مراتي خافت على ابننا

مراتي خافت على ابننا من اخويا المعاق وطلبت مني ابعته يقعد عند اعمامي وقالت هما اولى بيه، ولما رفضت اخدته من ورايا وسابته في سوق بعيد علشان يتوه ، بس اللي حصل تاني يوم خلاها تنزل جري تدور عليه وهيه مش قادره تمشي من الصدمه !!!!!

أنا عمري ما كنت أتخيل إن البني آدم ممكن يربي تعبان في حضنه وهو فاكره حبيب. من قبل ما نتجوز، قعدت معاها وكنت صريح لأبعد حد، قلتلها: “يا بنت الناس، أنا ماليش في الدنيا دي غير أخويا الصغير.. عنده ضمور في الأعصاب، لا بيتكلم ولا بيمشي ولا حاسس بالدنيا، وأمي قبل ما تمـ,ـوت وصتني عليه، وأبويا الله يرحمه سابه أمانة في رقبتي. هيبقى معانا في بيتنا، ومش هطلب منك تعملي له لقمة ولا تغسلي له هدوم، أنا اللي هعمل كل حاجة من الألف للياء”. وافقت وقتها وقالت لي: “ده في ثوابنا

ويا بخت اللي يعول نفس بريئة”.
وفعلا اتجوزنا وحياتنا كانت مستقره في الاول وانا اللي كنت متكفل بادم
ادم ​أخويا عنده 10 سنين، ، لا بيهش ولا بينش، وأعمامي مش طايقينه ولا عايزين يشيلوا همه، رموه م الأول وقالوا “إنت أولى بأخوك”. كنت بـصحى الصبح أغسله وألبسه وأأكله، ولما أنزل ورشتي، أشيله أحطه على الكرسي المتحرك بتاعه وآخده معايا، يفضل قاعد قدام عيني طول ما أنا شغال، ولما نرجع البيت أنا اللي بنيمه وأخد بالي منه.
لكن بالرغم إني مش محملها قشاية تخصه، الزن بدأ.
​بقت كل يوم والتاني تفتح السيرة:

“وديه لأعمامك، هما أولى بيه، هما رجالة ويقدروا يشيلوه، البيت ضيق علينا”، وأنا أرفض وأقولها: “أعمامه لو خدوه هيمـ,ـوتوه من الإهمال، ده أمانة”. زاد الزن والخناق أكتر لما ربنا كرمها وبقت حامل، قلبت الدنيا ومبقتش تبطل عياط وخناق: “أنا خايفة على ابني اللي جاي، بكره يتولد ويطلع يقلد حركات أخوك ويتعلم منه ويبقى زيه!”. كنت بستغرب من قساوة قلبها، ده طفل مريض، هتعاقبيه على مرض ربنا؟ بس برضه كنت بقفل النقاش وأقولها: “أخويا مش هيطلع من بيتي إلا على قبري”.
​فجأة، من حوالي أسبوع، لقيتها هديت خالص. طريقتها اتغيرت وبقت تبتسم وتقولي:

“خلاص يا ابن الحلال، إنت معاك حق، ده غلبان وهنسيبه لمين؟ مسيره ابني لما يتولد يحن على عمه وربنا يبارك لنا فيه”. أنا قلبي ارتاح وقلت الحمد لله ربنا هداها، مكنتش أعرف إن ده الهدوء اللي قبل العاصفة، ومكنتش فاهم الإجـ,ـرام اللي كان بيتدبر في عقلها.
​النهاردة الصبح، صحيت من النوم على غير العادة متأخر شوية، نزلت رجلي من السرير وملقيتش أخويا في سريره الصغير اللي في الصالة. دورت عليه في المطبخ، في الحمام، مفيش.. دخلت الأوضة ملقتهاش، بس لقيت ورقة على الترابيزة خطها فيها: “أنا نزلت السوق أجيب طلبات وجاية علطول”.

