كان ثلاثة من أبناء الأثرياء في الجامعة يضحكون بعدما شوّهوا وجه ابنتي ذات التسعة عشر عامًا، لأنهم كانوا واثقين أن مليارات آبائهم ستجعل الق\ضية تختفي وكأنها لم تكن. لكنهم لم يكونوا يعلمون أن الرجل الهادئ الجالس بجوار سريرها في المستشفى كان يومًا أخطر زعيم مافيا عرفته البلاد، وأنهم في اللحظة التي مدّوا فيها أيديهم إلى عائلتي… أيقظوا الوحش الذي دفـ,ـنته منذ ما يقرب من عشرين عامًا. أشار جرّاح الإصابات إلى صورة الأشعة المضيئة، وهو يتتبع بإصبعه الكسور التي امتدت عبر فك ليلى المحطم.
قال بصوت هادئ: “يا أستاذ دانيال… دي مش مجرد واقعة اعتداء. اللي عمل كده كان عايزها تفضل شايلة العلامات دي طول عمرها.” للأبد. كانت تلك الكلمة أقسى من أي رصاصة تلقيتها في حياتي. خلف الستار، كانت ابنتي ترقد بلا حراك تحت الأضواء البيضاء القاسية. فكها مثبت بأسلاك طبية، وعيناها متورمتان حتى كادتا تنغلقان تمامًا، وما زالت خصلات من شعرها الأشقر ملطخة بدماء جافة. أمسكت يدها برفق. همست: “إنتِ في أمان دلوقتي.”
ضغطت على يدي ضغطًا ضعيفًا… وكاد قلبي ينكسر. طوال تسعة عشر عامًا، كانت ليلى تعتقد أنني مجرد دانيال عبد الرحمن، أب أرمل يمتلك شركة استيراد صغيرة ويحب الحياة الهادئة. لم تكن تعرف أن العالم كان يناديني يومًا باسم آخر… الشبح. لسنوات طويلة، كنت أسيطر على واحدة من أخطر إمبراطوريات المافيا في البلاد. عصابات، وسياسيون فاسدون، وقضاة، وشبكات تهريب كاملة… كانوا جميعًا ينفذون أوامري دون أن يروا وجهي. لم يكن اسمي يُقال بصوت مرتفع…
بل كان يُهمس به. وكان الخوف ينتشر أسرع من الأوامر، ومن يعاديني كان يختفي قبل شروق الشمس. ثم جاءت ليلى إلى حياتي. في اليوم الذي وُلدت فيه، تركت كل شيء. فككت جميع أنشطتي الإجرامية، ومنحت رجالي هويات جديدة، وكل عدو رفض أن يسمح لي بالرحيل… دفـ,ـنته مع الماضي. ظننت أن الشبح مـ,ـات إلى الأبد. لكنني كنت مخطئًا. قبل منتصف الليل بقليل، اتصل أمن الجامعة. قالوا إن ليلى تعرضت لاعـ,ـتداء أمام مبنى العلوم.
لا شهود. وجميع كاميرات المراقبة القريبة تعطلت في الوقت نفسه. لم يكن في الأمر أي شيء يبدو صدفة. وأثناء تفتيشي لحقيبة الأدلة التي احتوت على قميصها الممزق، سقطت ورقة مطوية على الأرض. كانت هناك ثلاثة أسماء مكتوبة بالدم: أحمد كمال. كريم عزت. مروان شريف. عرفتهم فورًا. والد أحدهم يملك أكبر شركة مقاولات في المدينة. ووالدة الثاني نائبة برلمانية ذات نفوذ واسع. أما أسرة الثالث، فكانت تتحكم عمليًا في الجامعة بأموالها وعلاقاتها.
هؤلاء الشباب لم يعتدوا على ابنتي لأنهم كانوا غاضبين… بل لأنهم كانوا يؤمنون أن المال والنفوذ يجعلانهم فوق القانون. خرجت إلى الممر الخالي، وأجريت اتصالًا برقم لم أتصل به منذ تسعة عشر عامًا. رنّ مرة واحدة فقط. جاءني صوت رجل عجوز بالكاد يهمس: “يا… يا باشا؟” ثبتُّ عيني على ليلى من خلف زجاج غرفة المستشفى، وشعرت بأن كل وعد قطعته على نفسي بترك الماضي قد اختفى. قلت بهدوء: “هاتلي كل حاجة تخص العائلات التلاتة… فلوسهم… شركاتهم… القضاة اللي بيحموهم… ضباط الشرطة اللي بيشتغلوا معاهم… وكل سر حاولوا يدفـ,ـنوه.”
ساد الصمت. ثم سأل بصوت مرتجف: “يعني… الشبح رجع؟” لم أحول نظري عن وجه ابنتي المحطم. وقلت: “لأ…” #حكايات_ميراا لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك و خمس كومنت ومتابعه للجروب من هنا بين صفحات الحكايات ابتسمت ابتسامة باردة لم تصل إلى عيني. “الشبح… عمره ما مات.” أغلق الرجل الخط دون أن ينطق بكلمة أخرى. لم يكن بحاجة إلى مزيد من الشرح. فهو يعرف أنني عندما أتحدث بهذه النبرة، فهذا يعني أن المدينة كلها على وشك أن تتغير.
