”قالوا لي إن الأخصائية الجديدة اللي قدرت تخلي ‘زين’ ينطق بعد تلات سنين خرس، اسمها ‘رحمة’.. بس أنا مش شايف قدامي غير ‘ليلى’.. اللي باعت ابنها بمليون جنيه يوم ولادته.”
الكلمات طلعت منه زي الرصـ,ـاص، قطعت الصمت اللي في المكتب الفخم.
هي رفعت وشها اللي كان متداري ورا نضارة طبية كبيرة وشعرها اللي قصته قصير جداً عشان تغير ملامحها. كان هو.. طارق السيوفي. الراجل اللي حبته، جوزها، وأبو ابنها اللي اتحرمت منه ٤ سنين. كان واقف قدامها بكامل هيبته، ببدلته السودا وعينيه الرمادي اللي بقت أبرد من التلج، وفيها قسوة عمرها ما شافتها فيه زمان.
الدم هرب من عروقها، والملف اللي كان في إيدها وقع على الأرض.
هو محركش ساكن، فضل باصص لها من فوق لتحت باحتقار، وبعدين داس على الملف بجزمته وقرب منها خطوة.
”إيه؟ القطة كلت لسانك؟ ولا الفلوس اللي هربتي بيها خلصت، وعايزة تلعبي على الشوية اللي فاضلين؟”
صوته كان واطي جداً، بس بيرن في دماغها زي جرس الإنذار.
ليلى رجعت لورا خطوة وهي بتترعش، صوتها طلع مبحوح ومكسور: “أنا مابعتش ابني.. والله العظيم ما أخدت مليم.. أبوك.. طارق باشا هو اللي..”
طارق قاطعها بضحكة سخرية مرعبة، وضـ,ـرب بإيده على المكتب: “أبويا مـ,ـات من سنتين!
يعني حتى لو حبيتي تتبلي عليه مش هيعرف يرد. قصة رخيصة أوي يا ليلى، ماتليقش بذكائك.”
قرب منها أكتر لحد ما بقت محاصرة بينه وبين الحيطة. ريحة عطره اللي كانت بتعشقها زمان، دلوقتي بتخنقها.
”اسمعي يا بنت الناس.. أنا كان ممكن أسلمك للبوليس بتهمة التـ,ـزوير وانتـ,ـحال شخصية أخصائية تخاطب.. بس المشكلة إن ‘زين’ اتعلق بيكي في اليومين دول. ابني اللي مش بينطق، ضحك لما شافك.. وهو ميعرفش إن اللي بتلعبه دي هي الست اللي رمته لحم أحمر وهربت.”
دموعها نزلت غصب عنها، حاولت تتكلم بس قاطعها بصرامة:
“وفرّي دموع التماسيح دي. إنتي جيتي برجليكي لحد عرين الأسد..
يبقى هتشتغلي هنا بشروطي. هتفضلي أخصائية لابني، قدام عيني ٢٤ ساعة. مفيش خروج، مفيش تليفونات.. ولو فكرتي بس تلمحي لزين إنك أمه، هخليكي تتمني المـ,ـوت وماتطوليهوش.”
ليلى بصت في عينيه، مسحت دموعها بقوة، ورفعت راسها لأول مرة: “أنا موافقة على أي حاجة.. المهم أفضل جنب ابني.. بس صدقني يا طارق، أنا مظلومة، أبوك حط المسـ,ـدس على راسي وأنا لسه بنـ,ـزف من الولادة وقالي…”
”قولتلك اخرسي!” زقها بعيد عنه بعنف، وراح ناحية الخزنة اللي في الحيطة، فتحها وطلع منها ورقة ورماها في وشها.
”اقري دي.”
ليلى مسكت الورقة وإيديها بتترعش.. عينيها وسعت بصدمة، ونفسها اتكتم.
”دي..
دي شهادة وفاتي؟” قالتها وهي مش مصدقة.
طارق ابتسم ببرود شيـ,ـطاني، وحط إيديه في جيوبه:
“بالضبط. ليلى الجارحي ماتت من ٤ سنين في حادثة عربية. دي الورقة اللي أنا طلعتها بنفسي عشان أمحي اسمك من عيلتي ومن حياة ابني. يعني إنتي دلوقتي مالكيش وجود. مجرد نكرة.”
