دفعت إيجار حماتي، وأدويتها، وفواتيرها لمدة 14 شهر، لكنها ضړبتني بالقلم عشان دلعت أمي المړيضة… والتسجيل الصوتي اللي اتسجل اليوم ده غيّر كل حاجة للأبد…
حماتي لفتلي وشي بالقلم وأنا واقفة في نص الصالة، قدام جوزي، لمجرد إني أخدت بابا وماما رحلة لبورتو فالارتا بفلوس أنا اللي تعبت وجبتها. حسيت الڼار طالعة من خدي لحد عيني، وطعم الډم فضل في بقي. كانت بتتنفس بعصبية، وإيديها لسه مفرودة، كأنها لسه مأدبة طفلة صغيرة.
قالتلي
يعني معاكِ فلوس للفسح؟ تفسحي أبوكي وأمك الغلابة، لكن أهل ابني عايزة تضحكي عليهم.
جوزي، دانيال، فضل واقف جنب السفرة. مادافعش عني.
حتى ماتحركش لما أمه، أمبارو، عليت صوتها تاني.
قالت
من يوم ما اتجوزتي ابني وانتي فاكرة نفسك ست هانم. لكن ماتنسيش إن الفلوس اللي بتكسبيها دي حق ابني كمان.
في اللحظة دي بالظبط، حاجة جوايا انطفت. ماكانش زعل… كان وضوح.
اسمي فاليريا، عندي 35 سنة، وماحدش اداني حاجة ببلاش. أمي اشتغلت 25 سنة بتنضف مكاتب، وأبويا كان بيبيع فاكهة في سوق الجملة لحد ما ركبته مبقتش شايلة. أنا بدأت أبيع جيلي وأنا في الثانوية، وبعدها اشتغلت نادلة، وكاشيرة، ومندوبة توصيل، ومسؤولة مطبخ. ومن الفلوس اللي جمعتها فتحت مشروع صغير للفطار في تلاكباكي.
ودلوقتي عندي 3 فروع بتبيع ساندوتشات، وقهوة، ومخبوزات في جوادالاخارا. أنا مش مليونيرة، لكن بدخل فلوس أكتر بكتير من دانيال، اللي شغال في شركة مقاولات، وطول الوقت بيشتكي إن مرتبه مش مكفيه.
لما اتجوزنا، كنت عايزة أعمل كل حاجة صح. ساعدت في مقدم الشقة، ودفعت تمن العفش، وعشان دانيال مايحسش إنه أقل مني، عمري ما قلت إن أغلب الفلوس كانت طالعة من حسابي. وكمان بدأت أحول لحماتي فلوس كل شهر. في الأول كانوا 8 آلاف بيزو عشان العلاج. وبعدها بقيت أدفع الكهرباء، والغاز، وباقة الموبايل، وأقساط متأخرة في بطاقة ائتمان، وحتى مصاريف صيانة العمارة.
أمبارو كانت بتاخد كل ده من غير حتى كلمة شكر.
وكانت تقول
وده أقل واجب. طول ما ابني مستحملك وانتي برا البيت طول اليوم، يبقى لازم تقدمي حاجة.
كل يوم حد كانت تكلمني عشان أروح أطبخلها، ودانيال كان دايمًا يقول
إنتِ عارفة أمي عاملة إزاي… خديها على قد عقلها وخليكي حنينة معاها.
وفي مرة، أمبارو جات الفرع الرئيسي بتاعي، وأنا كنت براجع الحسابات مع الموظفات. دخلت شايلة كيس طلبات، وزعقت وقالت
جيت أشوف الست البيزنس لسه فاكرة إن عندها جوز ولا لأ.
الزباين سكتوا كلهم. وأسرة قامت ومشيت قبل ما تكمل القهوة.
وهي رمت الكيس على الرخامة وقالت
خدي الحاجات دي وروحي اعملي لدانيال العشا. مش معنى إن عندك شغل تنسي تهتمي بجوزك.
بلعت الإهانة، لأني وقتها كنت لسه فاكرة إن الأسرة بتفضل متماسكة لما الواحد يستحمل. لحد ما جه عيد ميلاد أمي السبعين. أبويا كان أخد معاد عملية في مفصل الحوض، وأنا حبيت أهديهم 3 أيام في بورتو فالارتا قبل ما يدخل المستشفى. حجزت الطيران، وحجزت أوضة في فندق على البحر، ودفعت كل حاجة من شغلي.
