ابنى عنده تلت ايام

طارق مسك الورقة بإيد بتترعش، قرا الاسم: يونس طارق عبد العزيز.. تاريخ الوفاة: نفس يوم سفره. طارق حس إن الرؤية بتضلم في عينه، وقع على الكنبة والدموع نزلت من عينه فجأة: “ابني.. ابني ما.ت؟” فتحية قعدت هي كمان، وشها اصفر وبقت شبه المومياء، بس اللؤم اللي جواها خلاها تصرخ: “أنتي السبب! أنتي اللي مو.تيه عشان مابتفهميش في العيال! جاية دلوقتي تتشيكي وتتمكيجي وابنك مي.ت؟ أنتي إيه يا شيخة؟ معندكيش دم؟”

مريم متهزتش منها شعرة. فضلت قاعدة مكانها وابتسامتها زادت: “أنا دمي اتصفى يوم ما ابني ما.ت.. دلوقتي أنا معنديش غير تلات حاجات: عقلي، وفلوسي، والوقت اللي هقضيه معاكم.” طارق رفع راسه وهو بيبكي: “أنتي مجنونة؟ إزاي تتدفنيه من غير ما تعرفيني؟ إزاي تعملي كدة؟” مريم وطت عليه وقالت بصوت زي فحيح الأفعى: “أعرفك إزاي وأنت قافل تليفونك وبتتفسح بفلوسي؟ وبعدين مش أنت اللي قلت لي (متخوفش ماما يا بطل وخليك راجل)؟ أهو طلع راجل وما.ت في سكات عشان ميزعجش طارق بيه وهو على البسين.”

قامت مريم وتمشت في الصالة: “المهم.. العياط ملوش لازمة دلوقتي.. الحياة لازم تستمر.. مش كدة يا حجة فتحية؟” فتحية بصت لها برعب: “أنتي عايزة إيه يا مريم؟” مريم لفت وبصت لهم هما الاتنين: “عايزاكم تقعدوا معايا في البيت ده.. البيت اللي أنا دافعة إيجاره ومصاريفه.. طارق طبعاً مش هيقدر يطلقني، لأن مؤخر الصداق بتاعي في عقد الجواز 500 ألف جنيه، وقائمة المنقولات بـ 400 ألف.. ولو فكر يطلقني أو يرمي عليا اليمين، هحبسه بالوصولات والكمبيالات اللي معايا مضياها له لما كان بيفتح شركته الفاشلة.. أنتوا محبوسين معايا هنا بالفلوس والقانون.”

طارق بلع ريقه وصوته اتمسح: “أنتي بتهددينا؟” “أنا بنفذ يا روحي..” مريم فتحت شنطتها وطلعت منها ورق كتير وحطته على التربيزة: “دي إنذارات على يد محضر بكل الديون اللي عليك ليا.. ومن بكرة، طارق هيشتغل في شركتي الجديدة اللي فتحتها باسم بابا الله يرحمه، وهيشتغل موظف صغير بمرتب ثابت هاخد تلات أرباعه عشان أسدد ديوني.. والحاجة فتحية.. من بكرة هتبدأ تنضف الشقة دي بإيدها، حتة حتة، عشان الخدمة اللي كانت بتدلع بيها تخلص.”

فتحية وقفت وزعقت: “أنا أنضف يا جربوعة يا بنت…” قبل ما تكمل، مريم ض.ربت بكاس العصير على التربيزة الإزاز فك.سرته مي.ت حتة، والعصير الأحمر سال كأنه دم. مريم قربت من وش فتحية وعينيها مبرقة برعب حقيقي: “كلمة زيادة يا فتحية.. والورقة اللي معايا اللي بتثبت إنك سرقتي دهب أمي من الدولاب هتروح للنيابة بكرة الصبح.. أنا مصوراكي بكاميرا خفية في الأوضة من شهر.. تحبي تتفرجي على الفيديو ولا تنضفي المطبخ وأنتي ساكتة؟”

فتحية حطت إيدها على بوقها والذهول شلها، مكنتش تعرف إن مريم كشفاها من زمان. مريم بصت لطارق اللي كان قاعد مكسور وبيبكي: “من بكرة يا طارق.. جحيمكم معايا هيبدأ.. هتعيشوا معايا في الشقة دي، وتشوفوني كل يوم وأنا ببتسم، وتفتكروا يونس وهو بيمو.ت أزرق بين إيديا وأنتوا بتشربوا عصير في شرم الشيخ.. مش هسيبكم تمو.توا، هسيبكم تعيشوا وتمو.توا في اليوم مي.ت مرة.”