ميل عليها وهمس جنب ودنها بصوت خلاها تمـ,ـوت من الرعب:
“يعني لو حاولتي تهـ,ـربي بزين في يوم من الأيام.. البوليس هيمسك واحدة مجهولة الهوية خاطفة طفل.. مش أم بتاخد ابنها. ولو اختفيتي فجأة.. محدش هيدور على واحدة ميـ,ـتة أصلاً.. فهمتي إنتي وقعتي في إيه يا ‘رحمة’؟”
بصت للورقة، وبصت لعينيه اللي بتتوعد لها بالعذاب، وسمعت صوت ضحكة طفل جاية من الجنينة برا.. صوت ‘زين’ ابنها. لو وافقت، هتعيش في جحيم طارق وهي ميتة على الورق.. ولو رفضت، هتتحرم من ابنها للأبد وربما يقت*ـلوها بجد المرة دي.”موافقة… هعمل أي حاجة تقولي عليها، بس سيبني أعيش تحت سقف واحد مع ابني.”
قالتها “ليلى” وصوتها بيترعش، بس عينيها كانت متعلقة بالباب اللي جاي منه صوت ضحكة “زين”.
طارق بصلها بقـ,ـرف، سحب الورقة اللي عليها شهادة وفـ,ـاتها المـ,ـزورة وحطها في جيبه، وبعدين رمى قدامها ملف تاني.
“امضي هنا. ده عقد عملك كـ ‘رحمة’، أخصائية التخاطب.
إقامتك هتكون في أوضة الضيوف اللي في البدروم، أبعد مكان عن جناح زين. مفيش أكل مع العيلة، مفيش كلام مع الخدم، وممنوع منعاً باتاً تقربي من ابني بره مواعيد الجلسات.. مفهوم؟”
مسكت القلم وإيديها بتنتفض، مضت على العقد وهي حاسة إنها بتمضي على وثيقة عبوديتها في جحـ,ـيم طارق السيوفي.
”امشي قدامي.” قالها بجمود وهو بيفتح باب المكتب.
مشيت وراه في الممرات الواسعة بتاعة القصر. كل ركن فيه بيفكرها بذكرى. هنا كانوا بيضحكوا، وهنا كانوا بيختاروا ألوان الحيطان وهم بيجهزوا لولادة زين. بس القصر دلوقتي كان كئيب، ضلمة، كأنه مقبرة.
وصلوا لجنينة القصر الخلفية.
قلب ليلى كان بيدق بسرعة لدرجة إنها حست إنه هيقف.
“زين.” طارق نادى بصوت حنين لأول مرة تسمعه من سنين.
طفل صغير، ملامحه نسخة مصغرة من طارق بس واخد لون عينيها العسلي، كان قاعد على الأرض بيلعب بمكعبات. أول ما شاف طارق، قام جري عليه وحضنه. طارق شاله وباس راسه، ونظرته اتحولت من القسوة البشعة لأمومة وحنية غريبة.
ليلى وقفت متسمرة.. ده حتة منها. ده اللي كبر في بطنها ٩ شهور. حست بنار في صدرها، كانت عايزة تصرخ، تاخده في حـ,ـضنها وتشم ريحته، بس نظرة طارق اللي اترميت عليها زي الخنجر خلتها تتسمر في مكانها.
”زين يا بطل.. دي ميس رحمة.. اللي هتلعب معاك كل يوم.” طارق نزل زين على الأرض.
زين بص لليلى. عيونه الواسعة كانت بتدرسها. ليلى نزلت على ركبها قدامه، دموعها اتجمعت في عينيها بس حاولت تبتسم، مدت إيديها وهي بتترعش: “أهلاً يا زين.. أنا.. أنا بحبك أوي.”
زين بصلها ثواني، وبعدين مد إيده الصغيرة ومسح دمعة نزلت غصب عنها على خدها. اللمسة دي كانت كفيلة تخلي ليلى تنهار من جواها. الطفل اللي الدكاترة قالوا لطارق إنه انطوائي وبيرفض الغرباء، كان حاسس بيها.
طارق شد زين بسرعة لورا، ووشه احتقن بالغضب.
“الجلسة مدتها ساعة بس.
وإياكي أشوفك بتعيطي قدامه تاني. ابني مش محتاج شفقة من واحدة زيك.” قالها طارق من بين أسنانه.
عدى أسبوعين.
ليلى عايشة في البدروم، بتشوف ابنها ساعة واحدة بس في اليوم تحت مراقبة كاميرات طارق ونظراته اللي مابترحمش. زين بدأ يتحسن بشكل ملحوظ، بدأ يطلع أصوات، وبقى دايماً يستنى ميعاد “ميس رحمة” بفارغ الصبر.
وفي ليلة من الليالي، الجو كان بيمطر رعد وبرق.
ليلى كانت قاعدة في أوضتها في البدروم، وفجأة سمعت صوت صريخ خافت جاي من فوق. قلبها اتقبض. عارفة إن طارق مسافر يومين في شغل، وإن زين بيخاف جداً من صوت الرعد.