دانيال وافق من غير أي اعتراض.
قال
خديهم يا حبيبتي. دي فلوسك. وأنا هرتاح هنا.
بابا وماما عيطوا أول ما شافوا البحر من البلكونة. وأمي فضلت تلمس ستاير الأوضة البيضا كأنها في متحف. وبالليل، وهم فاكريني نايمة، سمعت أمي في الحمام بتتكلم في التليفون بصوت واطي.
بتقول
أنا آسفة يا مدام… ماكانش قصدي… فاليريا ماخدتش حاجة من حد.
لما بصيت في سجل المكالمات، لقيت اسم أمبارو. كانت كلمتها وقالتلها إنها ست استغلالية، وإنها بتصرف من فلوس ابنها،وإن الأحسن نرجع بدل ما نكمل فضايح.
أمي طلبت مني ماعملش مشكلة.
وقالت
أنا مش عايزة بسببنا يحصل لك مشاكل في جوازك.
حضنتها… لكن جوايا كان في حاجة بدأت تتحـ,ـرق.
بعد أسبوع رحنا بيت حماتي. أول ما دخلت، الصالة كانت هادية، لا تلفزيون شغال ولا أي صوت. أمبارو كانت قاعدة كأنها قاضية.
قالت
إيه… انبسطتي في الفسحة؟
أخدت نفس عميق وقلت
آه… وعرفت كمان إنك كلمتي أمي عشان تذليها.
قامت من مكانها وقالت
لأن كان لازم حد يقولها إنها ماتعيش على تعب ابني.
شرحتلها إن دانيال مادفعش ولا جنيه. وإن الرحلة كلها كانت من فلوسي. وإن بقالي أكتر من سنة بدفع مصاريف بيتها. لكن كل كلمة كنت بقولها كانت بتولعها أكتر.
قالت
السكوت لايق عليكي أكتر.
وبعدين ضړبتني.
وأنا خدي مولع، وجوزي بيقولي ماكبرش الموضوع، دخلت إيدي في شنطتي وضغطت على موبايلي. التسجيل كان لسه شغال من أول ما دخلنا البيت.
إيه اللي حصل بعد كده…؟
أول ما حطيت إيدي على الموبايل، حسيت لأول مرة من وقت طويل إني لسه ماسكة في إيدي حاجة تقدر ترجعلي حقي.
ماقولتش كلمة.
بصيت لدانيال… كان واقف مطاطي راسه، ولا بصلي، ولا حتى بص لأمه.
قلتله بهدوء غريب حتى أنا استغربته
إحنا هنمشي.
حماتي ضحكت بسخرية وقالت
آه… امشي. بس افتكري إن البيت ده مش هتدخليه تاني غير لما تتعلمي الأدب.
بصيتلها من غير ما أرفع صوتي.
متقلقيش… أنا آخر مرة دخلته كانت النهارده.
مسكت شنطتي ولفيت أمشي.
دانيال جري ورايا عند باب العمارة.
استني يا فاليريا… إنتي مكبرة الموضوع ليه؟ دي أمي عصبت بس.
لفيتله وأنا حاسة إن كل المشاعر اللي كنت بخبيها طول السنين طلعت مرة واحدة.
أمك ضـ,ـړبتني… وإنت واقف بتتفرج.
قال وهو بيتنهد
يعني أعمل إيه؟ أضـ,ـرب أمي؟
قلت
لا… كنت تدافع عن مراتك. كنت تقولها إنها غلط. كنت تمنعها قبل ما إيدها توصل لوشي.
سكت.
ولأول مرة اكتشفت إن سكوته كان أوحش من القلم نفسه.
ركبت عربيتي ومشيت.
طول الطريق وهو بيتصل.
مرة…
واتنين…
وعشرة…
وأنا مش برد.
وصلت البيت، دخلت أوضة المكتب، وقفلت الباب عليا.
طلعت الموبايل.
فتحت التسجيل.
إيدي كانت بتترعش.
سمعت كل حاجة من أول ما دخلنا.
صوت حماتي وهي بتستهزأ.
