تليفوني رن الصبح

خدت الموبايل من إيده.
ولقيت صورة جوية حديثة لمجمع مخازن مهجور.
أحد المباني متعلم عليه بدائرة حمراء.
ورقم كبير مكتوب فوقه
12
لكن اللي جمد الدم في عروقي…
إن الصورة كانت متصورة
من كاميرا مراقبة مباشرة.
وفي زاوية الصورة ظهر شخص واقف قدام المخزن.
لما كبرت الصورة…
عرفته فورًا.
كان ياسر.
واقف لوحده.
وباصص مباشرة ناحية الكاميرا.
كأنه عارف إنها بتصوره.
وكأنه مستني حد يوصل.
وتحت الصورة وصلت رسالة قصيرة
الساعة 8 مساءً.
لو تأخرتم…
الحقيقة هتختفي للأبد.

وفي نفس اللحظة…
رن موبايلك.
المرة دي الرقم كان ظاهر.
لكن الاسم اللي ظهر على الشاشة خلّى حسن وماما يبصوا لبعض بصدمة.
الاسم كان
فؤاد اتجمدت إيدي فوق الشاشة.
مستحيل.
فؤاد؟
فؤاد اللي التسجيل قال إنه سجل الرسالة من سنين؟
فؤاد اللي المفروض يكون مختفي أو حتى ميت؟
حسن خطف الموبايل وبص للشاشة بنفسه.
الاسم واضح.
فؤاد.
رنّة.
اتنين.
تلاتة.
البيت كله ساكت.
وأخيرًا ضغطت زر الرد.
ألو؟
في البداية ما سمعتش غير نفس هادي.

وبعدين صوت راجل كبير في السن قال
مريم… متروحيش المخزن 12.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
إنت مين؟
سكت لحظة.
ثم قال
أنا الشخص اللي ضيّع حياته وهو بيحاول يحافظ على حياتك.
ماما قامت واقفة فجأة.
فؤاد؟!
الصمت اللي جه بعدها أكد إن الراجل عرفها.
أيوه يا سعاد.
ماما حطت إيدها على بقها.
أما أنا فحسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
إنت عايش؟!
خرجت الجملة من ماما شبه صرخة.
لكن فؤاد ما ردش على السؤال.
وقال بسرعة
اسمعوني كويس. في ناس عايزاكم توصلوا للمخزن.

ده جزء من الخطة.
حسن قرب من السماعة
طب الحقيقة فين؟
رد فؤاد فورًا
الحقيقة مش جوه المخزن… الحقيقة تحت المخزن.
اتبادلنا النظرات.
وفؤاد كمل
في سنة 2001 كان فيه أرشيف كامل اتدفن
تحت المبنى. كل المستندات الأصلية. كل الأسماء. كل التسجيلات.
أنا بلعت ريقي.
وليه محدش طلعها لحد دلوقتي؟
ضحكة حزينة خرجت من الطرف التاني.
لأن أي حد حاول يوصلها اختفى.
الصمت رجع من جديد.
ثم قال
وآخر واحد حاول كان أبوكي.
قلبي وقف.
حرفيًا.
أبويا؟
أيوه.

بس أبويا مات في حادثة عربية.
سكت فؤاد ثواني طويلة.
ثواني كانت كافية عشان أفهم إن الجملة الجاية هتغير كل حاجة.
وقال بهدوء
ماكانتش حادثة.
شهقت ماما.
أما حسن فمسك طرف الترابيزة بقوة.
إنت بتقول إيه؟!
فؤاد رد
أبوكم اكتشف حاجة ماكانش المفروض يكتشفها. وبعد أسبوع واحد… أعلنوا إنه مات في حادث.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
كل ذكرى.
كل صورة.
كل حكاية سمعناها عن وفاة أبويا.
بدأت تتكسر قدامي.
وفجأة…
سمعنا صوت قوي من الناحية التانية للمكالمة.
كأن باب اتكسر.

ثم صوت جري.
وفؤاد قال بسرعة شديدة
لقوني.
اتجمدنا.
اسمعي يا مريم… لو حصل أي حاجة، دوري على المفتاح.
بصيت للمفتاح القديم اللي وصل في المظروف.
أي مفتاح؟
رد بسرعة
المفتاح اللي بعتوهولك. مش مفتاح باب… ده مفتاح صندوق.
صندوق إيه؟
لكن في اللحظة دي سمعنا صوت صراخ بعيد.
ثم دوشة.
ثم ارتطام.
وبعدين…
انقطعت المكالمة.
تمامًا.
حاولت أتصل تاني.
مفيش رد.
مرة.
اتنين.
عشرة.
مفيش رد.
وفجأة وصلت رسالة أخيرة من الرقم نفسه.
صورة فقط.

لا كلام.
لا شرح.
فتحتها.
وكانت الصورة لصندوق حديدي قديم.
عليه نفس الرمز اللي كان موجود في ملف العملية 17.
لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقي…
إن الصندوق كان مفتوحًا.
وفارغًا.