طلعت تجري على السلالم زي المجنونة، متجاهلة كل أوامر طارق وتعليماته. وصلت لجناح زين، فتحت الباب لقت “دادة أمينة” نايمة على الكرسي مش حاسة بحاجة، وزين مستخبي تحت السرير، حاطط إيديه على ودانه وبيترعش وبيعيط بصمت يقطع القلب.
ليلى نزلت على الأرض، زحفت لحد عنده وشدته لحضنها. لأول مرة من ٤ سنين تاخده في حضنها بجد.
“ششنن.. بس يا حبيبي.. أنا جنبك.. أنا ماما يا قلب ماما..” همست بيها من غير وعي وهي بتعيط.
زين مسك في هدومها بكل قوته، ودفن وشه في رقبتها.
عشان تهديه، بدأت تغنيله بصوت واطي أوي، أغنية معينة..
تهويدة كان طارق مألفها وكاتب كلماتها لليلى وهي حامل، ومحدش في الدنيا كان يعرف الأغنية دي ولا لحنها غيرها هي وطارق بس.
”يا نور عيني اللي مستنيه.. يا حلم في قلبي أنا مخبيه…”
زين بدأ يهدى، ونفسه ينتظم في حضنها. ليلى قفلت عينيها وحست إن الدنيا كلها مافيهاش غيرها هي وابنها.
وفجأة…
النور بتاع الأوضة نور مرة واحدة.
ليلى رفعت راسها برعب والدموع مغرقة وشها، عشان تلاقي “طارق” واقف على باب الأوضة، هدومه مبلولة من المطر، وعروق رقبته نافرة من الغضب.
كان المفروض يرجع بكرة، إيه اللي جابه دلوقتي؟!
طارق فضل باصص لها ثواني والنار بتغلي في عروقه. الأغنية دي.. التهويدة دي اللي ألفها بقلبه ليها وهي حامل.. إزاي ليها عين تغنيها دلوقتي بعد ما باعتهم وفضلت الفلوس عليهم؟!
خطى ناحيتها بخطوات تقيلة ومرعبة. شدها من دراعها بعنف وقومها من جنب زين اللي كان راح في النوم، وكتم صرختها بإيده التانية عشان مايصحيش الولد.
زقها ناحية الحيطة بره الأوضة، وعينيه الرمادي بتطق شرار، همس في ودنها بفحيح أفعى:
“إنتي اتجننتي؟ بأي حق.. بأي حق بتغني له الأغنية دي؟ لسه فاكراها؟ جاية تمثلي دور الأم الحنينة وتلعبي بمشاعره بعد ما رميتيه بمليون جنيه؟”
ليلى حاولت تتكلم ودموعها بتنزل، مسكت في لياقة قميصه المبلول: “أنا مابعتوش.. دي أغنيتنا يا طارق.. أنا أمه ومن حقي أحضنه لما يخاف.. أنا معملتش حاجة من اللي بتقول عليها دي!”
طارق رفع إيده وكان لسه هيسكتها بقسوة، بس فجأة… سمعوا صوت كعب عالي بيخبط على الأرض في الطرقة، وصوت أنثوي دلوع بيقول:
“طارق حبيبي.. إنت وقفت هنا ليه؟ مش قولتلي هنروح أوضتنا عشان أوريك فستان فرحنا؟”
ليلى بصت ناحية الصوت، والدـ,ـم هرب من جسمها كله لما شافت الست اللي جاية ناحيتهم. مكنتش مجرد عروسة جديدة لطارق…
دي كانت نفس الست اللي شافتها واقفة مع أبو طارق بتاخد الفلوس يوم ما ولدت زين وهربوها من المستشفى!
صلوا على النبي في التعليقات
تفتكروا مين الست دي؟ وطارق هيعمل إيه في ليلى لما يشوف صدمتها؟ وهل ليلى هتقدر تواجه الست دي وتكشف الحقيقة ولا الفخ كبر أكتر؟
تابعوا البارت الثاني منها بسرعه الدم هرب من عروق ليلى كلها، عينيها وسعت بصدمة وهي بتبص للست اللي بتقرب عليهم بخطوات واثقة ودلع مستفز. دي مش مجرد عروسة جديدة.. دي “نيرمين” بنت عم طارق!
نفس الست اللي كانت واقفة في أوضة المستشفى الضلمة مع أبو طارق، بتاخد منه شنطة الفلوس وبتبتسم ببرود، قبل ما رجالة عمه يخدروا ليلى ويرموها في عربية عشان يخلصوا منها!