ضرتي كانت كل يوم تبعت ابنها ياخد أكل بناتي من التلاجة، ولما اعترضت قالت ابني هو وريث أبوه، عيالك بنات وهيمشوا.
جوزنا سمعها وسكت.
واللي وجعني مكنش كلامها.
اللي وجعني إنه منزلش عينه حتى من الموبايل.
ضرتي كانت ساكنة في الدور اللي فوقنا.
كل يوم ابنها ينزل.
يفتح التلاجة.
ياخد اللحمة والفراخ والفاكهة اللي جايباها لبناتي.
وأول ما أتكلم تقول
سيبيه ياكل ده ولد وبيكبر.
في يوم رجعت من الشغل، لقيت بنتي الصغيرة بتاكل عيش وجبنة.
سألتها
الفراخ اللي سيبتها فين؟
قالت
أخويا خدها.
طلعت لضرتي.
ابنك مينفعش يدخل بيتي وياخد حاجة من غير إذني.
ضحكت.
بيتك؟
وبعدين قالت قدام جوزنا
ابني هو وريث أبوه عيالك بنات وهيمشوا على بيوت أجوازهم.
بصيت لجوزي.
استنيته يتكلم.
لكنه سكت.
قلتله
إنت موافق؟
قال
متكبريش الموضوع عشان شوية أكل.
دخلت أوضتي.
ولأول مرة، مقفلتش الباب عشان أعيط.
قفلته عشان أعمل مكالمة.
بعد أسبوع، المحامي خبط الباب.
كنا كلنا قاعدين.
دخل، فتح ملف، وقال
أنا جاي بخصوص ملكية البيت.
ضرتي ابتسمت.
خير؟ جوزي هيكتب البيت لابنه؟
المحامي بص لها باستغراب.
جوزك؟
وبعدين بص لجوزنا وقال
حضرتك مبلغتهمش؟
وش جوزي اتغير.
قلت
يبلغنا بإيه؟
المحامي طلع ورقة.
البيت ده مش ملك الأستاذ محمود.
ضرتي ضحكت.
أمال ملك مين؟
المحامي بصلي.
ملك والد الست نادية.
البيت كله سكت.
أبويا كان اشتراه قبل جوازي وسجله باسمي، لكنه طلب مني عمر ما أقول لجوزي.
كنت فاكرة إنه ظلــ,,ـــــمه.
لكن قبل ما ېمــ,,ـــــوت قاللي
هييجي يوم وتعرفي ليه عملت كده.
ضرتي صړخت
يعني إيه؟! إحنا عايشين في بيتها؟!
المحامي قال
مش دي المشكلة.
فتح ورقة تانية.
الست نادية طلبت تقسيم العقار رسميًا.
ضرتي بصتلي.
تقسيم إيه؟
قلت
الدور اللي فوق هيتأجر وإنتِ وابنك قدامكم شهر تخرجوا.
جوزي وقف.
إنتِ بتطردي ابني؟!
بصيتله.
لأ بطرد اللي قال لبناتي إن مالهمش مكان في بيتهم.
ضرتي بدأت تصرخ.
لكن المحامي رفع إيده.
لو سمحتي، أنا لسه مخلصتش.
طلع ورقة تالتة.
وبص لجوزي.
في مشكلة أكبر.
مشكلة إيه؟
البيت صحيح باسم مدام نادية لكن الأرض اللي تحته مسجلة باسم شخص تاني.
بصيتله باستغراب.
مين؟
المحامي حط الورقة قدامي.
قرأت الاسم.
وكان اسم ابن ضرتي.
ضحكت ضرتي بانتصار.
شوفتِ؟! قولتلك ابني هو الوارث!
لكن المحامي قال
استني حضرتك فاهمة غلط.
فتح نتيجة تحليل نسب كانت مرفقة بالملف.
وبص لجوزي.
والدك قبل ۏفاته شك في حاجة وطلب التحليل ده يتعمل سرًا.
جوزي خطڤ الورقة.
قرأ النتيجة.
وشه بقى أبيض.
ضرتي صړخت
الورقة دي كدب!
المحامي قفل الملف وقال
للأسف لا لأن ابن حضرتك مش ابن الأستاذ محمود.
ضرتي وقعت على الكرسي.
لكن أنا كنت لسه ببص في الورقة.
لأن تحت نتيجة التحليل كان فيه اسم الأب الحقيقي.
اسم أعرفه كويس.
رفعت عيني ناحية جوزي.
وقلت
هو مش ابنك فعلًا هو أخوك.
بقيت الكلمات معلقة في الهوا كأنها صخرة سقطت في بحر ساكن، ما كانتش صوت غير دقات الساعة القديمة في الصالة، ونسيم الباب المفتوح بيحرك ستارة الشبشب ببطء، كأن الزمن نفسه وقف ليتأكد من اللي سمعه.
جوزي محمود بقي ماسك الورقة بيده اللي رجعت ترتجف، أصابعه كانت بتعصر الورقة لحد ما حوافها اتجعدت، عينيه كانت بتدور على الكلام تاني وتالت، كأنه بيحاول ېكذب عينيه، يلاقي خطأ، يلاقي أي حاجة تخلصه من الصدمة اللي شلت قلبه. بص لضرته الأولى زينب، بص للولد اللي كان واقف وراها، ووجهه كان شاحب كالجص، ولسانه ما طلعش صوت غير همس مكسور
إيه بتقولي يا نادية؟ إيه معنى الكلام ده؟ كيف يكون أخوي؟!
