في جلسة الطلا.ق

حصري روايات مشيرة محمد
في جلسة الطلاق وقف ماهر وابتسم بسخرية للقاضي وقال إني طول العشرين سنة اللي فاتوا مكنتش أكتر من حمارة شغل عنده وكان فاكر إن إهانته ليا هتنهي القضية لصالحي بس بدل ما أعيط قمت وقفت وكشفت له وللقاعة كلها الندوب اللي قضى سنين بيخبيها وشفت الثقة في عينيه بتتحول لخوف القاعة كلها سكتت أول ما ماهر ضحك مكنتش ضحكة محـ,ـرجة ولا ضحكة توتر كانت ضحكة راجل حاسس إنه محدش يقدر يمسه طول العشرين سنة اللي فاتوا بنى لنفسه سمعة كصاحب مطاعم ناجح ورجل أعمال عصامي وشخصية محترمة في المجتمع ودلوقتي وهو قاعد ببدلته الغالية كان مصمم

يمسح وجودي تماماً من حياته يا سيادة القاضي كفاية تمثيل بقى مراتي مابنتش المطعم بتاعي دي كانت بتشيل كراتين وتمسح أرضيات دي كانت مجرد حمارة شغل عندي الضحك اتنقل لوش محاميه ووراهم حبيبته الأصغر منه مي حاولت تخبي ضحكتها الإهانة رنت في أرجاء القاعة بس أنا ماتأثرتش لا عيطت ولا صرخت

بالعكس شريط ذكريات العشرين سنة عدى قدامي فتح المطعم قبل الفجر وورديات الستاشر ساعة وشيل البضايع التقيلة في التلج والمطر والحر وإيدي اللي اتحرقت في المطبخ والأعياد وأعياد الميلاد اللي ضيعتها كل ده ضحيته عشان ماهر يقف قدام الزباين ويسمي نفسه رجل أعمال عصامي القاضية بصتلي بلطف وقالت يا مدام إيمان تحبي تردي ماهر رجع لورا بثقة وقال اتفضلي يا إيمان احكي للكل إزاي مسح الأرضيات خلاكي شريكة في البيزنس كان عايزني أتعصب وعايزني أبين إني طليقة مغلولة بتشحت فلوس بس بدل ده قمت وقفت ببطء ومحاميتي سناء فضلت ساكتة بس كنت حاسة إنها مجهزة كل حاجة ومن غير ولا كلمة

فكيت زراير الجاكيت وابتسامة ماهر بدأت تختفي لفيت ووريتهم ندبة الحرق الطويلة اللي على دراعي القاعة سكتت تماماً وطلع صوت شهقات وبعدها كشفت عن أثر العملية اللي واصل لضلوعي ندبة لحادثة حصلت من سنين حادثة ماهر قضى سنين يداريها مي ابتسامتها اختفت تماماً ومحامي ماهر اتعدل في قعدته والقاضية ضيقت عينيها وهي بتبص قولت بهدوء أنت قولت للكل إني اتصبت في البيت وقولت لشركة التأمين إني مش موظفة وقولت للمستشفى إني كنت مجرد واحدة بتساعد جوزها ملامح ماهر اتغيرت وبقت مظلمة وقال ده ملوش علاقة بقضية الطلاق ولأول مرة ابتسمت وقولت لا ده ليه علاقة بكل حاجة سناء قامت وحطت ملف

أزرق تقيل على الطاولة ملف فيه تقارير طبية وورق مرتبات ومطالبات تأمين وشهادات شهود عشرين سنة من الأدلة ماهر بص للملف ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا شفت في عينيه حاجة عمري ما شفتها قبل كدة الخوف لأنه أدرك فجأة إن الموضوع مبقاش مجرد قضية طلاق ده كان بداية الحقيقة والحقيقة دي كانت هتكلفه أكتر بكتير من نص مطعمه

