الحلقة الأولى خلف لوح الزجاج المخدوش
كانت عقارب الساعة المعلقة فوق باب قاعة الاستقبال في سجن طرة تتحرك ببطء قاټل، يصدر عنها تكتكة رتيبة تشبه ضـ,ـربات مطرقة فوق رأسي. الهواء هناك كان ثقيلًا، مشبعًا برائحة الرطوبة، والكلور الرخيص، وأنفاس مئات البشر الذين يسحقهم الانتظار. كنت في السابعة والعشرين من عمري، لكنني حين نظرت إلى انعكاس وجهي في مرآة الحمام المتسخة قبل الدخول، بدوت وكأنني عبرت الأربعين.
الديون كانت تطوق عنقي كحبل مشنقة يزداد ضيقًا كلما أشرقت شمس يوم جديد، وإيجار الشقة المتأخر لثلاثة أشهر ېهدد بطردي أنا وشقيقي الأصغر إياد الذي لم يكن له في الدنيا سواي بعد وفات والدينا في حاډث سير تركنا على الهامش. عندما جاءتني والدة سليم، السيدة ثريا، لم تكن تبحث عن زوجة لابنها، بل كانت تشتري طوق نجاة لسمعة عائلتها ومستندًا قانونيًا يمكن للمحامين استخدامه لاستعطاف القاضي في الاستئناف؛ رجل متزوج وله زوجة تنتظره بالخارج. ألفا دولار كل شهر. كان هذا الرقم بالنسبة لي ليس مجرد مال، بل كان جدارًا سميكًا يحميني من الشارع، ويضمن ل إياد طعامه ومدرسته.
لم أسأل إن كان سليم بريئًا أم مذنبًا، ولم يكن يهمني أنه يقضي عقۏبة السچن لاثني عشر عامًا پتهمة اختلاس ملايين من أموال الجمعية الخيرية التي تديرها عائلته العريقة. وافقت قبل أن يرتد إليّ طرفي، وقبل أن يصحو ضميري الذي خدرته الحاجة.
كتبنا الكتاب داخل مكتب السچن الكئيب. لم يكن هناك زغاريد، ولا فستان أبيض، ولا شموع. فقط موظف حكومي غارق في أوراقه، وعسكري يقف عند الباب بنظرات متشككة، ولوح زجاجي سميك مخدوش يفصل بين عالمين. عندما جلس سليم أمامي لأول مرة، كنت أتوقع أن أرى مجرمًا قاسيًا، أو رجلًا مكسورًا تملأ عينه المرارة والعدوانية.
لكنني وجدت رجلًا هادئًا بشكل مرعب، في عينيه عمق غريب لم أستطع تفسيره حينها. نظر إلى يدي اليرتعشتين وهما توقعان على دفتر الزواج، ثم رفع نظره إليّ، وابتسم ابتسامة باهتة التقطت روحي من وسط ركام الخۏف. قال لي بصوت منخفض وعميق عبر سماعة الهاتف السلكية أنا آسف يا ريم.. آسف لأن ظروفك هي اللي جابتك هنا. صعقتني كلماته؛ كيف عرف؟ كيف لمح في عيني قصة الفقر والاضطرار التي حاولت إخفاءها وراء مساحيق التجميل الرخيصة؟ في تلك اللحظة، بدأ الاتفاق البارد يتحول في داخلي إلى شيء آخر لم أكن مستعدة له.
الحلقة الثانية الرسائل المنسية على الهامش
مرت الشهور الأولى ثقيلة، كنت ألتزم بالاتفاق حرفيًا؛ أزوره مرتين في الشهر، وأحمل له حقيبة صغيرة من الأطعمة والملابس البيضاء التي اشترطتها إدارة السچن. في البداية، كنت أمارس دور الزوجة الوفية كالممثلة التي تحفظ نصًا مسرحيًا باردًا. كنت أتحدث عن الطقس، وعن الغلاء، وأختلق قصصًا عن جيراني لأملأ وقت الزيارة المحدد بعشرين دقيقة. لكن سليم لم يكن مستمعًا عاديًا. كان ينصت لكل تفصيلة صغيرة أقولها كأنها وحي. تذكر اسم شقيقي إياد دون أن أكرره، وفي الزيارة الثالثة، فاجأني عندما قال كل سنة وإياد طيب.. بكره عيد ميلاده العاشر، صح؟ شعرت بوخزة حادة في قلبي؛
أمه نفسها لم تتذكر هذا التاريخ.