زينب كانت لسه قاعدة على الكرسي، جسمها بيتنفض، عيونها مليانة دموع وڠضب وخوف، لما سمعت الكلام ده قامت فجأة كأنها نست كل قوتها، وصړخت بصوت عالٍ
كدابة!
كل ده كدب وعملة منك عشان ټنتقمي! ابني مش أخوه، ابني ابن محمود وابن الأب وورث كل حاجة! إنتِ اللي جبتِ المحامي الكداب ده تفضحنا!
المحامي سكت شوية عشان تهدأ شوية، وبعدين قال بصوت هادئ لكن قوي
التحليل ده عمله المرحوم الحاج سليم والد الأستاذ محمود بنفسه، قبل ما يتوفى
بثلاث سنين. طلب مني أحتفظ بالنتيجة، وما أظهرهاش غير لو حصل ڼزاع على الملكية أو الحقوق. والورقة اللي تحت النتيجة دي خطاب بخط يده، بيشرح فيه كل حاجة.
طلع الخطاب من الملف، وقراه بصوت واضح
ابني الغالي محمود، لو بتقرا الكلام ده، يبقى السر اللي خبيته طول السنين لازم يطلع للنور. زينب لما كانت متزوجة منك، كانت بتخونك مع أخوك الكبير كريم، اللي كان مسافر في العمل في الخارج. لما عرفت إنها حامل، جيتك وقلتلك إن الولد ابنك، وكرّمته وسكت عشان سمعة العيلة، وعشان ما تتفكك الأسرة. طلبت تحليل النسب عشان أتأكد، والنتيجة أكدت شكي الولد مش ابنك، هو ابن كريم أخوك. كريم ماټ في حاډث قبل ما يعرف بالحمل، فطلبت من الجميع السكوت، وقلت لنفسي الزمن كفيل بيكشف الحق.
والبيت والأرض ما كانوش ليكونوا لغير أهل الحق، فما تاخدش حق حد بيده، وما تظلــ,,ـــــمش حد.
لما خلص المحامي القراءة، محمود وقع على أقرب كرسي، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين، كأنه حمل حجر ضخم فوق قلبه ولسه بيلاقيه صعب يصدق. تذكر السنين كلها، تذكر كيف كان بيحب الولد، كان بيعتبره فلذة كبده، كان بيضحي بكل حاجة عشان يربيه، وآخر الأمر يكتشف إنه مش ابنه، بل هو ابن أخيه اللي كان بيحبه أكتر من نفسه، وإن زوجته خدعته طول العمر، وإن هو سكت عن ظلــ,,ـــــم زوجته لبناتي عشان ولد مش من دمه ولا لحمه.
بص لي نظرة ما أقدرش أصفها، نظرة مليانة ندم وعار وطلب عفو، وقال بصوت مكسور
سامحيني يا نادية سامحيني عشان كنت أعمى، عشان كنت ساكت، عشان صدقت كلامها ونسيت حق بناتي وحقك ما كنتش أعرف، والله ما كنتش أعرف حاجة من كل ده.
زينب ما عادتش تقدر تتكلم، كانت واقفة كالتمثال، عيونها بتشوف كل حاجة بتتكسر قدامها، كل الأكاذيب اللي بناها طول السنين بتسقط ورا بعض، وكل الكلام اللي كانت تقوله عن الورث والحق والذكورة بقي مجرد هواء في الهوا.
الولد اللي اسمه أيمن كان واقف في الزاوية، وجهه متغير، ما كانش فاهم إيه اللي بيحصل، لحد ما بص لزينب وقال بصوت ضعيف
يا ماما هو صح الكلام ده؟ أنا مش ابن الأستاذ محمود؟
زينب بصت له، ودموعها نزلت غزيرة، وما عرفتش ترد، بس هزت راسها ببطء، والولد وقع على الأرض وبدأ يعيط بصوت مكتوم، كأنه فقد كل حاجة في لحظة.
بعد شوية هدأت الأصوات شوية، قلت للمحامي
لو سمحت، ممكن تشرح لنا موضوع الأرض بالتفصيل؟ لأن اللي فهمته إنها مسجلة باسم أيمن، بس إيه وضعها الحقيقي؟
المحامي هز راسه وابتسم ببساطة
صحيح، الأرض مسجلة باسم أيمن، بس لما كان الحاج سليم بيشتريها، كان كاتب في العقد شرطًا خاصًا إن الملكية تظل باسم أيمن بس بشرط أن يكون ابنًا شرعيًا للأستاذ محمود، وإن لم يكن كذلك، تنتقل الملكية بالكامل لورثة الحاج سليم الشرعيين. وورثته الشرعيين هنا هم الأستاذ محمود وأخوه كريم وكرّم الله كريم وورثته هم أيمن نفسه. يعني الأرض بتقسم نصين نص لمحمود، ونص لأيمن. لكن البيت مبني على الأرض دي، والبيت نفسه ملكك بالكامل يا ست نادية، ولا حق لأحد فيه لا لمحمود ولا لغيره.
سكت شوية وبعدين كمل
والدك يا ست نادية لما سجل البيت باسمك، كان عارف تمامًا بكل تفاصيل القصة دي، وكان عارف إن ممكن يحصل ڼزاع، فكان بيضمن لك حقك وحق بناتك، عشان ما يضيع حقكم تحت أي ذريعة.
محمود بص لي بدهشة
يعني أبوكي كان