الممرضة الغلبانة

الممرضة الغلبانة دفعت تمن علاج ست عجوز غريبة وهي مش عارفة إن حفيدها أخطر رجل في القاهرة
أحيانًا مبلغ صغير زي 300 جنيه ممكن ما يجيبش أكتر من وجبة سريعة من كشك جنب المستشفى لكن بالنسبة ل ليلى منصور، ال جنيه دول كانوا سبب إن أخطر راجل في القاهرة كلها يعرف اسمها.
كانت الساعة 2 بعد منتصف الليل.
ليلى كانت لسه مخلصة وردية طويلة في قسم الطوارئ بأحد مستشفيات القاهرة. عدّى عليها أكتر من 12 ساعة وهي بتجري بين الحالات، ريحة المطهرات لازقة في هدومها، وإرهاق الشغل باين على وشها.

وقفت في طابور صيدلية شغالة 24 ساعة جنب المستشفى، وهي كل اللي كانت عايزاه إنها تشتري قهوة وترجع تنام كام ساعة قبل ما تنزل تاني.
قدامها كانت واقفة ست عجوز صغيرة في السن، جسمها منحني من كتر السنين، لابسة بالطو صوف قديم أطرافه باينة عليها علامات الزمن.
لكن ليلى خدت بالها من حاجة غريبة
رغم إن البالطو شكله قديم، الخامة نفسها كانت غالية جدًا. نوع قماش مش بيتجاب بسهولة، وكأن اللي لابساه مش شخص عادي.

العجوز طلعت محفظة جلد قديمة من شنطتها، وبدأت تعد فلوسها ورقة ورقة.
لكن بعد شوية سكتت.
كانت ناقصاها 300 جنيه بالظبط.
الصيدلي بص لها وقال بهدوء
يا حاجة، للأسف لازم تختاري يا إما علاج القلب يا إما علاج الضغط. الاتنين مع بعض مش هيكفوا.
ماكانش في صوته قسوة.
هو بس كان بيقول الحقيقة اللي كل الناس عارفاها إن الفلوس ساعات بتجبر الواحد يختار بين حاجتين الاتنين أهم من بعض.
لكن ليلى وهي واقفة وراها، شافت حاجة محدش خد باله منها.
شافت كتاف الست وهي بتقع من الإحباط.

شافت إيديها اللي مليانة آثار حروق قديمة وهي بتترعش وهي ماسكة الروشتة.
وفي اللحظة دي، خبرتها 8 سنين كممرضة خلتها تفهم حاجة.
الإيدين دول مش إيدين حد واخد باله من صاحبهم.
دي إيدين واحدة عاشت عمرها بتخدم غيرها ومحدش جه وقت وخدمها.
ليلى كان معاها في حسابها البنكي 1300 جنيه بس.
والبيت عليه مصاريف كتير، وأخوها في دار رعاية، والفاتورة متأخرة بقالها شهور.
كانت عارفة إنها محتاجة كل جنيه.
لكن من غير ما تفكر كتير، طلعت فلوسها وحطتها على الكاونتر.
وقالت للصيدلي
خلاص يا أستاذ، الحساب عليّا وخلي الباقي عندك.

العجوز بصتلها بدهشة.
حاولت تشكرها، لكن ليلى اكتفت بابتسامة صغيرة وقالت
ولا يهمك يا حاجة، أهم حاجة تاخدي علاجك.
وهي الست بتحط حاجتها في الشنطة، وقع منها كتاب صغير بغلاف جلد قديم.
ليلى انحنت وخدته من الأرض.
ناولته لها من غير ما تفتحه حتى.
ماكانش عندها فضول تعرف جواه إيه.
كانت بس عايزة ترجع بيتها وتنام.
رجعت ليلى شقتها، نامت أربع ساعات بالعافية، وصحيت وهي فاكرة إن اللي حصل كان مجرد موقف عادي زي مئات المواقف اللي بتعدي عليها كل يوم.

ماكانتش تعرف
إن في نفس اللحظة، في فيلا ضخمة ورا أسوار حديدية في قلب القاهرة الجديدة
كان فيه راجل قاعد قدام شاشة كمبيوتر، بيعيد تسجيل كاميرا مراقبة للمرة العاشرة.
وكان واقف عند نفس اللقطة
لقطة البنت اللي دفعت تمن الدوا لجدته.
كان بيدقق في ملامحها.
لأنه لأول مرة من سنين طويلة
حد عمل خير مع عيلته من غير ما يكون عايز مقابل.
بعد تلات أيام
الساعة كانت 7 بالليل، وليلى بدأت ورديتها الجديدة في الطوارئ.
كانت واقفة ورا الستارة في سرير رقم 4، بتراجع حالة مريض، لما دخلت حالة جديدة بسرعة.

شاب اتنقل على الترولي بعد ما وقع من سقالة في موقع بناء.
كان صاحي، بس نفسه تقيل، ووشه مليان ألم.
فضل يقول
أنا كويس أنا لازم أمشي. مراتي مستنياني، لازم أروح أجيبها.
ليلى ماجادلتوش.
هي بس قربت منه، حطت صباعين على إيده تقيس النبض، وبصوت هادي جدًا قالت
اسمعني أنت هتروح لمراتك، بس مش دلوقتي. جسمك محتاج ترتاح الأول. ساعدني عشان أساعدك.
كان صوتها هادي بطريقة غريبة.
صوت واحدة شافت خوف وألم كتير، وبقت تعرف تطمن الناس من غير ما توعدهم بحاجة مش مضمونة.
الراجل سكت.