بدأت الرسائل تصلني منه عبر المحامي. لم تكن رسائل حب ملتهبة، بل كانت تفاصيل دافئة تسأل عن يومي، وعما إذا كنت قد تناولت طعامي، ونصائح صغيرة لكيفية التعامل مع عناد إياد في المذاكرة. لكن الشيء الذي كان يستوقفي دائمًا، هي تلك الرسومات الصغيرة الدقيقة التي كان يخطها بقلم رصاص جاف على هوامش الأوراق الفولسكاب؛ طيور تحلق فوق جدران عالية، تفاصيل دقيقة لبيوت قديمة بشبابيك مفتوحة تشع منها النور، ووجه امرأة غامض لم أتبين ملامحه في البداية لكنني شعرت أنه يشبهني في لحظات شرودي.
بمرور الوقت، وجدت نفسي أنتظر يوم الخامس عشر والثلاثين من كل شهر ليس لأجل الظرف المالي الذي كانت تسلمني إياه السيدة ثريا، بل لأجل تلك الدقائق العشرين التي أرى فيها وجهه وراء الزجاج المخدوش. بدأت التمبثيليات تتساقط عني كأوراق الخريف الشاحبة، وبدأت الحقيقة العاړية تظهر أنا لم أعد مهتمة بالمال، أنا بدأت أرتبط بهذا السجين.
الحلقة الثالثة هوس الغرفة المظلمة
في ليلة شتوية عاصفة، بعد أن نام إياد، جلست في الصالة الصغيرة وأمامي كوب الشاي الدافئ. كان هناك شيء ينهش عقلي.
كيف لرجل بهذا النبل، بهذه الرقة في التعامل، وهذا الصفاء النفسي، أن يسـ,ـرق أموال الأيتام والمرضى من جمعية عائلته؟ تذكرت تفصيلة صغيرة قالها لي في آخر زيارة عندما سألته عن الجمعية، حيث شرد وقال المال الحړام يعمي القلوب يا ريم، بس الأعمى الحقيقي هو اللي بيفتكر إن الچـ,ـريمة كاملة. لم أفهم قصده وقتها، لكن كلماته دفعتني للنبش. في اليوم التالي، طلبت من محامي العائلة نسخة كاملة من أوراق القضية بحجة أنني أريد فهم الموقف القانوني لعلنا نجد ثغرة للاستئناف. المحامي أعطاني الملف بنظرة ساخرة كأنه يقول لا تتعبي نفسك، التهمة لابسته لابسته.
تحولت غرفتي إلى ما يشبه مكتب تحقيق جنائي.
فرشت الأوراق على الأرض، وبدأت أقرأ آلاف الصفحات من التحقيقات، ومحاضر الجلسات، وتقارير خبراء وزارة العدل. سهرت الليالي حتى تخرجت خيوط الفجر الأولى، أقارن بين التواريخ والتوثيقات. وفجأة، بدأت الأمور تتضح لي كمن يرى لوحة زيتية بعد إزالة الغبار عنها. كان هناك تضارب صارخ في التواريخ؛ سليم كان مسافرًا خارج البلاد في التاريخ الذي وُقعت فيه شيكات سحب المبالغ الكبيرة من البنك المعتمد للجمعية. كيف لم يلتفت المحامي لذلك؟ والأغرب، أن هناك توقيعًا واحدًا رئيسيًا كان ينقصه الختم المعتمد لسليم، ورغم ذلك تم تمريره.
والأكثر رعبًا، هو الشاهد الأساسي في القضية، محاسب الجمعية المدعو مدحت، الذي أدلى بشهادته التي أدانت سليم بالكامل، ثم اختفى في اليوم التالي تمامًا وسافر إلى دولة أوروبية دون أن يترك أثرًا أو يطالب بمستحقاته نهاية الخدمة. هناك مؤامرة حيكت بذكاء شديد، وسليم تم تقديمه ككش ملك في رقعة شطرنج قڈرة.