حصري روايات مشيرة محمد
ساد صمت تقيل في قاعة المحكمة، صمت مكنش فيه غير صوت نَفَس ماهر اللي بدأ يتسارع، وصوت تكييف القاعة اللي فجأة بقى مسموع زي دقات الساعة. القاضية كانت بتبص للملف الأزرق اللي حطته المحامية سناء قدامها، نظراتها كانت حادة، وبدأت تقلب في الورق بتركيز شديد. ماهر كان بيبص للملف زي ما يكون بيبص على ثعبان، عرق بارد بدأ يظهر على جبينه، ومحاميه اللي كان من شوية بيضحك، بدأ يهمس في ودنه بتوتر، بس ماهر مكنش سامع حد، كان عينه بس على الملف.

بصيت ل مي اللي كانت قاعدة ورا ماهر، وشفتها بتهز رجلها بعصبية، نظرات الغرور اللي كانت في عينيها اختفت تماماً، وبدأت تحاول تستخبى ورا ضهر الكرسي. القاضية بصت ل ماهر وقالت بصوت هادي بس مرعب يا أستاذ ماهر، الملف ده فيه سجلات المستشفى اللي دخلتها إيمان بعد الحادثة اللي حصلت في المطبخ الصناعي بتاعك من خمس سنين، وفيه شهادات من العمال اللي كانوا موجودين وسمعوك وأنت بتهددهم بالطرد لو نطقوا بكلمة، وفيه كمان نسخ من عقود وهمية كنت بتخليها تمضي عليها عشان تضمن إنها متبانش كموظفة رسمية في الدفاتر الضريبية بتاعتك.

ماهر حاول يجمع شتات نفسه وقال بصوت متهدج يا سيادة القاضية، دي مجرد أوراق قديمة، وإيمان كانت بتساعدني بحب، محاولة منها إنها تبتزني دلوقتي عشان الطلاق.. دي كلها أكاذيب.
ضحكت سناء بسخرية وقالت أكاذيب؟ طيب تحب أشرح للقاضية ليه فيه تحويلات بنكية منتظمة كانت بتوصل لحسابها بلقب مكافأة عمال، وليه فيه تأمين صحي باسم الشركة اتدفع مرتين؟ مرة ليك ومرة لمساعدة زي ما أنت مسميها؟.
بصيت ل ماهر وقلت ببرود أنا مكنتش حمارة شغل يا ماهر، أنا كنت العقل اللي بيدير المطعم ده وأنت بتشرب سيجارك وتستقبل الزباين بوشك البشوش.

أنا اللي كنت بسهر أظبط الحسابات، أنا اللي كنت بدرب العمال، وأنا اللي كنت بلم كسورك وببنيها تاني. الندبة اللي في دراعي دي هي اللي دفعت تمن توسيع فرعك التاني، والعملية اللي في ضلوعي هي اللي دفعت تمن ديكور المطعم اللي بتفتخر بيه. كل قرش في جيبك النهاردة، هو عرق دمي، اللي أنت قررت تختصره في كلمة مهينة.
القاعة بدأت تهمس تاني، بس المرة دي الهمس كان في صفي. القاضية رفعت الملف وبصت ل ماهر وقالت يا أستاذ ماهر، القانون لا يحمي المغفلين، ولا بيحمي النصابين. الأدلة دي كافية جداً عشان نفتح

تحقيق مش بس في الطلاق، ده ممكن يفتح عليك أبواب تانية خالص بخصوص التهرب الضريبي ومخالفات السلامة المهنية.
وش ماهر بقى أبيض زي الورقة، وبص لي بنظرة استجداء، نظرة مكنش فيها أي أثر للضحكة المستفزة اللي كانت من شوية. إيمان، ارجوكِ.. خلينا نتكلم بره، بلاش نكبر الموضوع، أنا ممكن أتنازل عن حاجات كتير، بس بلاش الفضيحة دي.
بصيت له وابتسمت ابتسامة خالية من أي مشاعر أنت اللي اخترت الطريقة دي يا ماهر. أنت اللي صممت تحول سنين عمري لإهانة قدام الناس. أنا مكنتش عايزة غير حقي اللي ضاع، وأنت اللي حولت الموضوع لمعركة تكسير عظام. طيب، أنا قبلت التحدي.

