إمرة وهو يقود وقال بابتسامة هادئة:

“هل أنتِ مستعدة لمواجهة الماضي؟” نظرتُ من النافذة وقلت بنبرة حملت بعض الشجن: “لست خائفة من الماضي، أنا فقط أتساءل كيف ستكون الحارة بعد كل هذه السنين.. وكيف سنبدو نحن فيها.” عندما وصلنا إلى إزمير، لم يتجه السائق بنا إلى الفندق أو إلى موقع المشروع الجديد مباشرة. بل وجدته يدخل في شوارع مألوفة، تضيق شيئاً فشيئاً، حتى توقفت السيارة فجأة عند مدخل حارتنا القديمة. التفتُّ إلى إمرة بدهشة، فقال وهو يفتح حزام الأمان:

“المعاينة الرسمية غداً. أما اليوم، فهو لنا.” ترجلنا من السيارة، ومشيتُ بجانبه والخطوات تثقل كلما اقتربنا. الحارة تغيرت قليلاً، طُليت بعض البيوت بألوان جديدة، وكبرت الأشجار التي كنا نلعب تحتها، لكن رائحة المكان وهواؤه الساحلي لم يتغيرا. بدأ الجيران القدامى يخرجون من الشرفات والبيوت. تعالت الأصوات بذهول: “أليست هذه ابنة فلان؟” و”يا إلهي، هل هذا إمرة؟”. وفجأة، تحول الشارع إلى تظاهرة صغيرة من الترحيب والدموع والأحضان. ظهرت والدتي التي كانت قد عادت للعيش هناك بعد تقاعدها، واحتضنتني وهي تبكي، ثم التفتت إلى إمرة وضمتّه بذهول قائلة: “إمرة! يا بني.. كيف أصبحت هكذا؟ أين كنت؟”

قبل إمرة يدها باحترام شديد وقال: “كنت أجمع شتاتي يا أمي، لأعود كفؤاً بالوعد.” نظرت أمي إليّ ثم إليه، ولمعت عيناها بذكاء الأمهات، وكأنها تذكرت في ثانية واحدة كل ما حدث قبل خمسة عشر عاماً. بينما كان الجميع مشغولين بالحديث وإعداد الشاي، أشار لي إمرة بطرف عينيه نحو مدخل عماراتنا القديمة. تحركتُ خلفه بخطوات واثقة هذه المرة، ودخلنا إلى المنور.. نفس المكان تماماً. كان نور الشمس يتسلل من الأعلى خافتاً ومألوفاً. وقف إمرة في نفس البقعة التي كان يقف فيها وهو شاب جامعي يحمل كتبه، ونظرتُ أنا إليه.

اقترب مني ببطء، وعيناه تلمعان بمشاعر حبسها لخمسة عشر عاماً، وأخرج من جيب سترته شيئاً صغيراً ملفوفاً بقماش قطني قديم. فتحه، فإذا به “ميدالية مفاتيح” صغيرة على شكل عجلة، كانت قد سقطت مني يوم وقعت في الشارع وضمّد لي جروحي. صعقتُ ونظرت إليه وعيني تملؤها الدموع: “هل احتفظت بها كل هذا الوقت؟” تنفس بعمق وقال بصوت اهتزت له مشاعري:

“احتفظت بكل شيء يخصكِ. في كل ليلة تعبت فيها في إسطنبول، كنت أنظر إليها وأتذكر الطفلة العنيدة التي تحدت الحي كله وقالت: ‘لن أقبل بغيره’. سألتكِ في المكتب إن كنتِ مقدمة الطلب لتكوني موظفة أم حرم المدير التنفيذي.. والآن، في نفس المكان الذي بدأ فيه كل شيء، أعيد عليكِ السؤال ذاته..” صمت، ونبضات قلبي تسابقت كالمجانين وأنا أنتظر كلماته القادمة التي ستحدد مصيرنا.

ساد الصمت في أرجاء المنور القديم، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسنا المتسارعة. نظرتُ إلى الميدالية الصغيرة في يده، ثم رفعتُ عيني لتلتقي بعينيه؛ نفس النظرة الحنونة التي حمت طفولتي، لكنها الآن محملة بيقين رجل عرف ماذا يريد من الحياة وحارب لأجله. ابتسمتُ والدموع تطير من عيني، لكنها كانت دموع انتصار وفرح، وقلت بنبرة قاطعة لم تخْلُ من عنادي القديم: “أنا لم أطحن نفسي في المذاكرة والعمل لـ 15 سنة لكي أكون مجرد موظفة عادية يا إمرة.. أنا جئت لأستعيد السوبر هيرو الخاص بي، ولأفي بكلمتي التي ضحك عليها الجميع في هذا المكان.”

اتسعت ابتسامته، ولم يتردد لثانية واحدة؛ أخرج علبة مخملية أنيقة من جيبه، فتحها ليظهر خاتمٌ رقيق يلمع تحت ضوء المنور الخافت، وقال: “إذاً، أمام هذا المنور الذي شهد على طفولتكِ وعنادكِ، وأمام الحارة التي شهدت على كفاحي لأجلكِ.. هل تقبلين أن تكوني حرم المدير التنفيذي، وشريكة عمري ورئيسة مجلس إدارة قلبي؟” “أوافق.. بكل تأكيد أوافق!”

وفي تلك اللحظة بالذات، تعالت صيحات الفرح والزغاريد من الأعلى! التفتنا بدهشة لنجد أمي، وجاراتنا القدامى، وحتى بعض أطفال الحي، يطلون من شرفات المنور وهم يصفقون ويضحكون. لقد كانوا يراقبون المشهد من البداية. التفتُّ إلى إمرة وضحكنا معاً من قلبنا، تماماً كما كنا نفعل قديماً، لكن هذه المرة.. لم يستطع أحد أن يسحبني من أذني إلى الداخل، ولم يعد وجه إمرة أحمر من الخجل، بل كان مرفوع الرأس وفخوراً. ### الحكمة من القصة

> **”إن الأهداف العظيمة لا تنال بالبُكاء والتمني، بل بالصبر والسعي والتفوق.”** > علمتني هذه الرحلة أن الحياة لا تعطينا ما نريد لمجرد أننا رغبنا فيه بشدة ونحن صغار، بل تعطيه لنا عندما نكبر ونصبح “أهلاً” لاستحقاقه. * لو أنني استسلمت لغياب إمرة وبكيت على الأطلال، لما وصلت لشركة “غونيش القابضة” كمهندسة متميزة. * ولو أن إمرة استسلمت لفقره ووجعه بعد وفاة جدته، لما عاد يوماً كمدير تنفيذي يشار إليه بالبنان.

العناد الحقيقي ليس في رفع الصوت، بل في الإصرار على النجاح. احرص على أن تطور من نفسك، وتدرس، وتكافح؛ فالمستقبل لا ينتظر الباكين، والقدر يرتخخخع دائماً أمام الساعين بجد، ليجمعنا في النهاية بما نحب.. ولكن في الوقت والمكان المناسبين وبأجمل الطرق.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0