ابني وابن أقرب صاحبةليا

ابني وابن أقرب صاحبة ليا اتولدوا بنفس الوحمة النادرة… نفس الهلال الصغير المستخبي ورا الودن الشمال، ونفس المكان، ونفس الحجم، لدرجة إن الدكاترة يوم ولادة ابني وقفوا يتفرجوا عليها وقالوا إنها من أندر الوحمات اللي ممكن يشوفوها… يومها جوزي ضحك وقال: “أهو لو ضاع مننا يوم، الوحمة دي هترجعهولنا.” وضحكنا كلنا، ومحدش فينا كان يعرف إن الضحكة دي هتبقى بداية أكبر كابوس في حياتي.

أنا اسمي ندى، ومتجوزة شريف من سبع سنين. يوم ما ربنا رزقنا بابني “آدم”، كنت حاسة إن الدنيا كلها بقت ملكي. الولادة كانت متعبة، لكن أول ما حطوه في حـ,ـضني نسيت كل الوجع. بعدها بدقائق، الدكتورة نادت شريف وورته الوحمة الصغيرة اللي ورا ودن آدم، وقالت إنها حالة نادرة جدًا. شريف ضحك وهزر، وأنا ضحكت معاه، وطلعنا من المستشفى وإحنا فاكرين إن الموضوع مجرد تفصيلة لطيفة هنحكيها لابننا لما يكبر.

عدت خمس سنين، وكانت أقرب إنسانة ليا في الدنيا هي صاحبتي “هبة”. كنا أصحاب من أيام الجامعة، وأسرارنا كلها عند بعض، ولما حملت فرحتلها كأنها أختي. وبعد ما ولدت بأسبوع، رحت أباركلها وأشوف البيبي. أول ما شلته بين إيديا… قلبي وقع. ورا ودنه الشمال… كان فيه نفس الهلال الصغير. مش شبهه… لأ. هو هو. نفس الحجم. نفس الانحناءة. نفس المكان. بصيت لهبة، وقلت وأنا بحاول أضحك: “معقول؟! حتى الوحمة طلعت زي آدم!” ضحكت وقالت ببساطة:
“يمكن صدفة.”

ضحكت معاها… لكن جوايا كان فيه صوت بيقول إن اللي قدامي مش صدفة أبدًا. من يومها بقيت أركز في الولدين أكتر من اللازم. كل شهر يعدي، الشبه بينهم يزيد. نفس الضحكة، نفس النظرة، نفس طريقة الوقوف. والأسـ,ـوأ إن الناس بدأت تلاحظ. مرة واحدة في النادي، ست كبيرة وقفتني وقالت:
“دول إخوات؟” ضحكت بسرعة وقلت:
“لأ… ده ابن صاحبتي.” لكن السؤال فضل يرن في وداني طول اليوم. فضلت أقنع نفسي إني بتوهم. يمكن عشان الولدين في نفس السن. يمكن عشان بقضوا وقت طويل مع بعض.

لحد يوم عيد ميلاد آدم. كنت بلم الصور على الموبايل، وبعدين طلعت ألبوم قديم كنا مصورينه بالكاميرا. وقعت في إيدي صورة آدم وابن هبة واقفين جنب بعض. لأول مرة شفتهم من بره. حتى أنا اتخضيت. في اللحظة دي دخل شريف، خد الصورة يبص عليها، ووشه اتغير في ثانية. حاول يرجعها مكانها بسرعة. بس أنا كنت لمحته. في الليلة دي مقدرتش أسكت. استنيته لما دخل الأوضة، وقفت قدامه، وبصيت في عينه وقلت: “عايزة أسألك سؤال… وجاوبني بصدق.”

قال باستغراب:
“خير؟” قلت وأنا حاسة إن قلبي هيقف: “إنت خـ,ـنتني مع هبة؟” اتجمد مكانه. وشه بقى أبيض. وبقى باصص في الأرض. عدت ثواني… لكن بالنسبة لي كانوا عمر كامل. وأخيرًا قال بصوت مكسـ,ـور: “كنت بدعي ربنا إنك عمرك ما تسأليني السؤال ده.” حسيت إن روحي خرجت مني. قلت وأنا ببكي: “يعني كلامي صح؟” رفع راسه بسرعة وهزها. “لأ… والله لأ.” صرخت فيه: “أمال ليه ابني وابنها شبه بعض بالشكل ده؟” غمض عينه. ومسح وشه بإيده كذا مرة.

وبعدين مشي من غير ولا كلمة. فتح الدولاب اللي في طرقة الشقة. وقف على كرسي. ونزل ظرف قديم متغطي بالتراب. كان أول مرة أشوفه. الظرف كان مقفول من سنين. ولونه مصفر من الزمن. ولما بصيت عليه… اتجمدت. لأن اللي كان مكتوب عليه بخط إيد أبويا الله يرحمه، خلاني أنسى حتى أتنفس. بصلي شريف وهو ماسك الظرف بإيده، وقال بهدوء: “أبوكي قبل ما يمـ,ـوت… خلاني أوعده إن السر اللي جوه الظرف ده، عمري ما أقولهولك مهما حصل.”

في اللحظة دي، رجلي خـ,ـانتني. لأنني طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن أسـ,ـوأ احتمال هو إن جوزي يكون خـ,ـانني مع أقرب صاحبة ليا… لكن بعد ما عرفت إن أبويا نفسه هو طرف في الحكاية… اتمنيت من كل قلبي لو كانت مجرد خيـ,ـانة… لأن الحقيقة اللي كانت مستخبية جوه الظرف… بعدما فتحتُ الظرف، وجدتُ بداخله عقد زواج شرعي قديم، وصورةً باهتة، ورسالةً بخط يد أبي رحمه الله. لم أفهم شيئًا. رفعت رأسي نحو زوجي وأنا أرتجف، وسألته:

“إيه ده؟” قال بصوتٍ مكسور: “أبوك طلب مني أقسم بالله إني ما أقولكش الحقيقة طول ما هو عايش… وحتى بعد وفـ,ـاته، إلا لو جه اليوم اللي بقيتي مستحيل تكملي من غير ما تعرفي.” فتحت الرسالة. وكان أول سطر فيها: “سامحيني يا بنتي… أنا أخفيت عنك سرًا كنت فاكر إنه هيحميكي، لكنه في النهاية دمـ,ـرك.” بدأت أقرأ وأنا أشعر أن الأرض تتحرك تحت قدمي. قبل أكثر من ثلاثين سنة… كان أبي متزوجًا من امرأة أخرى قبل أن يتزوج أمي.

استمر الزواج عدة أشهر فقط، ثم انتهى بالطلاق بسبب ظروف عائلية معقدة. لكن تلك المرأة كانت حاملًا. وأنجبت بنتًا اسمها… سمر. توقفت أنفاسي. سمر… هو الاسم الحقيقي لصديقتي التي عرفتها طوال حياتي باسم “إيمان”، لأنها كانت تعيش مع زوج أمها الذي سجّلها باسمه بعد وفـ,ـاة والدتها. أعدت قراءة السطر مرات. لا… لا يمكن يعني إيمان… أختي؟ سمعت زوجي يقول بهدوء: “أيوه… إيمان أختك من أبوكي.” انهرت في مكاني. كل الذكريات مرت أمام عيني. كيف كان أبي يعاملها بحنانٍ زائد كلما زارتنا؟

كيف كان يصر على مساعدتها ماديًا دون سبب؟ كيف كان يقول دائمًا إنها “بنت غالية عنده”؟ كنت أظن أنه يشفق عليها لأنها يتيمة. لكن الحقيقة… كانت ابنته. ثم أكملت القراءة. كتب أبي: “لما عرفنا الحقيقة بعد وفـ,ـاة أمها، كانت لسه صغيرة. حاولت أضمها لي، لكن أهلها رفضوا، وخفت لو ظهرت الحقيقة أهد بيوت وأفتح جـ,ـروح ملهاش آخر. فقررت أقربها منك من غير ما تعرفي إنها أختك.” كانت يداي ترتجفان. سألت زوجي: “وأنت… كنت عارف؟” خفض رأسه.

“عرفت بعد جوازنا بسنين.” “وسكت؟” “لأن أبوكي كان بيمـ,ـوت… وكان كل اللي طلبه مني إني أحافظ على السر.” صرخت: “سيبتني أتهمك في شـ,ـرفك!” دمعت عيناه. “كل يوم.” “كل يوم كنت بمـ,ـوت وأنا ساكت.” ثم أخرج صورة أخرى. كانت صورة قديمة جدًا. أبي يقف في منتصف الصورة. وعلى يمينه طفلة صغيرة هي نفسها إيمان. لكن في الصورة كانت تقف بجوار أبي وهي تضحك. وخلف أذنها اليسرى نفس العلامة الهلالية. تذكرت ابني وتذكرت ابنها. العلامة لم تكن صدفة.

كانت علامة وراثية موجودة في عائلة أبي، وانتقلت إلى حفيديه من ابنتيه. عندها فقط… فهمت لماذا كان الولدان يشبهان بعضهما إلى هذا الحد. لم يكونا أبناء رجل واحد… بل كانا ابني أختين. في اليوم التالي ذهبت إلى إيمان. فتحت لي الباب وهي مبتسمة كعادتها. لكنها بمجرد أن رأت وجهي… اختفت ابتسامتها. قلت لها: “أنتِ عارفة.” أغلقت عينيها. ثم همست: “عرفت بعد وفـ,ـاة بابا بسنة.” شعرت بطـ,ـعنة في قلبي. “يعني الكل كان عارف… إلا أنا؟” انفـ,ـجرت تبكي.

قالت: “والله حاولت أقولك ألف مرة.” “لكن أبوك كان موصيني… وكان شايف إن الحقيقة هتكسـ,ـرك.” قلت وأنا أبكي: “كسرتوني أكتر بسكوتكم.” جلسنا ساعات طويلة. نتكلم. ونبكي. ونتذكر. وفي نهاية اليوم… لم أعد أنظر إلى إيمان باعتبارها صديقتي فقط. بل أختي التي حرمت منها ثلاثين سنة. أما زوجي… فاحتجت وقتًا طويلًا حتى أسامحه. لم يخنّي. لكنه أخفى عني حقيقة كانت تخص حياتي. وأبي رحمه الله أدركت أنه لم يكن رجلًا سيئًا. كان يظن أنه يحمي أسرته لكنه نسي أن الحقيقة مهما طال غيابها ستعود يومًا.

وكلما تأخرت كان ثمنها أكبر. ومنذ ذلك اليوم كلما رأيت العلامة الصغيرة خلف أذن ابني، لم أعد أراها دليل خـ,ـيانة كما ظننت يومًا. بل صارت تذكرني بأن بعض الأسرار لا تدمـ,ـرنا لأنها شـ,ـريرة… بل لأنها ظلت مخفية وقتًا أطول مما ينبغي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0