قلقت، بس قلت يمكن خدته معاها تفك عنه شوية بما إنها لانت من ناحيته.
​ساعة والتانية ولقيتها داخلة من الباب، بتنهج وشايلة الأكياس. أول ما شفتها سألتها باستغراب: “غريبة يعني.. إنتي خدتي أخويا معاكي السوق النهارده؟ دي مش عادتك يعني،”.
​بصت لي بذهول مصطنع، وعينها وسعت وقالت لي: “أخوك مين اللي خادته معايا؟! أنا مخدتش حد، أنا سايباه نايم في سريره!”.
​جسمي كله ساب، وركبي خبطت في بعضها، وقلت لها بصوت رخي من الخضة: “أمال هو فين؟! أنا صحيت ملقتهوش في البيت كله، ولقيت ورقتك افتكرته معاكي.. والباب..

الباب بره أنا لقيته موارب ومفتوح، إنتي سبتيه مفتوح وأنتي نازلة؟!”.​حطت إيدها على صدرها وبدأت تبكي وتولول بصوت عالي: “يقطعني! يا مصـ,ـيبتي! أنا وأنا نازلة ومستعجلة نسيت أقفل الباب ورايا.. يكونش الولد زحف وخرج؟ ولا حد دخل خـ,ـطفه يا مصيبتي يا مصيبتي!”.
​مستنتش أسمع كلمة زيادة، جريت في السلم زي المجنون، نزلت الشارع وبقيت ألف وأصرخ باسمه في كل حتة، أسأل المحلات، بتوع الخضار، الجيران: “محدش شاف طفل مش بيقادر يمشي؟ محدش شاف واد صغير بيزحف؟”. الكل كان بيهز دماغه بالنفي.

رجعت البيت وأنا همـ,ـوت من الخوف عليه والتعب، دماغي هتنفـ,ـجر من التفكير، طفل زي ده لو خرج الشارع هيجرى له إيه؟ ده مبيعرفش يحمي نفسه من قطة!
​لقيتها قاعدة في الصالة بتبكي وتندب حظها وتعمل نفسها زعلانة ومقهورة عليه، وأنا زي المغفل كنت بصدق دموعها وأصبر فيها وأقولها: “، ده غلبان وربنا مش هيضيعه”.
يادوب اخدت نفسي وطلعت تاني كنت فاكره زحف زي عادته وخرج لان الكرسي بتاعه موجود في البيت …فضلت ألف طول الليل لحد تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وأنا رجلي مش شايلاني، عينيا منمتش دقيقة، والكسرة والهم هادين حيلي.

​قعدت على الكنبة هلكان ومش قادر أرفع راسي، ودموعي نازلة من قلة الحيلة. وفجأة، الباب خبط. قامت مراتي فتحت وكان ساعي البريد، في إيده جواب، استلمته مراتي باستغراب و فتحت الجواب بفضول، وأول ما عينها جت على الكلام اللي جوه، لقيتها لطمت على وشها بخضة مسمعتش زيها في حياتي، وصرخت صرخة هزت البيت كله.
​و لفت وطلعت تجري على السلم زي المجنونة، جري واحد ملهوف وعايز يلحق ابنه من المـ,ـوت، جري مكنتش تقدر تعمله وهي في شهور حملها دي، وهيه بتقول بصراخ يا مصيبتي يا ابراهيم تعالى نلحق اخوك بسرعه انا وديته السوق!!

انا اتصدمت بكلامها وفضلت واقف في نص الصالة ومش فاهم حاجة.. ​ولسه هجري وراها احصلها بس وقعت عيني على الجواب اللي رمته من إيدها على الأرض وهي بتجري، وطيت وخدته وإيدي بتتنفض، أول ما قريت أول سطرين.. عينيا اتسعت بصدمة وذهول ميتوصفش، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا والدـ,ـم جمد في عروقي