مرت الشهور، وتحول البيت لثكنة عسكرية مرعبة. مريم بقت تدير كل حاجة بالريموت كنترول. طارق بقى ينزل الشغل الصبح زي الالة، يرجع يرمي المرتب في إيد مريم، وهي تديله مصروف يومه عشرين جنيه بس.. طارق اللي كان بيتنطط بعربيته وبفلوس مراته، بقى يركب الميكروباص ووشه في الأرض، والناس في المنطقة بقوا يتهامسوا عليه وعلى حاله اللي اتقلب.

أما فتحية، فالست اللي كانت بتمشي تتهز في المنطقة وتتأمر على خلق الله، بقت قاعدة في الشقة مابتخرجش. مريم منعاها من الخروج، ومخلياها تعمل كل شغل البيت.. تمسح وتطبخ وتغسل، ولو مريم لقت غلطة واحدة في الأكل أو النضافة، تمنع عنها الأكل باليومين وتفكرها بالفيديو بتاع السرقة وبابنها اللي هيتحبس.

طارق وفتحية بقوا عايشين في رعب مستمر. مريم مكانتش بتزعق، مكانتش بتشتم، كانت دايماً هادية، بتتكلم بصوت واطي، وتلبس أحسن لبس، بس نظرة عينيها كانت كفيلة تخلي جسمهم يقشعر. طارق حاول كذا مرة بالليل يقرب منها، يبكي ويطلب السماح: “مريم.. عشان خاطر ربنا سامحيني.. أنا غلطت وشايل ذنب ابني في رقبتي ليوم الدين.. ارحميني وخلينا نعيش طبيعي.” مريم كانت تبص له ببرود وتقول له: “الطبيعي ما.ت مع يونس يا طارق.. نام تصبح على خير عشان وراك صحيان بدري للميكروباص.”

العذاب النفسي كان بياكل فيهم. فتحية بدأت تخس بشكل مرعب، وشعرها شاب كله، وبقت تجري في الشقة وتكلم نفسها. طارق بدأ يشرب مهدئات عشان يعرف ينام، وكل ما يغمض عينه يشوف يونس وهو وشه أزرق وبيقول له: “متخوفش ماما يا بطل.” بعد سنة كاملة من الجحيم ده. في يوم، مريم كانت قاعدة في الصالة، وطالبت طارق وأمه يقعدوا قدامها. شكل طارق كان منتهي، دقنه طويلة ومبهدلة، وهدومه دبلانة، وفتحية قاعدة ضهرها محني وبتترعش من الخوف.

مريم حطت قدامهم ظرفين كبار. “إيه ده يا مريم؟” طارق سأل بصوت مكسور. مريم ابتسمت ابتسامتها المعهودة: “ده ظرفك يا طارق.. جواه ورقة طلاقنا.. أنا طلقتك غيابي النهاردة.” طارق بص لها بذهول: “طلقتيني؟” “أيوة.. والظرف التاني ده فيه عقد بيع الشقة دي.. أنا بعت الشقة دي من أسبوع، والمشتري هييجي يستلم بكرة الصبح.. والفلوس اللي كانت عليك كلها أنا سويتها وخدت حقي تالت ومتلت من الشغل اللي اشتغلته معايا ومن الأرباح اللي حجزت عليها.”