وتحت الصورة سطر واحد
وصلوا قبلكم بخمس دقائق.
وفي أسفل الرسالة…
إحداثيات مكان جديد.
مكان يبعد ساعتين عن القاهرة.
ومرفق معها جملة قصيرة جدًا
إذا أردتم معرفة الحقيقة… هذه آخر فرصة سكت البيت كله.
ولا حد فينا نطق بحرف.
كنا بنبص للإحداثيات
كأنها حكم اتكتب علينا.
حسن كان أول واحد كسر الصمت.
إحنا هنروح.
ماما رفعت رأسها بسرعة
لأ.
النبرة دي كانت مختلفة.
حادة.
حاسمة.
وكأنها شايفة حاجة إحنا مش شايفينها.
المكان ده بالذات ماينفعش تروحوه.
بصيت لها.
ليه؟

اتنهدت ببطء.
وبعدين قالت
عشان ده المكان اللي دفنا فيه الحقيقة أول مرة.
العبارة وقعت علينا زي الصاعقة.
حسن قرب منها
إنتِ كنتِ هناك؟
ما ردتش مباشرة.
لكن عينيها قالت كل حاجة.
كانت هناك.
وشافت حاجة عمرها ما قدرت تنساها.
الساعة كانت قربت على الثمانية بالليل.
ورغم اعتراض ماما…
كنا بالفعل في الطريق.
أنا وحسن.
والملف.
والمفتاح القديم.
وأسئلة أكتر من عدد الإجابات.
الطريق كان فاضي بشكل غريب.
لحد ما وصلنا لمنطقة صحراوية بعيدة.

مفيش بيوت.
مفيش ناس.
مفيش أي علامة للحياة.
غير مبنى واحد.
قديم.
ضخم.
وشبه مهجور.
واقف لوحده وسط الفراغ.
ولما قربنا أكتر…
شفت اللافتة المعدنية الصدئة.
مكتوب عليها
مركز الأبحاث الزراعية الوحدة الشرقية
لكن واضح إنه مقفول من سنين.
ركن حسن العربية.
ونزلنا.
الهواء كان ساكن بطريقة مخيفة.
وكأن المكان نفسه مستني حد.
وأول ما قربنا من الباب الرئيسي…
سمعنا صوت.
خبطة.
من جوه.
أنا وحسن بصينا لبعض.
في حد هنا.
قالها حسن وهو بيطلع الكشاف.

دخلنا بحذر.
الأتربة مالية المكان.
وكل حاجة شكلها متساب من زمن طويل.
لكن الغريب…
إن فيه آثار أقدام حديثة على الأرض.
آثار كتير.
مش شخص واحد.
كأن مجموعة كاملة دخلت قبلنا بساعات.
تبعنا الآثار.
لحد ما
وصلنا لممر طويل.
وفي آخره باب حديد ضخم.
وعلى الباب…
نفس الرمز.
رمز العملية 17.
قلبي بدأ يدق بعنف.
أخرجت المفتاح القديم.
ولأول مرة لاحظت حاجة.
على رأس المفتاح محفور نفس الرمز بالضبط.
بصلي حسن.
جربيه.
قربت.
وأدخلت المفتاح.

في البداية ما اتحركش.
لكن بعد ما لفيته بقوة…
سمعنا صوت ميكانيكي قديم.
تك…
تك…
تك…
ثم اهتز الباب كله.
وببطء شديد…
بدأ يفتح.
الظلام كان وراه كثيف لدرجة إنه باين كأنه جدار أسود.
سلط حسن الكشاف.
ووقتها…
كل الدم هرب من وشي.
لأن الغرفة ما كانتش مخزن.
ولا أرشيف.
ولا حتى معمل.
كانت قاعة ضخمة.
وفي وسطها عشرات الخزائن الحديدية.
كل واحدة عليها اسم.
وتاريخ.
ورقم ملف.
أسماء ناس.
كتير جدًا.
رجال.
نساء.
وأطفال.

بعض الأسماء متشطب عليها بالأحمر.
وبعضها متعلم عليه بكلمة واحدة
مغلق.
لكن وسط كل الأسماء…
كان فيه اسم واحد مضيء تحت نور الكشاف.
اسم خلاني أتجمد مكاني.
مريم سعاد عبد الرحمن
رقم الملف 17
الحالة نشط
أما السطر اللي تحته…
فكان أخطر من أي حاجة شوفناها لحد دلوقتي
تم نقل الأصل. المتبقي نسخة.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت تصفيق هادئ جاي من آخر القاعة.
تصفيق شخص واحد.
ببطء.
وبثقة.
التفتنا بسرعة.
وشفنا راجل خارج من الظلام.
ملامحه بدأت تظهر تدريجيًا تحت الضوء.

ولما قرب…
شهق حسن.
أما أنا فحسيت إن قلبي وقف ثانية كاملة.
لأن الراجل ده…
كان نسخة مطابقة لأبويا.
مش شبهه.
مش قريب منه.
نسخة كاملة.
نفس الوجه.
نفس العينين.
نفس الندبة الصغيرة
فوق الحاجب.
ابتسم بهدوء.
وقال
أخيرًا وصلتي يا مريم.
ثم نظر إلى الملف المفتوح أمامك وأكمل
دلوقتي بقى… أقدر أحكيلك مين أنتِ فعلًا.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0