عدت إلى غرفة ليلى. كانت الممرضة تعدل جهاز المحاليل، وعندما رأت ملامحي توقفت للحظة. قالت بتردد: “حضرتك لازم ترتاح شوية يا أستاذ دانيال.” هززت رأسي. “هرتاح… بعد ما بنتي تبتسم تاني.” خرجت الممرضة بصمت. وبعد دقائق، فتحت ليلى عينيها بصعوبة. حاولت الكلام، لكن الأسلاك منعت فمها من الحركة. اقتربت منها. “متتكلميش.” كتبت بإصبعها المرتجف على الملاءة البيضاء: “هما… هيهربوا؟” شعرت بشيء يحترق داخل صدري. وضعت يدي فوق يدها. “لأ.” ثم أضفت لأول مرة منذ سنوات طويلة:
“أقسم لك.” أغمضت عينيها من جديد، وكأنها صدقتني تمامًا. في الجهة الأخرى من المدينة… كانت الموسيقى تصدح داخل قصر عائلة أحمد كمال. ضحكات. سيارات فارهة. وأكواب كريستال تمتلئ بالمشروبات. كان أحمد يجلس مع كريم ومروان حول المسبح. قال كريم وهو يضحك: “سمعت إن البنت لسه في العناية.” رد مروان باستهزاء: “حتى لو ماتت… بابا هيطلعنا منها.” ضحك الثلاثة بصوت عالٍ. وفجأة… انطفأت جميع الأنوار. ساد الظلام. ثانيتان… ثلاث… ثم عاد التيار.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر. كانت هناك علبة سوداء صغيرة فوق الطاولة. نظروا إليها باستغراب. فتحها أحمد بيده المرتجفة. في الداخل… ثلاث رصاصات سوداء. وتحتها ورقة واحدة. كُتب عليها بخط أنيق: “كل رصاصة تحمل اسم واحد منكم.” وفي أسفل الورقة… توقيع لم يسمعوا به من قبل. الشبح. اختفت الابتسامات من وجوههم. قال مروان وهو يحاول التظاهر بالهدوء: “مين الشبح ده؟” لكن والد أحمد، الذي كان يقف خلفهم، سقط الكأس من يده عندما رأى الاسم.
شحبت ملامحه. وهمس بخوف لم يشعر به منذ عشرين عامًا: “مستحيل…” رفع ابنه رأسه إليه. “بابا… تعرفه؟” ابتلع الرجل ريقه بصعوبة. وقال بصوت مبحوح: “لو اللي كتب الرسالة هو الشبح الحقيقي…” توقف للحظة. “…يبقى إحنا مش بندور على محامي.” نظر إلى أبنائه واحدًا تلو الآخر. “…إحنا بندور على طريقة ننجو بيها.” وفي نفس اللحظة… توقفت أمام المستشفى عشر سيارات سوداء بلا لوحات. نزل منها رجال يرتدون بدلات سوداء، يتحركون في صمت تام.
دخل أكبرهم إلى غرفة دانيال، ثم انحنى برأسه احترامًا. وقال: “كل الملفات جاهزة يا باشا.” رفع دانيال نظره ببطء. “إيه أول خبر؟” أجاب الرجل: “لقينا السر اللي هيوقع العائلات التلاتة… لكن فيه مشكلة.” ضاقت عينا دانيال. “إيه هي؟” تنفس الرجل ببطء وقال: “اللي خطط للاعتداء على الآنسة ليلى… مش واحد من الشباب التلاتة.” ساد صمت ثقيل. “فيه شخص أقوى منهم كلهم…” ثم أخرج صورة ووضعها أمام دانيال. نظر إليها… وتجمد مكانه.
لأن الوجه الذي رآه في الصورة… كان لشخص اعتقد أنه دفـ,ـنه بيديه منذ عشرين عامًا.ظل دانيال يحدق في الصورة لعدة ثوانٍ دون أن ينطق. ثم التقطها ببطء، وكأنها قد تنفجر بين يديه. كان الوجه مألوفًا… ندبة طويلة تمتد من الحاجب الأيسر حتى الذقن. وعين باردة لا تعرف الرحمة. همس لأول مرة منذ عشرين عامًا: “يوسف…” ارتبك الرجل الواقف أمامه. “حضرتك تعرفه؟” أغلق دانيال عينيه للحظة. “أنا اللي قـ,ـتلته.” ساد الصمت داخل الغرفة.
قبل عشرين عامًا، كان يوسف الذراع اليمنى للشبح. الرجل الوحيد الذي عرف جميع أسرار الإمبراطورية. لكن عندما قرر دانيال ترك عالم الجري\مة بعد ولادة ليلى، رفض يوسف القرار. قال يومها: “إحنا مفيش حد بيسيب اللعبة يا باشا… يا نعيش فيها… يا نمـ,ـوت.” وانتهى الأمر بمواجهة دامية داخل أحد المخازن المهجورة. بعدها اشتعل المكان بالنـ,ـيران. ولم يعثر أحد على ج\ثة يوسف. لذلك اعتقد الجميع أنه مات. لكن الحقيقة… أنه كان حيًا طوال هذه السنوات.
— في صباح اليوم التالي… استيقظت المدينة على خبر صادم. تم تجميد حسابات شركة والد أحمد كمال بعد تسريب مستندات مالية سرية. وفي الوقت نفسه، داهمت هيئة الرقابة مكاتب شركة عائلة مروان شريف. أما النائبة، والدة كريم عزت، فقد انتشرت على جميع القنوات تسجيلات صوتية تتحدث فيها عن رشاوى وصفقات غير قانونية. خلال ساعات… تحولت العائلات الثلاث من أصحاب نفوذ إلى متهمين يحاولون الدفاع عن أنفسهم. لكن دانيال لم يشعر بأي انتصار.
لأنه كان يعلم أن هذه مجرد البداية. — في المساء… رن هاتفه مرة واحدة. رقم مجهول. فتح الخط. جاءه صوت هادئ مليء بالسخرية: “واضح إنك رجعت يا شبح.” لم يرد دانيال.