فتحية رفعت راسها بلهفة: “يعني إحنا هنمشي من هنا؟ خلاص.. سبتينا في حالنا؟” مريم بصت لفتحية بنظرة خلت قلب العجوزة يقف: “أنا خلاص خدت حقي منكم نفسياً ومادياً.. دمرتكم وخليتكم شبه الأموات.. ودلوقتي هرميكم في الشارع.. طارق معندوش مليم في البنك، والشركة بتاعته اتقفلت، وأنتي يا فتحية دهبك كله اتباع عشان تسددي ديون ابنك اللي أنا حجزت عليها.. أنتوا دلوقتي برا البيت ده.. ملكمش ملجأ ولا مأوى.” طارق بكى بحرقة: “ماشي يا مريم.. ماشي.. أنا استاهل كل ده.. بس على الأقل ارتحنا من العذاب ده.”

مريم قامت وقفت، وراحت شالت شنطتها الشيك، وبصت لهم من عند الباب وقالت بلهجة غامضة خلت الدم يتجمد في عروقهم: “أنتوا فاكرين إن العذاب خلص لمجرد إنكم خرجتوا من بيتي؟” طارق وفتحية بصوا لها برعب: “قصدك إيه؟” مريم ضحكت ضحكة رنت في الشقة الفاضية: “أنا مكنتش حابة أدخل الشرطة من سنة عشان مكنتش عايزة السجن يرحمكم مني.. بس دلوقتي، بعد ما أنا خدت حقي بإيديا ودمرتكم ماديًا ونفسيًا وصحتكم راحت.. جه وقت القانون.”

طلعت مريم من الشنطة جهاز تسجيل صغير، وضغطت على زرار التشغيل. طلع من الجهاز صوت الحاجة فتحية وهي بتقول بوضوح من سنة: “مش هسيبك تطلبي النجدة وتعملي لنا فضيحة في المنطقة… الواد شوية برد وجالوا للواد” وصوت طارق وهو بيقول: “أمي بتتكلم صح.. أنتي بتشوفي حاجات مش موجودة.. غطيه كويس ونامي”، وصوت صراخ مريم وهي بتستغيث وتطلب الموبايل وهما بيقفلوا الباب ويرزعوه. طارق وقف مصدوم: “أنتي.. أنتي سجلتي لنا؟”

مريم ابتسمت بعيون تلمع بالشر القاتل: “التسجيل ده.. مع شهادة الست أم أحمد اللي شافتني خارجة بالواد مي.ت.. مع التقرير الطبي اللي الدكتور كتبه يومها وشيلته معايا.. كله اتسلم للنيابة العامة من ساعتين بس.. بتهمة القت/ل العمد مع سبق الإصرار والترصد بالامتناع عن تقديم المساعدة لجنين مريض وسرقة وسائل الاتصال.” في نفس اللحظة.. سمعوا صوت سارينة عربية الشرطة وهي بتقف تحت العمارة.. وصوت خطوات تقيلة وسريعة طالعة على السلم.. وصوت خبط عنيف على الباب: “افتح يا طارق.. معاك مباحث قسم قصر النيل.. معانا أمر ضبط وإحضار ليك ولوالدتك!”

مريم بصت لطارق وأمه اللي وقعوا على الأرض من الصدمة والتبول اللاإرادي من الرعب، وقربت من الباب، فتحته للعساكر، وبصت وراها وقالت لهم ببرود: “سجنكم هيبدأ دلوقتي.. بس السجن الحقيقي مش الحيطة.. السجن هو صوت يونس اللي هيفضل يصرخ في ودانكم جوة الزنزانة ومحدش هيسمعكم.. زي ما أنا صرخت وملقتش حد يسمعني.” مريم خرجت من الشقة وراحت في طريقها، والعساكر دخلوا يقبضوا على طارق وأمه وهما بيصرخوا.. لكن الصدمة الكبيرة.. المفاجأة اللي مكانتش مريم نفسها عارفاها ولا طارق، كانت مستنياهم كلهم في النيابة.. مفاجأة هتقلب الق/ضية كلها وتخلي الانتقام ياخد شكل تاني خالص ومرعب أكتر بكتير!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2