لأن في ناس لما تسمع صوت فيه ثقة حقيقية بتبطل مقاومة.
لكن ليلى ماكنتش تعرف إن المريض اللي قدامها
مش مجرد عامل وقع من سقالة.
وإن دخوله المستشفى كان بداية لحاجة هتقلب حياتها كلها.
وفجأة، قبل ما ليلى تلحق تلف ورا الستارة عشان تجهز المحلول، سمعت صوت خطوات رتيبة وثقيلة بتقرب من ممر الطوارئ.
مش صوت دكاترة ولا ممرضين بيجروا لحالة حرجة
ده كان صوت جزم جلدية سودا بضهر حديد بتخبط في أرضية المستشفى بانتظام مرعب، ووراها صوت صمت تام. كأن كل حركة في القسم وقفت دفعة واحدة.

لت المستشفى كأنها اتحولت من مكان طبي لساحة انتظار معتمة.
ليلى خرجت من بين السترايات وعينها معلقة على باب الطوارئ، وشافت تلات عربيات دفع رباعي سودا بدون نمر، وقفت قدام الباب بظبط كأنها في اقتحام عسكري.
نزل منهم رجالة ضخام بلبس سيمي فورمال أسود، وقفوا في صفين يعملوا ممر بشري، وفي وسطهم طلع راجل طويل، لابس بدلة سودا داكنة، ملامحه حادة زي السكينة، وشعره متسرح بصرامة، وعيونه فيها برود يخترق الحجر.
ده مكنش مجرد زائر.
ده كان مراد المداح.
الاسم اللي لو اتقال بصوت عالي في أي حتة في القاهرة، بيخلي الكبار نفسهم يبلعوا ريقهم.

الراجل اللي بيدير شبكة تجارة وأملاك غامضة، واللي محدش يعرف عنه حاجة غير إن عيلته، وبالأخص جدته الحاجة سكينة، هما خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
مراد مشى بخطوات بطيئة وواثقة لحد ما دخل الطوارئ، وكل الناس وسعت له وهي مرعوبة.
وصل قدام سرير رقم 4 السرير اللي فيه العامل اللي وقع من السقالة.
ليلى وقفت مسمّرة مكانها، قلبها بيدق بسرعة وهي مش فاهمة إيه العلاقة بين عامل بناء بسيط وبين أسد القاهرة اللي واقف قدامها ده!

لكن الصدمة الحقيقية ماكنتش في دخول مراد
العامل اللى كان نايم على الترولي وبيأن من الوجع، رفع راسه ببطء، بص لمراد، وبدل ما يخاف أو يتكلم، هز راسه بإشارة خفيفة ومعقدة.
مراد بص لليلى.
عيونه اللي كانت ملوحة بالجليد طول السكة، دابت شوية وهو بيبص لها. قرب منها خطوة لحد ما بقت شامة ريحة العطر الخفيف الممزوج ببرودة الليل، ونطق بصوت خشن وعميق
أنتِ ليلى منصور؟
ليلى بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهتز بس ثابت أيوة مين حضرتك؟ وإيه اللي بيحصل هنا؟

مراد مد إيده لجيب بدلتة، وطلع كتاب صغير بغلاف جلد قديم نفس الكتاب اللي وقع من الحاجة سكينة في الصيدلية من تلات أيام. فتحه على الصفحة الأولى، وحطه قدام عيون ليلى بهدوء.
كان جواه ورقة بخط إيد جدته، مكتوب فيها بخط مهتز بنت الأصول اللي جبرتني وأنا مكسورة عرف طريقها يا مراد، لأنها الوحيدة اللي مكنتش طامعة في حاجة.
مراد رفع عيونه لليلى وقال بنبرة هادئة وجدية قطعت نَفَس المكان كله العامل اللي قدامك ده هو أخويا الصغير اللي نزل يشتغل متخفي عشان يثبت لنفسه إنه يقدر يعتمد على نفسه.

وأنتِ بال جنيه اللي دفعتيههم، دخلتي القصر من أوسع أوابه يا ممرضة.
سكت مراد ثانية، وكمل وهو بيطلع كارت أسود صغير مطلي بدهب خالص، مكتوب عليه رقم واحد بس، وحطه ببطء على كف إيدها المرتعشة
النهارده، ديون أخوكِ اتقضت، ودار الرعاية اللي قاعد فيها بقى تحت حمايتي الخاصة وبكرة الصبح، حسابك البنكي هيكون فيه رقم يخليكي تبطلي تشيلي هم أي مريض تاني في حياتك.
ليلى بصت للكارت في إيدها، وبعدين بصت لمراد اللي كان بيبصلها بنظرة غريبة ومحيرة نظرة مفيهاش غرور الغلابة، ولا تعالي الأقوياء، كأنها نظرة احترام حقيقي لشخص شاف الجوهر الحقيقي للدنيا.

قبل ما ليلى تلحق تستوعب الكارثة، أو النعمة، أو المتاعب الجديدة اللي هتدخل حياتها مراد أخد أخوه في عربية الإسعاف الخاصة بيه، وساب المستشفى كلها في حالة ذهول تام.
وليلى فضلت واقفة مكانها، والكارت في إيدها، وحياتها العادية اللي كانت ماشية بسِلكِة ديل اتقلب فووقاني تحتاجي في ثانية واحدة ومش عارفه إذا كانت دي بداية نجاتها، ولا أول خطوة في طريق أخطر راجل في مصر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
4