سناء وقفت وقالت بثقة سيادة القاضية، موكلتي بتطالب بالتعويض العادل عن سنوات العمل اللي لم يُدفع أجرها، وعن الأضرار الجسدية والنفسية اللي تسببت فيها سياسة ماهر في التعامل معها، بالإضافة لنصيبها القانوني في كافة ممتلكات المطعم اللي اتأسس بجهدها الخاص.
القاضية خبطت بالمطرقة وقالت تم تأجيل الجلسة ليوم الخميس، وعلى محامي المدعى عليه إنه يجهز الرد على الأدلة دي، وبحذركم، أي محاولة للتلاعب

بالشهود أو طمس أدلة تانية، هتتحول لجناية.
خرجنا من القاعة، ماهر كان ماشي ورايا، مي كانت بتبص لي بحقد، بس أنا مكنتش شايفاهم. حسيت بوزن عشرين سنة اتشال من على كتافي. خرجت للهوا، وأول مرة في حياتي حسيت إن الهوا طعمه حرية. سناء جت جنبي وقالت لي إيمان، أنتي عملتي الصح، اللي زيه مبيفهمش غير لغة الحقيقة اللي كان فاكر إنه قدر يدفـ,ـنها.
ماهر وقفني قبل ما أركب العربية وقال بصوت واطي أنتي دمرتي كل حاجة، دمرتي اسمي، ومطاعمي، ومستقبلي.

بصيت في عينيه وقلت لا يا ماهر، أنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إنك تقدر تستغل إنسانة وتهينها وتفضل عايش في سلام. أنا بس ساعدتك تواجه النتيجة.
روحت بيتي، البيت اللي كنت بلم فيه بقايا أحلامي، قعدت على الكنبة وفضيت الشنطة، طلعت منها صور قديمة، صور للمطعم وهو لسه بيبدأ، صور ليا وأنا لسه صغيرة، وصور ل ماهر وهو لسه بيحلم. حرقت الصور دي واحدة واحدة في طفاية السجاير، مع كل صورة بتتحرق، كان جزء من وجعي بيتبخر.
عدت الأيام، وماهر حاول بكل الطرق إنه يتفاوض، يبعت وسطاء، يهدد، بس الأدلة كانت أقوى من أي كلام.

القضية أخدت منحنى تاني، المطعم بقى تحت الحراسة القضائية، والناس اللي كانت بتهتف باسم رجل الأعمال العصامي بدأت تقرأ في الجرايد عن الراجل اللي استغل مراته.
في الجلسة النهائية، القاضية حكمت بحكم تاريخي. مش بس طلاق، ده كان إنصاف لكل ست بتضحي في صمت. خدت حقي، حقي اللي مكنش مجرد فلوس، ده كان اعتراف بوجودي، بتعبي، وبتضحيتي. ماهر طلع من المحكمة مكسور، والناس اللي كانوا بيحيوه، كانوا بيصوروا سقوطه.
وقفت قدام باب المحكمة تاني، بس المرة دي، مكنش فيه خوف، ولا فيه ندوب خايفة عليها. لبست الجاكيت بتاعي، ورفعت راسي، ومشيت في الطريق اللي اخترته لنفسي.

وعرفت إن اللي بيعيش على أكتاف غيره، لازم في يوم
يقع، وأن فاتورة العشرين سنة اللي ماهر كان فاكر إنه مش هيدفعها، بقت هي السبب في إنه يبدأ يحسب حسابات عمره من أول وجديد، بس بعيد عني، وبعيد عن حياتي. بدأت صفحة جديدة، صفحة مفيهاش إيمان المساعدة، فيها إيمان اللي بقت صاحبة قرارها، وصاحبة حياتها، واللي عرفت إن القوة مش في الصمت، القوة في إنك تواجه الحقيقة مهما كان تمنها غالي.
تمت. روايات مشيرة محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8