الحلقة الرابعة رحلة فوق جمر المحاكم
منذ تلك الليلة، انمحت ريم القديمة؛ ريم المستسلمة لفقرها وخۏفها. تحولت إلى امرأة تقـ,ـاتل بأسنانها وأظافرها في ردهات المحاكم ومكاتب المحامين الكبار.
كنت أستيقظ في السادسة صباحًا، أترك إياد عند جارتي، وأذهب لأقف بالساعات أمام مكاتب مستشاري القانون، شايلة ملفات ضخمة كادت تقصم ظهري. كنت أترجاهم، وأبكي أحيانًا، وأعرض عليهم كل ما أملك من المال الذي أدخرته من راتب السيدة ثريا ليعيدوا دراسة القضية. في البداية، كانوا يطردونني أو ينظرون إليّ كزوجة مچنونة ترفض تصديق أن زوجها لص. لكنني لم أستسلم. كنت أذهب إلى نقابة المحامين، وأبحث في السجلات عن أي خيط يوصلني للمحاسب الهارب مدحت.
في إحدى الزيارات، نظرت إلى سليم عبر الزجاج، كانت عيناي محاطتين بالهالات السوداء من قلة النوم، ويداي ملطختين بحبر الأوراق القانونية.
نظر إليّ طويلاً، ولم يسألني لم أبدوا هكذا، ولم يسألني عن سبب غيابي عن بعض مواعيد الرسائل. قال لي فقط ريم.. ارحمي نفسك. أنا تعودت على الجدران دي، مش عايز الجدران دي تتنقل لقلبك.دمعت عيناي، وضعت كفي على الزجاج المخدوش في نفس المكان الذي وضع فيه كفه من الجانب الآخر، وقلت له بصوت متهدج مش هسيبك هنا يا سليم.. لو كان ده آخر شيء هعمله في حياتي. في تلك اللحظة، وسط برودة السچن وظلمته، عرفت أنني لم أعد أدافع عن سجين غريب؛ أنا كنت أدافع عن الرجل الذي امتلك قلبي بالكامل، الرجل الذي علمني كيف أحب الحياة وأنا في أوج بؤسي.
الحلقة الخامسة سقوط القناع وانكشاف اللعبة
مرت ثلاث سنوات على تلك الطاحونة اليومية. ثلاث سنوات من الأمل والانتكاسات، حتى جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء. بفضل إصراري ومساعدة محامٍ شاب مخلص آمن بالقضية بعد أن رأى المستندات التي جمعتها، استطعنا الوصول إلى طرف خيط مرعب من خلال تحويلات بنكية سرية تمت في نفس فترة الاختلاس. الصدمة كانت تفوق الاحتمال. الشخص الذي حوّل الأموال، والشخص الذي زوّر توقيع سليم بدقة متناهية، والشخص الذي دفع للمحاسب مدحت ملايين الدولارات ليختفي ويشهد زورًا، لم يكن سوى رائد.. ابن عم سليم، والذراع الأيمن لوالدته ثريا في إدارة أعمال العائلة.
كان رائد هو الابن المدلل الذي يقف دائمًا خلف الستار، الرجل الهادئ ذو الابتسامة الدبلوماسية الذي كان يحضر لجلسات المحاكمة ويواسي السيدة ثريا ويعدها بأنه سيفعل المستحيل لإخراج سليم. الغرض كان واضحًا إزاحة سليم تمامًا من مجلس إدارة المجموعة والجمعية ليخلو له الجو للاستيلاء على الثروة كاملة، ومستغلاً ثقة سليم المطلقة فيه حيث كان يترك له دفاتر الشيكات الموقعة على بياض لحالات الطوارئ. عندما واجهنا المحكمة بالأدلة الجديدة، وشهادة المحاسب مدحت التي سجلناها عبر مكتب محاماة دولي في الخارج بعد أن عثرنا عليه يعيش تحت اسم مستعار، اڼهارت القضية تمامًا كبيت من ورق.
المحكمة أصدرت حكمها التاريخي براءة سليم من كل التهم المنسوبة إليه، وإحالة أوراق رائد إلى النيابة العامة پتهم التزوير والبلاغ الكاذب والاخـ,ـتلاس.
الحلقة السابعة الحرية التي تشبه الۏجـ,ـع