وصوتي وأنا بحاول أتكلم بهدوء.
وبعدين…
الصوت الواضح للقلم وهو نازل على وشي.
وبعده مباشرة صوت دانيال وهو بيقول بكل برود
ما تكبريش الموضوع يا فاليريا.
وقفت التسجيل.
عيطت…
مش بسبب الضـ,ـړبة.
عيطت عشان عرفت إن الإنسان اللي اخترته شريك عمر، كان أول واحد سابني وقت ما احتاجته.
تاني يوم الصبح، رنيت على المحاسب بتاع الشركة.
قلتله
من النهارده أي تحويلات شهرية خارجة لحساب أمبارو تتوقف.
استغرب وسألني
حتى مصاريف العلاج؟
قلت بحسم
كلها.
بعدها كلمت مدير البنك.
وقفت الخصم التلقائي للكهربا والغاز وباقي الفواتير اللي كنت بدفعها من حسابي.
وبعدين فتحت ملف قديم على اللاب.
كنت عاملة ملف لكل مصروف صرفته من أول يوم جواز.
إيصالات.
تحويلات.
صور شيكات.
فواتير.
حتى علاج حماتي كان متسجل بالتاريخ.
فضلت أجمع كل حاجة على مدار ساعات.
وفي آخر اليوم، الرقم اللي ظهر قدامي خلاني أفضل باصة للشاشة دقيقة كاملة.
أكتر من مليون وستمائة ألف بيزو خرجوا من حسابي في أقل من سنتين.
فلوس ماحدش فيهم قال عليها مرة واحدة شكراً.
بالليل، دانيال رجع البيت.
كان داخل بهدوء.
أول ما شاف شنطته محطوطة جنب الباب وقف مكانه.
قال
إيه ده؟
قلت
شنطتك.
ضحك وقال
يعني هتطـ,ـرديني؟
بصيتله وقلت
لا… أنا بس برجع كل واحد للمكان اللي اختاره.
اختارت أمك.
يبقى روح عيش معاها.
اتغير وشه.
قال لأول مرة بنبرة خوف
إنتي بتهزري… صح؟
فتحت الموبايل.
شغلتله التسجيل.
الصالة كلها اتملت بصوت أمه…
وصوت القلم…
وصوته هو وهو بيطلب مني أسكت.
أول ما التسجيل خلص، كان وشه شاحب.
همس وقال
امسحيه… لو التسجيل ده خرج بره إحنا هنضيع.
ابتسمت لأول مرة من يوم ما اتضـ,ـربت.
وقلت
لا يا دانيال…
إحنا ضيعنا نفسنا من يوم ما اخترت تسكت.
أما التسجيل…
فده لسه دوره ما بدأش
قفل دانيال عينيه للحظة،وحط إيده على وشه، كأنه بيحاول يستوعب إن كل كلمة اتقالت وكل اللي حصل بقى متسجل.
قرب مني خطوة وقال بصوت واطي
فاليريا… خلينا نتكلم بهدوء.
بصيتله من غير أي تعبير.
نتكلم في إيه؟
قال
أمي غلطت… وأنا هخليها تعتذر.
ضحكت ضحكة قصيرة، أول مرة أضحك من ساعة اللي حصل.
تعتذر؟
بعد القلم؟
بعد الإهانة؟
بعد ما وقفت تتفرج؟
هو الاعتذار بيرجع الكرامة؟
سكت.
كان واضح إنه مش لاقي كلام يقوله.
فتحت باب الشقة وقلتله
شنطتك قدامك… خدها واقفل الباب وإنت خارج.
فضل واقف مكانه.
قال
إنتي مش هتطلقي عشرتنا عشان موقف.
بصيتله في عينه لأول مرة من غير حب.
الموقف ده كشفلي 14 شهر كاملين كنت عايشاهم وأنا مخدوعة.
خرج من الشقة وهو بيبصلي كل شوية، كأنه مستني أغير رأيي.
لكن المرة دي… أنا اللي كنت خلصت.
…
تاني يوم صحيت بدري.
غسلت وشي، ولبست، ونزلت على أول فرع من فروعي.
الموظفين أول ما شافوني استغربوا.
واحدة منهم قالت
مدام فاليريا… وش حضرتك ماله؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
خبطت في باب.