الجزء الاول
مرات أبويا كانت عايزه ترميني بره البيت..
كان عندي ست سنين بس… سن صغير أوي إني أفهم يعني إيه فقد، أو يعني إيه الدنيا فجأة تقرر تاخد منك كل حاجة بتحبها.
حكايات منــال عـلـي
لحد اليوم ده، كنت فاكرة إن حياتي بسيطة. عايشة مع سِتّي في شقة قديمة في شبرا، كل ركن فيها ليه حكاية، وكل صباح أصحى على ريحة الفول وهو بيستوي، وصوت الراديو شغال على أغاني الزمن الجميل. سِتّي كانت بالنسبالي الأم والأب والدنيا كلها.
أما أمي… فكانت مجرد صورة قديمة في درج التسريحة. ماتت وأنا لسه رضيعة، وكل اللي أعرفه عنها حكايات كانت سِتّي بتحكيهالي قبل النوم. حصري على صفحه روايات واقتباسات وأبويا؟ كنت أعرف إن عندي أب… لكن عمري ما شوفته. كان بالنسبة لي مجرد اسم بيتقال من بعيد، من غير ملامح ولا ذكريات. وفي يوم… كل حاجة اتغيرت. رجعت من المدرسة لقيت البيت مليان ناس، والهمس مالي المكان، والستات بيعيطوا. دورت على سِتّي. ناديت عليها. محدش رد.
فضلت أجري من أوضة لأوضة وأنا مش فاهمة ليه الكل بيبصلي بعين كلها شفقة. لحد ما خالتي حضنتني جامد وهي بتعيط. وقتها بس فهمت… سِتّي سابتني. من بعدها حسيت إن الدنيا بقت واسعة أوي… وأنا فيها لوحدي. بعد كام يوم، خالتي قالتلي: يلا يا منة… هنروح مكان. ركبنا تاكسي، وأنا حضنة عروستي القماش اللي كانت سِتّي عملاهالي بإيديها. كنت طول الطريق بسألها: رايحين فين؟ فترد: هتعرفي. وقفنا قدام عمارة كبيرة ونضيفة. بصيتلها باستغراب. قالت وهي بتاخد نفس طويل:
هنا ساكن أبوكي. الكلمة وقعت على وداني غريبة. أبويا؟ يعني إيه؟ هو كان موجود طول السنين دي؟ طب ليه عمره ما جه؟ وليه أنا أول مرة أروحله دلوقتي؟ بصيتلها وسألتها بصوت كله خوف: طب… هرجع مع سِتّي إمتى؟ خالتي غمضت عينيها، ودموعها نزلت من غير ما تعرف ترد. ساعتها قلبي انقبض. طلعت السلم وإيدي ماسكة في إيدها كأني لو سيبتها هقع. رنت الجرس. ثواني… والباب اتفتح. واقف قدامي راجل طويل، شكله مرهق، دقنه طالعة، وتحت عينيه سواد كأنه ما نامش من أيام.
أول ما شافني، فضل يبصلي كذا ثانية من غير كلام. وبعدين قال بصوت مخنوق: انتي… منة؟ هزيت راسي. فجأة حضني بكل قوته. كان بيعيط. عيط حقيقي. لدرجة إني اتخضيت. وأنا واقفة مش فاهمة… هو ليه بيعيط؟ بعدها بسنين عرفت الحقيقة. عرفت إن سِتّي كانت قاطعة أي تواصل بيني وبينه. كانت شايفة إنه زمان كان مستهتر، وخافت يضيعني. لكن هو عمره ما بطل يدور عليا. فضل سنين يسأل ويحاول يعرف أنا فين. وأول ما عرف إن سِتّي توفت… جري عليا.
لكن حضنه ما كملش. لأن صوت حاد خرج من جوه الشقة. البنت دي بتعمل إيه هنا؟ رفعت راسي. لقيت ست في آخر التلاتينات، واقفة مكتفة إيديها، وباصالي من فوق لتحت كأني ضيفة تقيلة جات في وقت غلط. أبويا بلع ريقه وقال بهدوء: دي بنتي. ضحكت ضحكة كلها سخرية. بنتك؟ بعد السنين دي كلها افتكرتها؟ وبعدين بصتلي وقالت: وأنا مش هربي عيال مش عيالي. الكلمة نزلت على قلبي زي الحجر. حسيت إني عبء. وحسيت إن وجودي تقيل.
وطيت راسي وأنا مستنية اللحظة اللي هيقولولي فيها: “يلا امشي.” لكن قبل ما أي حد يتكلم… طلع تلاتة أولاد من أوضتهم. إخواتي. أول مرة أشوفهم. الكبير كان طويل، وفي وشه ملامح جدعنة. بصل أمه باستغراب وقال: هو إنتِ قلتي إيه؟ قالت بعصبية: قلت مش عايزة البنت دي تعيش هنا. رد عليها بسرعة: ليه؟ عشان دي مش بنتي. سكت ثانية… وبعدين قال: بس هي بنت بابا. البيت كله سكت. أبويا أخد نفس وقال بحزم: منة هتعيش معانا… مهما حصل.
مرات أبويا زعقت: يبقى اختار. يا هي… يا أنا. الكلام وقع في البيت كأنه قنبلة.
وووو
يتبع.. الجزء الثاني
أنا قلبي كان بيدق بسرعة. كنت متأكدة إن أبويا هيختارها. ما هو عاش معاها سنين… أما أنا… فبنت جاية فجأة. فضل ساكت شوية. وقبل ما ينطق… أخويا الكبير اتحرك خطوة لقدام وقال: تمام… لو هي هتمشي… إحنا كمان هنمشي. مرات أبويا شهقت. نعم؟! أخويا التاني دخل أوضته، وبعد أقل من دقيقة خرج وهو شايل شنطة ضهره.
وقال بمنتهى الهدوء: بابا دايمًا علمنا إن العيلة مبتتسابش. ولو منة مش هتعيش هنا… إحنا كمان مش هنعيش. أما أخويا الصغير… فجالي بهدوء، ومد إيده الصغيرة ناحيتي. ابتسم وقال: متخافيش… أنا عندي لعب كتير. هنلعب سوا. في اللحظة دي… أنا مقدرتش أمنع دموعي. أول مرة في حياتي أحس إن حد بيدافع عني. مرات أبويا بدأت تصرخ. إنتوا اتجننتوا؟! أنا أمكم! أخويا الكبير بصلها بحزن وقال: وعشان إنتِ أمنا… كان المفروض تكوني أول واحدة تحتويها. ساعتها…
أبويا رفع صوته لأول مرة. صوت هز البيت كله. وقال بمنتهى الحسم: القرار انتهى. بنتي هتفضل هنا. واللي مش قادر يتقبل ده… الباب قدامه. مرات أبويا بصتله بصدمة… وبصتلنا كلنا. وبعدين خطفت شنطتها، وخرجت وهي مخبطة الباب بعنف لدرجة إن الصور اللي على الحيطة اتهزت. وقفت مكاني مرعوبة. وسألت نفسي…
بعد ما خرجت مرات أبويا وهي مخبطة الباب بعنف، البيت كله غرق في صمت غريب. أنا كنت واقفة في نص الصالة، ماسكة عروستي القماش، ومش عارفة أبص لمين.
كنت حاسة بالذنب. حاسة إن كل اللي حصل كان بسببي. بصيت لأبويا وقلتله بصوت واطي: لو أنا همشي… هي ممكن ترجع؟ لف ناحيتي بسرعة، نزل لمستوايا، ومسح دموعي بإيده وقال: