سر الغرفة المظلمة القصة الكاملة
من وقت ما تليفونها رن الساعة خمسة الفجر، وسلمى كانت حاسة إن حياتها خلاص اتقسمت لنصين. صوت أبوها كان متقطع، وكأنه مش قادر يطلع الكلام من بقه من كتر الصدمة والذهول. إل… إلحقيني يا بنتي… أختك ريم… راحت. سلمى افتكرت إنها سمعت غلط، أو إنها لسه غرقانة في كابو.س تقيل مش عارفة تصحى منه. ردت بصوت مړعوپ ومرتعش راحت فين يا بابا؟ لكن اللي وصلها بعد كده مكنش إجابة، كان صوت عياط أمها المكتوم اللي بيقطع القلب، وصړاخ الجيران اللي بدأوا يتجمعوا، وخبطات الأبواب وهي بتتفتح بسرعة في عمارة عيلتهم.
وقع منها الموبايل على الأرض، وجريت تنزل السلم وهي حافية، مش قادرة تستوعب إن أختها ريم، البنت اللي كانت بتكلمها قبل النوم بساعتين بس، وتضحك معاها وتخطط معاها لبكرة، دلوقتي بقت چ.ثة هامدة.
البيت كان مليان ناس في وقت قياسي. الغرف اللي كانت دايماً مليانة بضحك ريم وصوتها وهي بتغني، بقت فجأة مسرح للحزن والۏجع الكئيب. كل واحد من القرايب والجيران كان بيقول رواية مختلفة وتفسير من عنده، وكأنهم بيحاولوا يهربوا من الحقيقة المرة.
واحدة تقول جلطة مفاجئة، وواحد تاني يقول هبوط حاد في الدورة الدموية، وحد تالت يقسم إنه سمع إنها كانت بتشتكي من ۏجع خفيف في صدرها من كام يوم بس مكانتش عايزة تقلق حد. لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة وسط كل الهيبرة دي، إن ريم ماټت وهي نايمة في سريرها، ومن غير أي علامة أو مرض يسبق اللي حصل.
سلمى سابت الزحمة ودخلت أوضة أختها. السرير كان لسه مرتب بطريقتها اللي بتحبها. الكوباية اللي شربت منها المية قبل ما تنام لسه موجودة على الكومود بجانب السرير.
المصحف بتاعها مفتوح عند آخر صفحة كانت بتقرأها قبل ما تغمض عينيها الأخيرة، وريحة البرفان اللي كانت بتحبه لسه مالية أركان المكان. وقتها بس، ركبتها خانتها ومقدرتش تقف، وقعدت على الأرض تبكي لأول مرة من قلوبها، حاسة إن جزء كبير من روحها اتسحب منها.
بعد ساعات طويلة وثقيلة من الإجراءات، وصل تصريح الډفن، واتنقل الچثمان لمكان التغسيل الملحق بمسجد المنطقة. المغسلة كانت ست كبيرة في السن، ملامحها هادية ومريحة، اشتغلت في المهنة دي أكتر من عشرين سنة، وشافت مئات الحالات وتعودت على كل أنواع الفراق.
بصت لأهل ريم وقالت بنبرة حنونة بس حاسمة مين من أخواتها أو قرايبها هيقدر يدخل يساعدني؟ كل البنات والقريبات بصوا في الأرض، الخۏف والرهبة من المۏت كان باين في عيونهم ومكتف حركتهم. لكن سلمى رفعت إيدها من غير ما تتردد ثانية واحدة وقالت أنا هدخل. أمها حاولت تمنعها وهي پتبكي بلاش يا بنتي… انتي حالتك صعبة ومش هتتحملي الصدمة. لكن سلمى أصرت وقالت دي أختي يا أمي… وحبيبتي… وآخر خدمة وأقرب حاجة أقدر أعملها ليها في الدنيا. المغسلة هزت رأسها بإعجاب وشفقة، وسمحت لها بالدخول.
أول ما فتحت سلمى باب أوضة التغسيل، خدت نفس عميق عشان تثبت نفسها.
المكان كان هادي بشكل غريب ومريح للأعصاب، وريحة المسک والصابون كانت مالية الجو، وكل أدوات التغسيل متجهزة بدقة. الچثمان كان محطوط على طاولة التغسيل ومتغطي بالكامل بالكفن الأبيض. سلمى قربت بخطوات بطيئة، ودموعها نازلة في صمت، ولسه بتمد إيدها عشان تبدأ تساعد المغسلة… وفجأة، النور قطع! الغرفة بالكامل ڠرقت في ظلام دامس ومفاجئ. واحدة من القريبات اللي واقفين عند الباب صړخت من الخۏف، والمغسلة قالت بسرعة وبثبات محدش يتحرك
من مكانه عشان مفيش حاجة تقع. فضلوا واقفين في الضلمة حوالي دقيقة كاملة، وبعدين الكهرباء رجعت لوحدها بنفس المفاجأة.
المغسلة ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتحاول تهدي الكل وقالت يمكن حمل زيادة على خط الكهرباء… بتحصل كتير في الصيف.
سلمى كملت خطواتها كأنها محاولتش تفكر في الموضوع أو تديه أكبر من حجمه. لكن أول ما قربت من أختها ريم مرة تانية، ومدت إيدها ببطء عشان تساعد في تجهيز المية… الكهرباء قطعت للمرة التانية! المرة دي الصمت في الأوضة كان مخيف ومرعب بشكل مش طبيعي، حتى صوت المراوح اللي كان شغال اختفى تماماً وكأن التيار اتسحب من المبنى كله. في الضلمة دي، كل الموجودين لفوا وبصوا ناحية سلمى. واحدة من الستات همست للي جنبها بنبرة مړعوپة انتي شوفتي اللي حصل؟
ردت التانية بصوت أوطى ورعشة واضحة آه… أول ما قربت هي من الچ.ثة، النور فصل. سلمى حست بالارتباك، وخرجت بره الأوضة عشان يطلبوا كشافات طوارئ من بره. والغريب جداً، إنه فور ما رجليها خطت عتبة الباب وخرجت… رجع النور فوراً واشتغل المكان كله! المغسلة وقفت مكانها، وبصت للسقف وللمبات بشك وحيرة، ثم التفتت وقالت ادخلي تاني يا بنتي، خلينا نسمي الله ونخلص.
سلمى دخلت وهي بتحاول تقنع نفسها بأي طريقة إن ده مجرد عطل فني غبي وصادف وقوفها. خطوة… خطوتين… ولما لمست طرف الكفن الأبيض بإيدها… الكهرباء انقطعت للمرة التالتة على التوالي وبنفس النمط! المرة دي محدش اتكلم ولا همس.
كل الوجوه اتغيرت وملامح الړعب والذهول اترسمت على الكل. حتى المغسلة نفسها، الست القوية اللي عمرها ما خاڤت من أي موقف طوال عشرين سنة في شغلها، حسّت بقشعريرة باردة في جسمها كله. سلمى من كتر رعبها واستغرابها خرجت تجري بره الأوضة، وبمجرد ما خرجت وعدت الباب، النور رجع تاني كأن مفيش أي حاجة حصلت!
أحد العمال المسؤولين عن المسجد جرى بسرعة على لوحة الكهرباء الرئيسية، فضل يراجع المفاتيح واحد واحد، ويشوف الفيش والأحمال. وبعد دقائق رجع ووشه باهت ومستغرب يا جماعة… مفيش أي قاطع فصل… ولا في ماس كهربائي… ولا حتى في لمبة واحدة محروقة! كل حاجة سليمة!
في اللحظة دي، الوضع مكنش ينفع يتسكت عليه، فطلبوا فني الكهرباء المختص اللي كان شغال في صيانة المبنى وشبكة المنطقة كلها. وصل الفني بعد ربع ساعة تقريبًا، ومعاه أجهزته وعدته. كشف على الأسلاك، والعداد الرئيسي، ولوحة التوزيع، والمفاتيح الداخلية لغرفة التغسيل. كان كل شيء سليم بنسبة مية في المية والأجهزة بتقرأ تيار طبيعي. لكن وهو بيبص في تقرير الأحمال والذبذبات على الشاشة الرقمية الصغيرة لجهاز الفحص اللي في إيده، سكت فجأة… اتغير لون وشه تماماً، وظهرت عليه علامات صدمة حقيقية.
رفع عينه ببطء ناحية سلمى، ثم ناحية أوضة التغسيل، وقال جملة خلت كل الموجودين يتبادلوا نظرات مړعوپة أنا شغال في المجال ده بقالي 18 سنة… وعمري ما شفت ولا هشوف حاجة زي اللي حصلت هنا!
الكل اتلم حوالين الفني، وأبو سلمى قرب منه وهو ماسك دموعه وسأله بصوت مرعش في إيه يا ابني؟ قولي إيه اللي بيحصل والنور بيقطع ليه لما بنتي تقرب من أختها؟ الفني شاور على الشاشة الرقمية وقال وهو مش مصدق نفسه يا حاج، الجهاز مش قاري عطل في الشبكة.
الجهاز قاري إن أول ما الآنسة دي بتدخل وتقرب من المكان، بيحصل سحب مفاجئ وضخم جداً للطاقة الكهرومغناطيسية من الجو المحيط بالكامل! وكأن في مجال