دخلت على جوزى لقيته بيعيط

دخلت على جوزي لقيته بيعيط بحر-قة… واعترفلي إن حب عمره اتجوزت النهارده. طبطبت عليه، وقلتله: “بكرة هتبقى أحسن.” لكن تاني يوم الصبح… عملت حاجة عمره ما كان يتوقعها. دخلت الشقة بدري يومها…وكان الهدوء غريب. ناديت:”يا أحمد… إنت فين؟” محدش رد.دخلت أوضة النوم…ولقيته قاعد على الأرض، ضهره مسنود للسرير، وفي إيده صورة قديمة.كان بيعيط… مش دموع عادية…كان بينهار. أول ما شافني حاول بسرعة يمسح دموعه، لكن ماعرفش. قلت بقلق:”مالك؟ حصل إيه؟” بصلي بعينين حمرا…وقال بصوت متكسر:”النهارده… كان فرحها.”سكت ثواني…وبعدين كمل:”البنت اللي كنت بحبها قبل ما أعرفك… اتجوزت النهارده.”قلبي وجعني…

مش علشانها…علشانه هو.قعدت جنبه من غير كلمة. فضل يحكي…إزاي كانوا بيحلموا يفتحوا بيت. وإزاي الظروف فرقتهم.وإزاي فضل مستنيها سنين. ولما عرف إنها وافقت على عريس تاني…حس إن جزء منه مات.كان بيتكلم…وأنا ساكتة…كل ذكرى كان بيحكيها… كانت كأنها سكينة بتدخل في قلبي.بس ماعاتبتوش. ولا صرخت.ولا حتى بكيت قدامه.حطيت إيدي على كتفه… وقلت بهدوء:”كل حاجة بتوجع في الأول… وبكرة هيبقى أحسن.”بصلي بامتنان…وحضني.وقال:”إنتِ أطيب إنسانة عرفتها.”ابتسمت…لكن جوايا…كان فيه حاجة اتكسرت. ليلتها…فضلت صاحية للصبح.بفكر. مش في البنت…لكن في نفسي.هل ينفع أكمل مع راجل…

قلبه لسه ساكن عند واحدة تانية؟ولما طلع النهار… قومت بهدوء…حضرت الفطار كعادتي…حطيتله القهوة اللي بيحبها…ورتبت البيت كله…ولبست هدومي. وسبت فوق السفرة ظرف أبيض صغير…وخرجت. ولما صحي…فتح الظرف…واتصدم من أول سطر… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد أول ما أحمد فتح الظرف… إيده بدأت ترتعش. كان متوقع يلاقي رسالة عتاب… أو صريخ مكتوب على ورق… أو حتى كلمة “أنا زعلانة”. لكن اللي شافه كان مختلف. “أحمد… أنا مش زعلانة منك لأنك حبيت قبل كده.

كل الناس ليها ماضي. لكن اللي كسرني إنك يوم انهيارك… ماجريتش عليا. جريت عليها. حتى وهي بقت مرات راجل تاني. أنا طول جوازنا كنت فاكرة إني بيتك… واكتشفت إني مجرد محطة استراحة. أنا مش هكرهك. ومش همنعك من إنك ترتب قلبك. لكن أنا كمان لازم أنقذ قلبي قبل ما يضيع. علشان كده… أنا ماشية. مش بطلب طلاق دلوقتي. ولا مستنية تجرى ورايا. أنا بس محتاجة أرجع ألاقي نفسي. ولو في يوم حسيت إنك بتحبني أنا…

مش بتحب وجودي جنبك… ساعتها ابقى دور عليا. لو لسه ينفع.” الورقة وقعت من إيده. قام يجري في الشقة كلها. “سلمى… سلمى!” المطبخ فاضي. البلكونة فاضية. أوضة الضيوف فاضية. فتح الدولاب. نص هدومها اختفى. مش كلها. بس الحاجات اللي تخصها هي. حتى فرشة المكياج الصغيرة… ماخدتهاش. كأنها كانت مستعجلة. مسك الموبايل واتصل. مغلق. اتصل تاني. مغلق. لحد ما حس لأول مرة إن البيت الكبير… بقى أضيق من زنزانة. … في نفس الوقت… كانت سلمى قاعدة في أوضة صغيرة داخل شقة إيجار مفروشة.

حطت شنطتها على الأرض. بصت حواليها. مكان بسيط جدًا. سرير واحد. وترابيزة خشب. وشباك بيطل على شارع شعبي. لكن لأول مرة من شهور… قدرت تاخد نفس عميق. قعدت على الأرض. وسابت دموعها تنزل. مش لأنها سابت جوزها. لكن لأنها سابت الحلم اللي بنت عليه عمرها. كانت بتحبه. بكل قلبها. لكن حبها لنفسها… لازم يبقى أكبر. … بعد أسبوع. بدأت تدور على شغل. رغم إنها كانت خريجة تجارة بتقدير ممتاز. إلا إنها بعد الجواز سابت شغلها علشان أحمد قالها:

“أنا مسؤول عنك.” دلوقتي… بقت مسؤولة عن نفسها. لفت على شركات كتير. كلهم كانوا بيسألوا نفس السؤال. “اشتغلتي آخر كام سنة؟” وكل مرة كانت تبتسم بحرج. “لا… كنت متجوزة.” الرد كان واحد. “هنكلمك.” وطبعًا… محدش كان بيكلمها. … بعد عشرين يوم. اتفاجأت بإعلان صغير. شركة استيراد وتصدير طالبة موظفة خدمة عملاء. المرتب بسيط. لكن البداية أهم. دخلت الانترفيو. مدير الموارد البشرية سألها: “إيه اللي يخليك تبدأي من الصفر؟” ابتسمت وقالت: “لأن الصفر بإيدي… أشرف من أي مكان عالي واقفة فيه وأنا مكسورة.”

الراجل سكت ثواني. وقال: “تقدري تبدأي بكرة.” خرجت من الشركة وهي بتضحك لأول مرة. ضحكة حقيقية. … أما أحمد… فكان كل يوم بيرجع البيت… يلقي السكون مستنيه. القهوة بقى بيعملها بنفسه. هدومه بيكويها بالعافية. نسي أكتر من مرة ياخد دوا والدته لأنها كانت هي اللي بتفكره. نسي عيد ميلاد أخته. نسي حتى مواعيد شغله. اكتشف إن الست اللي كان فاكر وجودها عادي… كانت ماسكة حياته كلها من غير ما يحس. … بعد شهر. راح عند أهلها.

والدها فتح الباب. بصله ببرود. وقال: “هي مش هنا.” أحمد اتوتر. “أمال فين؟” الأب رد بثقة. “ماعرفش.” “إزاي يعني؟” “قالتلي يا بابا… أنا هبدأ حياتي لوحدي. ولما أبقى جاهزة أكلمكم. واحترمت قرارها.” أحمد حس لأول مرة… إنه خسرها بجد. مش مجرد زعل مؤقت. … بدأ يدور. راح لكل صاحباتها. محدش قاله حاجة. راح الشركة القديمة. قالوله استقالت من سنتين. راح الأماكن اللي كانوا بيخرجوا فيها. كل كرسي كان بيفكره بيها. لكن هي… ولا كأنها موجودة على الأرض.

… في ليلة… فتح الدولاب. ولقى إسدال الصلاة بتاعها. كان لسه معلق. قربه من وشه. ريحة البرفان اللي كانت بتحطه… لسه موجودة. قعد على الأرض… وبكى. لكن المرة دي… ماكانش بيبكي على حب قديم. كان بيبكي على الإنسان الوحيد… اللي عرف يحبه من غير شروط… وخسره بإيده. ومن ساعتها… اتغير كل شيء.

الفصل الثاني
من اليوم اللي سلمى اختفت فيه…
أحمد بقى إنسان تاني.
أول مرة يفهم معنى إن البيت يبقى مليان أثاث…
وفاضي من الروح.
كان كل يوم يرجع من الشغل…
يفتح الباب تلقائيًا ويقول:
“سلمى… أنا جيت.”
وبعدين يفتكر إنها مش موجودة.
فيسكت.
ويحط المفاتيح على الترابيزة.
ويقعد لوحده.
الأكل بقى من المطاعم.
هدومه متكومة على الكنبة.
النباتات اللي كانت بتسقيها كل يوم دبلت.
حتى القطة الصغيرة اللي كانت بتأكلها تحت العمارة…
بقت تفضل تستناه عند الباب.
ولما تلاقيه نازل لوحده…

تبص حواليها كأنها بتدور عليها.

أما سلمى…
فكانت بتبدأ يومها الساعة سبعة الصبح.
تنزل تركب المترو.
وتوصل الشركة قبل معادها بعشرين دقيقة.
في أول أسبوع…
كانت كل ما حد يسألها:
“حضرتك متجوزة؟”
تسكت لحظة.
وبعدين تقول:
“أيوه.”
من غير أي تفاصيل.
كانت لسه مش قادرة تقول إنها منفصلة.
ولا قادرة تعتبر نفسها زوجة طبيعية.
كانت في منطقة بين الاتنين.
لكنها كانت بتحاول.
كل يوم.

مديرها في الشركة…
كان اسمه أستاذ حازم.
راجل في الخمسينات.