​”لو فاكرة يا مرت إبراهيم إنك رميتي حتة لحمة حمرا في وسط زحمة السوق ومحدش شافك، تبقى غبية. أنا شفتك وأنتي بتنزليه من التاكسي وبتسيبيه ورا فرشة السمك الكبيرة وبتجري. الولد ده هيمـ,ـوت من الخوف والجوع، وكمان تلت ساعات بالظبط لو مجيتيش تاخديه من المكان اللي هقولك عليه، هيكون عند البوليس، وهكون أنا هناك وبشهادتي وصورة ليكي وأنتي سايباه، وهسجنك بتهـ,ـمة الشروع في قـ,ـتل طفل عاجز.. يا تيجي تاخديه لوحدك من خـ,ـرابة المصنع القديم اللي ورا السوق، يا تقري على نفسك الفاتحة أنتي والي في بطنك.”
​الجواب مكنش

بيمـ,ـوت.. الجواب كان بيحيي فيا وحش أنا نفسي مكنتش أعرف إنه جوايا. الصدمة لجمتني لثواني، عقلي مكنش قادر يستوعب حجم الخسة والنذالة. دي مش بني آدمة، دي شيطانة لابسة وش غلبانة! قعدت تخليني ألف الشوارع زي المجنون، وتعيط وتولول معايا، وهي رمياه في السوق زي كلب جربان! وكل ده عشان إيه؟ عشان خايفة على ابنها يطلع زيه؟
​فقت من صدمتي ونزلت جري وراها.

مكنتش شايف قدامي، نزلت السلم تلاتات، الشارع كان لسه بيبدأ يصحي، ولقيتها بتجري في آخر الشارع، بتعرج وتصرخ وتشد في شعرها وهي بطنها قدامها، مكنتش قادرة تمشي من الخوف والصدمة، الرعب من الفضيحة والسجن خلاها تجري بطاقة مش طاقتها.
​محستش بنفسي غير وأنا بمسكها من قفاها في وسط الشارع، لفتلي وهي مرعوبة، وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها غـ,ـرقانة دموع حقيقية المرة دي، دموع الخوف على نفسها مش على آدم.

محستش بنفسي غير وأنا بمسكها من قفاها في وسط الشارع، لفتلي وهي مرعوبة، وشها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها غرقانة دموع حقيقية المرة دي، دموع الخوف على نفسها مش على آدم.
​”إبراهيم! إبراهيم والله العظيم الشيـ,ـطان شاطر.. أنا كنت خايفة على ابننا.. سامحني يا إبراهيم!”
​صرخت فيها بصوت زلزل الشارع، والناس بدأت تتلم: “أقسم بالله العظيم لو نطقتي بكلمة تانية لهدبـ,ـحك هنا! فين أخويا يا زبالة؟ فين آدم؟!”
​”في.. في خرابة المصنع القديم ورا السوق.. الجواب مكتوب فيه كده..

الحقني يا إبراهيم، اللي بعت الجواب هيبغ ا لشرطة!”
​زقيتها بعيد عني ووقفت تاكسي وركبت، وهي ركبت ورايا وهي بتعيط وتترجاني: “متسبنيش لوحدي.. أنا بمـ,ـوت.. بطني بتوجعني يا إبراهيم”. مكنتش سامعها، مكنتش شايف غير صورة آدم وهو قاعد في الضلمة والخوف، طفل مبيتحركش ولا بيتكلم، يا ترى عمل إيه لما لقى نفسه في وسط الزحمة والصوت العالي؟ يا ترى كام عربية كانت هتخبطه؟ كام كلب من كلاب الشوارع قرب منه وهو مش قادر يدافع عن نفسه؟ الدموع عمت عيني وأنا بدعي في سري: “يارب سلمه.. يارب رجعهولي بالسلامة واقتص من اللي ظلموه”.

​التاكسي وصل ورا السوق، المنطقة هناك مقطوعة وعبارة عن مخازن قديمة وخرابات. نزلت من التاكسي وجريت، وهي كانت بتزحف ورايا ومش قادرة تلضم نفسها من التعب والمغص اللي جاها من الجري والخوف.
​دخلت الخرابة وأنا بصرخ: “آدم! آدم!”
المكان كان ضلمة وريحتو

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0