لاحظ إنها أول واحدة توصل.
وآخر واحدة تمشي.
وفي يوم وقف جنب مكتبها وقال:
“إنتِ بتهربي من حاجة؟”
رفعت رأسها باستغراب.
ابتسم وقال:
“الناس اللي بتقعد بعد مواعيد الشغل من غير مقابل…
بيبقوا بيهربوا من حاجة.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقالت:
“يمكن.”
ماسألهاش أكتر من كده.
واحترم صمتها.

بعد ثلاثة شهور…
بقت من أحسن الموظفين.
العملاء كانوا يطلبوها بالاسم.
وزملاؤها بقوا يعتمدوا عليها.
وأول مرتب كبير أخدته…
ماجابتش هدوم.
ولا موبايل.
ولا دهب.
اشترت مكتبة صغيرة.
وكرسي مريح.

وكم كتاب كانت نفسها تقراهم من زمان.
وقفت تبص عليهم.
وقالت لنفسها:
“أنا برجع لنفسي واحدة واحدة.”

في الناحية التانية…
أحمد ما استسلمش.
كان كل أسبوع يروح بيت أهلها.
رغم إنهم كل مرة يقولوله نفس الجملة.
“لسه ماعرفناش عنها حاجة.”
وفي الحقيقة…
أهلها كانوا عارفين إنها بخير.
لكن كانوا منفذين وصيتها.
قالتلهم:
“لو جه…
قولوله إني بخير.
لكن ماتقولوش أنا فين.
لو حبني بجد…
هيستنى لحد ما أكون مستعدة.”

في يوم…
كان أحمد قاعد مع أمه.

قالتله وهي بتبص في وشه:
“إنت لسه بتحب البنت الأولى؟”
فضل ساكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“زمان كنت فاكر إني بحبها.
دلوقتي…
حتى ملامحها بدأت أنساها.”
الأم سألته:
“وسلمى؟”
أول ما سمع اسمها…
ابتسم بحزن.
وقال:
“كل حاجة في البيت بتفكرني بيها.
كل حاجة كنت باعتبرها عادية…
طلعت هي اللي كانت بتديها معنى.
أنا ظلمتها.”
الأم بصتله وقالت:
“لما كانت موجودة…
كنت شايفها؟
ولا بدأت تشوفها بعد ما غابت؟”
نزل رأسه.
وماعرفش يرد.
لأن الإجابة كانت مؤلمة.


بعد أسبوعين…
بالصدفة…
كان أحمد رايح يخلص شغل في شركة جديدة.
دخل الاستقبال.
وكان مستني دوره.
وفجأة…
سمع ضحكة.
ضحكة حافظها.
لف بسرعة.
وشاف سلمى.
كانت لابسة بدلة بسيطة.
شايلة ملفات.
وبتتكلم مع عميل بثقة.
ملامحها كانت أهدى.
وشها بقى فيه قوة عمره ما شافها قبل كده.
وقبل ما ينادي عليها…
شافها بتبتسم لزميلة معاها.
الابتسامة دي…
خلته يحس بالوجع.
مش لأنها بتضحك.
لكن لأنه أدرك إنه كان السبب في اختفاء الضحكة دي من حياتها شهور.
استناها تخلص.

ولما خرجت من المكتب…
وقف قدامها.
سلمى اتجمدت مكانها.
بصتله ثواني.
وبعدين قالت بهدوء:
“إزيك يا أحمد.”
الكلمة كانت رسمية جدًا.
كأنها بتكلم زميل قديم.
قال بصوت مرتعش:
“كنت بدور عليكي.”
ردت بهدوء:
“وعرفت توصل.”
قال:
“ممكن نتكلم؟”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“خمس دقايق.
لأن عندي شغل.”
خرجوا وقفوا قدام الشركة.
أحمد فضل يبصلها.
وقال:
“وحشتيني.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكنها ما ردتش.
قال بسرعة:
“أنا غلطت.
وأذيتك.
وأنا عرفت قيمتك.”
رفعت عينيها ليه.

وقالت بهدوء شديد:
“عارف يا أحمد…
أصعب حاجة مش إن الراجل يحب واحدة قبلك.
أصعب حاجة…
إن مراته تكتشف إنها كانت الحضن اللي بيرجعله…
لما قلبه بيتوجع على غيرها.”
نزل رأسه.
ماعرفش يبرر.
قال:
“اديني فرصة.”
ردت وهي بتبص في ساعتها:
“أنا ادتك حياتي كلها.
دلوقتي…
الدور عليك تثبت إن كلامك مش مجرد ندم.”
وبعدين استأذنت.
ورجعت للشركة.
وسابته واقف مكانه…
لأول مرة…
هو اللي يبقى مستني.
وهي اللي تمشي من غير ما تلتفت.

السابقانت في الصفحة 1 من 7 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
22